علي سيف الرعيني _|السلام المؤقت في لبنان قادرا على الصمود أم أنه مجرد استراحة قصيرة في صراع لم يقل كلمته الأخيرة بعد !!

مع دخول وقف إطلاق النار في لبنان حيّز التنفيذ، تتقدّم مشاهد العودة إلى الواجهة كأحد أكثر الفصول إنسانية وتعقيدًا في آنٍ واحد. فالسكان الذين أُجبروا على مغادرة منازلهم تحت وطأة القصف، يعودون اليوم لا بدافع الاطمئنان بقدر ما تدفعهم الحاجة إلى مواجهة الحقيقة: ماذا تبقّى من البيوت؟ وماذا تبقّى من الذاكرة؟
هذا التحوّل من ضجيج الحرب إلى صمت ما بعدها لا يعني بالضرورة نهاية الأزمة، بل هو انتقال إلى مرحلة أكثر حساسية. فوقف إطلاق النار، رغم أهميته، يظلّ إجراءً هشًّا ما لم يُدعّم بإرادة سياسية حقيقية تحول دون تجدّد المواجهات بين إسرائيل والفصائل في الداخل اللبناني. التاريخ القريب يثبت أن مثل هذه الهدن غالبًا ما تكون مؤقتة، تُستأنف بعدها دورة العنف بأشكال أكثر حدّة.
في المشهد الميداني، تبدو العودة مشوبة بالحذر. كثير من العائلات تدخل مناطقها على وقع الدمار، تتفقّد منازل تحوّلت إلى ركام، أو أحياء تغيّرت ملامحها بالكامل. هذه العودة ليست عودة للحياة الطبيعية، بل بداية لمرحلة إعادة التكيّف مع الخسارة. فالمنازل ليست مجرد جدران، بل حاضنة للذاكرة، وحين تتضرر، يتصدّع معها الإحساس بالأمان والانتماء.
سياسيًا، يطرح وقف إطلاق النار أسئلة جوهرية حول موازين القوى في المنطقة. هل نجحت الأطراف في تحقيق أهدافها؟ أم أن ما جرى ليس سوى إعادة تموضع بانتظار جولة جديدة؟ في هذا السياق، يُنظر إلى الهدنة كفرصة اختبار: قدرة الأطراف على الالتزام، واستعداد المجتمع الدولي للعب دور ضامن، وليس مجرد مراقب.
اقتصاديًا، يضيف الدمار عبئًا جديدًا على بلد يعاني أصلًا من أزمات مركّبة. إعادة الإعمار تحتاج إلى موارد ضخمة، وإلى استقرار طويل الأمد، وهو ما لا يزال غير مضمون. كما أن عودة السكان دون بنية تحتية جاهزة قد تخلق أزمة إنسانية ممتدة، تتجاوز لحظة الحرب إلى تداعياتها العميقة.
أما إنسانيًا، فالمشهد يحمل مفارقة قاسية: الناس يعودون إلى أماكن لم تعد كما كانت، ويبحثون عن حياة في فضاء مثقل بالخراب. ومع ذلك، تظل هذه العودة فعلًا من أفعال التمسك بالحياة، وإعلانًا ضمنيًا بأن الحرب، مهما اشتدّت، لا تستطيع اقتلاع جذور الانتماء
كما ان دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في لبنان ليس نهاية المشهد، بل بداية فصل جديد عنوانه: ما بعد الحرب. فصل تتداخل فيه السياسة بالإنسان، والركام بالأمل، والهدوء الظاهري بقلقٍ عميق حول ما إذا كان هذا السلام المؤقت قادرًا على الصمود أم أنه مجرد استراحة قصيرة في صراعٍ لم يقل كلمته الأخيرة بعد !!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...