عبدالمنعم الهراق - يوميات بائع كتب

لم تأت هذه المرة باحثة عن كتاب، لكنها جاءت لتتخلّص من كتاب ؛ بعد أربع سنوات مضت، والطلب معلّق بين رفّ وصمت، كأنّه ورقة امتحان لم ترغب يوما في الإجابة عنه.
وقفت أمامي، وفي صوتها شيء من الخجل و خفّة الناجين ، قالت: جئتُ لألغي طلب كتاب كنت قد حجزته من قبل ، أتذكره ؟
طبعا ، لولا الوصل الذي لازالت محافظة عليه كأنه خرج لتوه من المطبعة ، ناصع البياض يشهد على طيبوبة سريرتها.
حكت لي وكأنها تزيح عن صدرها غبار سنوات ثقيلة: لم يكن ذلك الكتاب اختيارها، لكنه في الحقيقة كان أمرا ممهورا بسلطة عليا ، مديرها في إحدى المؤسسات كان يعتقد أن الحياة تُدار بالأوامر، وأن الكتب تُقرأ بالإكراه، ويمكن للأرواح أن تُعاد صياغتها بتقرير إداري.
لم يكن يعجبه شيء ، ينتقد طريقتها في اللباس، يزعجه صمتها، يتدخل في كل شيء حتى تفاصيلها الصغيرة التي لا تعنيه.
وكان يمدّ يده إلى حياتها كما لو كانت ملفا على مكتبه ؛ ثم جاء ذلك اليوم، حين فرض عليها اقتناء كتاب محدد ، لا صلة له بمقرر الشغل ولا بخرائط الوظيفة ، قال إنه سيُغيّر حياتها، وسيفتح لها أبوابا لم تُفتح بعد، وهدّدها أنه سيسألها عن مضمونه ، وأن الإجابة قد تُكتب يوما في خانة الترقية ؛ لكنها بهدوء يشبه المقاومة، أجّلت الكتاب ، مرة بعد مرة، وتتلكأ حتى صار التأجيل فعل نجاة.
واليوم، بعد أن غادر ذلك المدير مكانه، وانتقل إلى مصلحة أخرى ، انفكّت القيود التي لا تُرى، وانزاح ذلك هم ذلك الوحش الكاسر عن صدرها جاءت لا لتشتري ذلك الكتاب ، لكن لتستعيد حقها في أن لا تقرأ إلاّ ما يشبهها وما يختاره قلبها.
رغم أنها تأخرت عن التصريح بإلغاء الطلب، لكن نزولا عند رغبتها ألغينا ذلك الطلب، واستبدلته بكتب أخرى اختارتها بنفسها ، لكن شيئا آخر انلغى أيضا ، تلك السلطة التي كانت تعتقد أن الكتاب يمكن أن يكون قيدا.
فخرجت خفيفة كما لو أنها تخلّصت من حمل قديم، وأدركتُ أن بعض الكتب لا ينبغي أن تُقرأ ، إلا حين تختارنا الحرية.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...