يحيى بركات - من الطوفان إلى طهران… الحرب التي كشفت معنى القوة

لم يكن ما حدث في غزة مجرّد حرب.
ولم يكن ما جرى في طوفان الأقصى حدثًا يُضاف إلى ما سبقه.
كان كسرًا.
كسرًا في صورةٍ صُنعت على مدى عقود،
وفي دورٍ رُسم لكيانٍ أُريد له أن يكون فوق المساءلة.
منذ أن تشكّل هذا المشروع برعاية الحركة الصهيونية والدول الغربية،
لم يُقدَّم كدولة عادية،
بل كقوة حاسمة،
وكحقيقة نهائية،
وكمعادلة لا تُكسر.
كان يُفترض أن يحسم…
أن يردع…
أن يبقى.
لكن ما حدث في غزة…
لم يُسقط هذه القوة،
بل أسقط صورتها.
ومنذ تلك اللحظة…
لم يعد ما بعدها يشبه ما قبلها.
حرب الإبادة التي فُتحت على الهواء،
القصف الذي لم يعد يُخفى،
الأطفال الذين خرجوا من تحت الركام…
لم تكن مجرد مشاهد.
كانت كسرًا للرواية.
ومن هناك… بدأ التحول.
في بريطانيا، خرج الشارع أولًا،
قبل أن تتأخر السياسة في اللحاق به.
في إسبانيا، لم يعد الصمت ممكنًا،
وكأن شيئًا انكسر داخل اللغة نفسها.
في إيطاليا، اتخذت جورجيا ميلوني قرارًا لم يكن متخيّلًا قبل سنوات: تعليق التعاون العسكري مع إسرائيل.
ثم لحقت الدولة بالشارع… متأخرة، لكنها مضطرة.
في فرنسا، لم يعد الحديث عن فلسطين مجاملة دبلوماسية،
بل صار أداة ضغط.
وفي بريطانيا وأستراليا، لم تعد الانتقادات تكفي،
بل دخلت العقوبات إلى قلب الحكومة الإسرائيلية نفسها.
هذه ليست مواقف معزولة.
هذه نتيجة.
نتيجة بدأت في غزة…
وانكشفت أمام العالم.
في قلب هذا المشهد،
كان بنيامين نتنياهو يدفع بالحرب إلى أبعد من حدودها.
لم تعد غزة ساحة.
بل بوابة.
بوابة إلى حرب أوسع،
تمتد إلى إيران،
وتمرّ عبر لبنان،
وتعيد رسم المنطقة كلها.
في واشنطن، دخل دونالد ترامب الحرب بشعار واضح:
“أمريكا أولًا”.
لكن ما حدث…
لم يكن بهذه البساطة.
الضربة الأولى على إيران لم تكن رسالة.
كانت محاولة كسر.
استهدفت مركز القرار،
وقلب النظام،
في رهان واضح حتى لو لم يُعلن
أن الضربة ستفعل أكثر من تدمير:
ستفتح الداخل.
لكن الداخل… لم يسقط.
بقي كما هو…
أو بدا كذلك على الأقل.
ومن هنا… بدأ الارتباك.
في الولايات المتحدة،
لم يعد السؤال: هل ننتصر؟
بل: لماذا نحارب؟
احتجاجات في الشارع،
انقسام في الكونغرس،
أصوات حتى من داخل المجتمع اليهودي تقول إن ما يحدث لم يعد قابلًا للتبرير.
داخل المؤسسات، ظهرت شقوق.
استقالات… اعتراضات…
وصوت يقول: هذه ليست حربًا أمريكية واضحة.
شعار “أمريكا أولًا”…
لم يعد يقف كما كان.
وفي الخلفية، تساؤلات أكبر:
هل كان دونالد ترامب شريكًا كاملًا…
أم أنه دخل حربًا تجاوزت حساباته؟
هل كانت هذه حربًا مشتركة…
أم مسارًا دفعته إليه حسابات أخرى؟
لا إجابات معلنة.
لكن الأسئلة… لم تعد سرًا.
في المنطقة، لم تتوقف الحرب…
بل تغيّرت.
إيران دخلت باب التفاوض.
أما لبنان… فبقي في النار.
فصل المسارات لم يكن تفصيلًا.
كان قرارًا.
قرار أبقى الحرب حيّة حيث يريدها بنيامين نتنياهو،
حتى وهو يفتح باب التفاوض في مكان آخر.
وهنا، يظهر التناقض:
ترامب يطلب التهدئة…
ثم يجد نفسه داخل حرب لم تنتهِ.
لكن اللحظة التي لا يمكن تجاوزها…
ليست في طهران… ولا في واشنطن.
بل في صورة واحدة:
مدرسة.
قصف.
أطفال.
أجساد صغيرة… لا يمكن تفسيرها.
حتى الإعلام الأمريكي،
الذي اعتاد الدفاع أو التبرير،
توقف هذه المرة… ليسأل.
ومن هنا…
لم تعد الحرب رواية.
بل صورة.
والصورة… لا تُكذّب.
داخل إسرائيل نفسها، تغيّر الصوت.
لم يعد السؤال: هل ننتصر؟
بل: إلى أين نحن ذاهبون؟
خصوم بنيامين نتنياهو بدأوا يقولونها:
هذه الحروب… لم تعد فقط عن الأمن.
بل عن البقاء.
بقاء سلطة،
وبقاء رجل…
أمام محكمة… وأمام تاريخ.
ما نراه اليوم…
ليس نهاية حرب.
ولا بداية أخرى.
بل انكشاف.
انكشاف أن القوة، حين تنفصل عن الحق،
تتحول إلى عبء.
وأن فائض التدمير لا ينتج حسمًا،
بل قد يتحول إلى فخّ… يعيد إنتاج الحرب.
وهنا… نصل إلى ما هو أبعد من الحدث.
ما تكتبه د. غانية ملحيس عن “الفخّ المركّب”
ليس نظرية بعيدة،
بل وصف دقيق لما نراه:
قوة تتضخم…
لكنها تفشل في إغلاق الصراع.
حرب تتوسع…
لكنها لا تنتهي.
وما يطرحه خالد عطيه عن “تفكك أفق النهاية”
لا يقود إلى اليأس،
بل إلى تصحيح السؤال:
ربما ليست المشكلة أن النهايات غابت…
بل أننا ما زلنا نبحث عنها بالشكل الخطأ.
الحسم لم يعد ضربة قاضية.
الحسم… تغيّر موقع.
تغيّر في الصورة.
في الشرعية.
في معنى القوة نفسها.
وغزة…
لم تكن مجرد جرح.
كانت لحظة كشفت كل ذلك.
لهذا…
ما يبدو اليوم لا-حسمًا،
قد يكون بداية حسم من نوع آخر.
حسم لا يُعلن في بيان،
ولا يُقاس بعدد الصواريخ،
بل بما يتغير في وعي العالم،
وفي موقع القوة،
وفي قدرة من يملك السلاح… على أن يُقنع أنه يملك الحق.
في النهاية…
ربما لا يكون السؤال: متى تنتهي الحرب؟
بل: ماذا انتهى فيها فعلًا؟
انتهى وهم الردع المطلق.
انتهى وهم التفوق الذي لا يُسأل.
وانتهى وهم أن العالم يمكن أن يرى كل هذا… ثم يعود كما كان.
أما ما لم ينتهِ…
فهو الصراع.
وسيبقى كذلك،
لا لأن التاريخ عاجز عن الحسم،
بل لأن الحسم… لم يعد ما كنا نظنه.

يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
16/4/2026


تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...