سعيد گنيش - حول نظام التبعية الفريد

أغلبية "الأنظمة العربية الرجعية" تريد هزيمة واستسلام إيران وتفكيك الشعب والمجتمع والدولة الإيرانية، ذلك في تناقض مع شعور الأغلبية من الشعوب العربية. لا يعد الأمر رغبة من الانظمة بل مشاركة مباشرة من بعضها -خاصة الخليجية-لدورها المميز بدءا بالتحريض والاعداد، تم التنفيذ العسكري والأمني والاعلامي المباشر والتمويل المالي لتغطية تكاليف العدوان (وفق الدور الموكول لها من الامريكي).
لكن بعد أن جلبت أنظمة الخليج التدمير لبلدانها نتيجة العدوان الصهيوأمريكي على إيران لأن العدوان انطلق –البعض منه-من القواعد العسكرية والأمنية الامريكية التي تحتضنها ومن أراضيها وسمائها ومياهها؛ انكشفت ككيانات عارية بلا حماية بعد أن ثقبت المظلة و تعرضت القواعد العسكرية والرادارات للتدمير من قبل ايران، وتوسع التدمير ليشمل منشآت حيوية لصناعة وتكرير النفط والغاز واغلاق ممر هرمز في وجه تجارتها.
هذا واقع جديد يحدث لأول مرة، عكس مشاركتها في العدوان الصهيوأمريكي على العراق وسوريا وليبيا والسودان واليمن. فجغرافيا الجوار لإيران له منطقه الخاص وثمنه ولا بد أن تؤدي غاليا مقابل هذه المشاركة.
قائد أركان القوات المشتركة الأمريكي ذكرهم بالاسم لدورهم المشارك، مع بداية "هدنة العدوان" وقدم الشكر لهم؛ لكن استمروا يروجون لدور "الضحية البريئة" أمام التوسع "الإيراني الشيعي" المزعوم الذي يهدد أمنهم.
رغم ذلك فالتغطية على دور المشاركة في العدوان مستمر ولم يكن سابقة. ليست خوفا من غضب الرعية فهي تثق في تضخم أجهزتها القمعية، وفعالية سياسة الترويض والالهاء والولاء مقابل مخصصات الريوع، والتحشيد الديني الطائفي الخبيث. ولكن للتغطية على طبيعتها الذيلية، وحقيقة كونها كيانات تدين بكل شيء للأمريكي، وتجعله يتحكم بها من الإنشاء إلى تحديد المصير. النتيجة لا تملك خيارات متعددة قادرة أن تزن المخاطر والتراجع، كما يتوهم البعض بسوء نية أو خبت.
ظل خيارها المميت هو شراء وجودها بالنفط وعقود التسليح وتمويل قواعد الأمريكي كعراب، و قواعد الفرنسي والانجليزي والتركي كاحتياط.
لقد وضعوا مصيرهم دوما في ارتباط مع نتائج العدوان العسكري والسياسي التي شنته أمريكا في المنطقة مع حلفائها، وتشنه اليوم على إيران. وهو خيار انتحاري وحيد، كمن اشترى حبل المشنقة من ماله ويلفها على عنقه. فالطواغيت تحمل جينة الانتحار كلما حاولت الصعود والبقاء طويلا بالاعتماد على قوة المستعمر.
بعد حوالي 40 يوما من العدوان، تم إعلان "هدنة وسط العدوان" لمدة 15 يوما ، واستثناء لبنان في الأول لتصفية المقاومة الجبارة بقرار أمريكي ودعم سعودي وتنفيذ صهيوني وتآمر سلطة الانتداب اللبنانية؛ فإن العدوان الصهيوأمريكي بدأ يرتد على دجال العصر ترامب ومن ورائه "كارتل ابشتاين" ، خاصة بعد صمود ووحدة الشعب والجيش والحكومة الإيرانية وافشال أهداف العدوان المعلنة، وبداية عزلة وضمور تأثير أنظمة الخليج.
لنستحضر التاريخ على الأقل منذ هزيمة العرب في العدوان الصهيوأمريكي في يونيو1967 إلى اليوم، فالتاريخ يشكل عدوا للطواغيت من كل حدب ودرب، لأنه يذكرهم بحقيقة مسارهم وحتفهم المحتوم.
شكل تصاعد تأثير أنظمة الخليج ونفوذهم السياسي والمالي والإعلامي والديني في الوطن العربي بدعم أمريكي، وتقوى بعد هيمنة أمريكا على العالم بداية التسعين من القرن الماضي. هذا التصاعد ارتبط بانكفاء وتراجع العرب المعاصر في عدة مجالات، وخاصة أمنهم القومي وتنمية واستقلال بلدانهم، وشكل هذا التأثير سببا مهما في إعادة احتلال عدة عواصم عربية وتفتيت مجتمعاتها. وكانت الحاضنة للفيروس الأيديولوجي لحركات الارهاب الديني ونشره في العالم العربي والإسلامي.
هذه الأنظمة هي عدوة لمصالح الامة، وظلت تسعى لإجهاض أية مقاومة للكيان الصهيوني، ، وتدفع إلى الاقتتال الطائفي والمذهبي لمصلحة الصهيو أمريكي، وهي من تقود قطار التطبيع ومسلسل الصهينة في الوطن العربي .
لكن مرحلة المد القومي التحرري في الخمسينات والستينات من القرن الماضي، وإن أفرزت قيادات عربية قومية التوجه، فإنها لم تستطع الخروج من مأزقها الطبقي التاريخي. وظلت تتساوق وتتعايش سياسيا وأمنيا مع أنظمة الخليج الغنية الموارد والرجعيات العربية الفقيرة الموارد تحت سقف واحد تسمى "الجامعة العربية"، باسم "الأخوة العربية" و "المصلحة العربية المشتركة". رغم أن أنظمة الخليج بادلتها التآمر والطعن من الظهر.
لقد كرست القيادات العربية قومية التوجه التنابذ فيما بينها و الاحتماء بالقطرية وفشلت في بلورة تحالف دفاعي فيما بينها، وحد أدنى من تنسيق السياسات الاقتصادية العسكرية والأمنية لتعزيز سيادتها وأمنها.
هذا النهج للقيادات العربية قومية شكل عائقا لتبلور وعي شعبي عربي تحرري مناهض للرجعية العربية كعدو قومي وطبقي. وعلى العكس فقد ناصبت الطبقات الشعبية العداء وجردتها من أهم سلاح، هو أدواتها المستقلة في التنظيم السياسي والفكري والاعلامي والمهني، للدفاع عن مصالحها القومية والطبقية. أصبحت الساحة مخترقة من قوى الدين السياسي المدعومة خليجيا، وقاد إلى فشل ذريع أمام الرجعيات العربية، و انحطاط شعبي شامل على امتداد الوطن العربي لا زلنا نجتر نتائجه إلى اليوم.
نظام التبعية بين أمريكا وأنظمة الخليج له طبيعة متفردة في التاريخ، وقد استمر بالتأثير في المنطقة مستفيدا من الهيمنة الغربية على العالم بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وتعزيز هيمنة البترودولار منذ السبعين من القرن الماضي على التجارة العالمية. وكلا العاملين مرتبطين.
اليوم نظام التبعية المذكور بدأ يتهاوى لسببين على الأقل:
• لقد واجه مباشرة قوة إقليمية هي إيران تمكنت في الامتحان الميداني من شله بعد إغلاق مضيق هرمز وافشال أهداف العدوان السياسية.
• بداية التحول العميق ولكن القوي لسقوط "قوة البترودلار" كركيزة لهذه التبعية المتفردة، وأساس الهيمنة المالية والاقتصادية للعصر الأمريكي الاجرامي، والانبثاق الأكيد ولكن العسير لعالم متعدد الأقطاب.
اليوم أيضا وهو المهم، تنفتح مرحلة جديدة لقوى التحرر والمقاومة والوحدة العربية، وتطرح تحديا مصيريا لبناء جبهة عربية شعبية في مواجهة الصهيوأمريكي والرجعيات العربية، مستفيدة من المأزق الذي دخل فيه نظام التبعية المتميز بين الأمريكي وأنظمة الخليج؛ شريطة استيعاب أخطاء ودروس مرحلة التساقط والتبعية والخيانة، وأيضا دروس المقاومة والصمود الذي فتحته منذ السابع من أكتوبر 2023.
مراكش في 18 أبريل 2026

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...