عبدالعزيز كوكاس - شاعر أعطى اسمه لحي، وشاعرٍ أعطى للروح أسماء لا تُحصى

في مدريد يوجد حيّ كامل اسمه "الأدب" في Barrio de las Letras، وتحمل شوارعها أسماء Miguel de CervantesوLope de Vega.. وفي روما، تشم الشوارع أسماء Dante Alighieri وFrancesco Petrarca، كأن الإمبراطورية التي كانت تحكم بالسيف، صارت تُخلَّد بالكلمات. وفي بوينس ايريس يحضر بورخيس في الشوارع والمكتبات، والمدينة نفسها تبدو كمتاهة من كتبه.
لكن لشبونة تفوقهم احتفاء بمن يضعون موسيقى للروح حسب تشيلي كما احتفاء فيينا بموسيقييها.. مدينة توزّع شعراءها في الشوارع، وتخلَّد أسماءهم في المقاهي والمطاعم والفنادق والأحياء، وفي تماثيل تتنفس بصمت.. كي لا يموت الشعر في الكتب. تمشي فيها، فتشعر أنك جملةٌ في نصٍّ أكبر، وكأنك تسير فوق ذاكرة الكلمات.
في شيادو، حيث تقع Livraria Bertrand أقدم مكتبة في العالم ما تزال مفتوحة منذ 1732. يشبه التجول بين الرفوف عبور الذاكرة الجماعية للبرتغال.
في ظهيرةٍ لشبونة هذه، في Chiado، هذا الحي الذي يشبه مزاجًا أدبيًا عابرًا للزمن. ينتصب الشاعر António Ribeiro Chiado، جالسًا في تمثاله، منحنيًا نحو العابرين، كأنه لا يزال يصغي إلى المدينة التي حملت اسمه، "شيادو" شاعر ومسرحي كبير في القرن السادس عشر، كان ساخرًا، لاذعًا، قريبًا من الناس… فمنح اسمه لحي عبره كبار الكتاب والمفكرين من بورخيس إلى بيسوا.. شيادو مكان تمشي فيه، فتشعر أن كل حجر قرأ كتابًا، وأن كل مقهى كتبت قصيدة..
هنا جلستُ إلى جانب بيسوا Fernando Pessoa كمن جاء ليختبر صدفةً قديمة بين روحين. أو ليلمس "لاطمأنينة" هذا الشاعر المتعدد الذي كتب في أكثر من جنس بأسماءٍ عديدة، لأنه لا يحتمل أن يكون واحدًا فقط. في مقهى A Brasileira الشهير، حيث القهوة لا تُشرب على عجل، كان بيسوا يجلس، يكتب، ويتأمل العالم كما لو أنه فكرة لم تكتمل بعد.
أمام Casa Havaneza كان الصمت بيننا أبلغ من أي حوار. مدّ بيسوا يده المعدنية، ليصافحني، ثم قال:
- اكتب.. فالحياة لا تُعاش، بل تُؤوَّل.
نظرتُ إليه، أو لعلّي نظرتُ إلى نفسي فيه، فقلت له:
- هل انتهيتَ من فهم هذا العالم؟
ابتسم أو خُيّل إليّ ذلك، وكأنّ ابتسامته كانت اعترافًا أخيرًا:
- العالم أكبر من أن يُفهم، وأجمل من أن يُفسَّر.
أحسست بأني صغير، بل غير مرئي أمام قامة شعرية بلا حدود، لم أكن أجلس مع تمثال، كنت أجلس مع احتمالٍ آخر لحياتي… حياة تتواضع في حضرة الشعر. حتى لتحس أن كل ما خطته يداك لا يساوي شيئا أمام هؤلاء الذين بصموا على جمالية لا تحد وعمق سامق..
بين بيسوا وشيادو، لا تفصل المسافة إلا خطوات، لكنها في الحقيقة مسافة بين شكلين من الشعر: شعرٌ يتشظى في الذوات، وشعرٌ يلتصق بالحياة اليومية.. بين شاعرٍ أعطى اسمه لحيّ، وشاعرٍ أعطى للروح أسماءً لا تُحصى…
أمشي في لشبونة كأنني أعبر مكتبةً مفتوحة. هنا، أدركتُ أن بعض المدن تُعرَف بأصواتها الخفية، بأولئك الذين جلسوا يوما ليكتبوا العالم، فصار العالم - بفضلهم- قابلاً لأن يُحكى ولأن يسمع ولأن يعاش.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...