عبدالمنعم الهراق - يوميات بائع كتب... عندما كان الراتب صغيرا وكانت الكتب كبيرة..

في المكتبة، لا نلتقي الزبائن فقط بل تتقدم نحونا سيرٌ كاملة تمشي على قدمين، تحمل أعمارها بين أصابعها كما تُحْملُ الكتب.
الأستاذ خليل بورحيل، ابن الدار البيضاء، مواليد 1969، رجل من أولئك الذين لم ينتظروا اكتمال الطريق ليبدأوا السير؛ خرج إلى الحياة المهنية مبكرا، في أكتوبر 1987، حين ساقه القدر ،( أو ربما الكتاب) ، إلى مندوبية وزارة الثقافة بمدينة أكادير.
هناك، بين بريق البدايات وضيق الإمكانات، انفتح الفصل الأول من حكايته ، لكن الواقع كما يفعل أحيانا ، وضع أمامه أبوابا موصدة؛ غابت التسوية الإدارية والمالية، فاضطر إلى تغيير الوجهة نحو القطاع الخاص. وحدها القراءة بقيت وفية، لم تغادره ولم يغادرها.
يحكي عن شبابه كمن يستعيد صورة قديمة ، براتب لا يتجاوز 1500 درهم، وشغف أكبر من كل الأرقام.
بميزانية محدودة، كان يشد الرحال من جنوب المملكة نحو سوق الكتاب في الرباط، مدفوعا بنداء خفي لا يسمعه إلا العاشقون.
لكم أن تتخيلوا شعور شاب يعثر وسط كومة من الكتب على نسخ نادرة بأثمنة زهيدة ؛ لحظة صغيرة في ظاهرها، لكنها تشبه انتصارا سريا لا يراه أحد.
مع مرور السنوات، تحولت تلك اللحظات إلى مكتبة عامرة بنفائس يعود تاريخ اقتنائها إلى أواسط الثمانينات.
يحافظ عليها كما لو كانت أحد أفراد أسرته ، ولم تكن مبالغة؛ شعرت أن الرجل لا يملك مكتبة فحسب، بل ذاكرة مرتبة على رفوف.
وأكثر ما يفخر به ، الكتب الممهورة بإهداءات أصحابها وتواقيعهم؛ تلك اللحظة التي يتحول فيها الكتاب من نص مطبوع إلى لقاء إنساني حي. آخر كتاب انضاف إلى خزانته ، "فخ الهويات" للأستاذ حسن أوريد.
في حقيقة الأمر ، بعض القراء لا يشترون الكتب فقط ، لكنهم يضيفون إليها أعمارهم، ويتركون فيها شيئا من أرواحهم.
مع أحداث هذه القصة الملهمة ، أدركت أن الراتب قد يكون صغيرا في البداية ، لكن حين تكبر الكتب في القلب، تتسع الحياة معها.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...