حسن بيريش - كم أردتني قتيلاً هذه الكتابة!

(1)
في الكتابةِ خلاصُ ذاتي من أسرِ ذاتي.
عبرَها أُنازلُ الحياةَ في عُقرِ استفحالِها، أستنهضُ ما في نفسي من صَبواتِ الحياة، وأُمارسُ انتقالي المرتجى من ذُعرٍ أُشهِرُه في وجهِ واقعي، إلى فرحٍ أقتسمُه مع عالمي.
طوَّحت بي الحياةُ إلى أقصى حالاتِ التَّشظّي، ولم يحدث أن أسلستُ زمامي إلا للكتابة، فيها أجدُ توازني الهشّ، وعبرَها ها أنا ألتقي بما لا يُدرَك إلا بحواسٍّ خمس.
وحدَها الكتابةُ تُلملمُ أشلاءَ قلبي كلّما بعثرني الشوق، ألمَّ بي الحزن، طعنَ الحنينُ قلبي، وتزمَّلتُ بكفنِ الذاكرة، حيثُ متعةُ مجاوزةِ هاويةِ الوضوح إلى لذائذِ الغموض.

(2)
هي أكثري، هي أقلي، هذه الكتابةُ التي ما فتئت تُعلّمني كيف أكون بصيراً، كيف أُمسكُ بالمتحوِّل نكايةً في الثابت، وأحملُ على ظهري شكَّ اليقين، ويقينَ الشك.
آنذاك، فقط، أقعُ في لُججِ الرهافة، وأرى بعينِ انتشائي ظلّي وهو يستعلنُ نوراً.
منسوجاً في توقي، أمتطي بُراقَ العبارة، وعيني على سدرةِ المنتهى، أتملاها بخفقِ الوجود، وسرّي تائهٌ بين مُقلٍ ترقصُ لي، ومُهَجٍ أينعَ في مشتلِها.
وها أنا أذهبُ إلى أبي حيّان التوحيدي:
"عجبي من لسانٍ مفتونٍ بالعبارة، وقلبٍ تاه في الإشارة".

(3)
يراعي في نزالٍ مع أنفاسي.
إن هي اشتدّت، انفرجَ هو، وإذا هي قست، حنَّ هو، والوقتُ يراقبُ من بعيد، وبين جولةٍ وتاليها، يتحوّلُ إلى حليفٍ لها وخصمٍ لي.
غيرُ محايدٍ هو الوقتُ في معركتي مع قلبي، معركتي التي أخوضها بمدادٍ قاربَ على النفاد، لأن مداه ينطلقُ من سريرٍ وينتهي في شرفة.
وكم من ليالٍ بِتُّ أكتبُ كما لو أنني شريدٌ بلا وجهة، يقوده خطوُ الحبر، تُنيره بوارقُ المعنى، تُسعفه العبارةُ الثكلى في بُغيته، وتُبلغه مأمنَه.
كم من نهاراتٍ أنهكتُ يراعي، وأتعبتُ قريحتي، لأن الحرف، حرفي، لا يبردُ له غليانٌ حتى يضمَّ وجودَه المهيب المرتبك في عدمِه المتقد.
رغم ذلك، لم يحدث أن "نهرتُ يدي التي تكتب"، كما قالت الشاعرة إيمان الخطابي.

(4)
قلبي، في الكتابة، لا شريكَ له.
وما الكتابة..؟؟
ما هي إلا فؤادٌ يجهر.
يدٌ تنتحب.
وذاكرةٌ تصحو على ما يسري في الذات من أزمنة، في العمر من أمكنة، عبرهما يستقيمُ وجودُ الحب، وتخلو هذه الحياةُ من جراحٍ، ونصالٍ، ووَعثاء.
وهذا الزمن، هذا الذي سماه ابن سينا "جوهرٌ يجري"، كيف السبيلُ إلى القبض على دبيبه، على وجيبه، بغير الانغمار في الكتابة، والارتماء في أحضانها، ثم استعادة شهقاتٍ أضحت بعيدةَ المنال؟!

(5)
مفشوٌّ سرّي في الحرف.
سريرتي، كما سيرتي، هما معاً ينكشفان نوراً في ظلماتٍ لا مهربَ منها إلا إليَّ أنا، ولا محيدَ عن إشهار جملتي في مواجهة محوها، ووفائي إزاء جحودها.
ما منها بدّ، هذه اليدُ المنتحبةُ التي تكتبني بشقائها، وأكتبها بما في عنادي من عنفوانٍ، وإصرار، وما شئتِ، أيتها الكتابة، من إلهامٍ، والتهاب.

(6)
كم أردتني قتيلاً، هذه الكتابة !
كلما أزمعتُ على صوغِ التيَاعي في المعنى، يأتيني مهرولاً، وموجعاً، بيتُ أبي العلاء المعرّي:
"كأنّي في بسيطِ الأرض بين الناس في قبر".

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...