من الأديب وغير الأديب؟

من الأديب وغير الأديب؟
تُصادفني كثيراً مُسمّيات: أدب السّيرة، أدب الذّات، أدب الرحلات، وما أعرفه أن السّيَر والـمذكرات والرّحلات، لا تُكتب إلا مرّة في العمر، عدا الرحلات، وكلها من حقول التاريـخ (التاريخ الشخصي ــ الاجتماعي)، وليس لـها أن تكون من حقول الأدب، لأنـها لا تـحمل أيّ سـمة من سـماته، فأين الـخيال؟ وأين تـجاوز الواقع؟ وأين الإمتاع الفني؟ وأين الصَّنعة الأدبية؟ وأين ابتكار الشخصيات؟ وأين الـمساحات الـمُتخيّلة أو الـمُستعارة؟
أما اعتبار لغتها العالية عذراً يُدخلها خانة الأدب، فهذا يعني أن نعتبر الـمقالات ونشرات الأخبار، وتقارير الطقس وتغريدات إكس من الأدب؛ لأن لغتها عالية! وهل سنعتبر سِيَر الأعلام، وكتب التّراجم من أجناس الأدب؟ قطعاً لا، ومثلها سِيَر ومذكرات الـمسؤولين ورجال الأعمال وغيرهم، مـمن كتبوا تاريـخهم الـوظيفي أو الاجتماعي أو الأسري بكل ما فيه من مسار واقعي هم شُهوده.
النص الأدبي متنٌ إبداعي، يتجاوز الواقع بكتابة حرّة عمودها الـخيال، ليـمرّ بعملية تراكمية تنتهي غالباً بـ (الأعمال الكاملة)، أما السّير والـمذكرات فلم نسمع أو نرى في عالـمها (الأعمال السّيرية الكاملة) أو (الأعمال الـمذكراتيّة الكاملة)، لأنـها ليست من الصناعة الفنية، وليست حُرّة مثل الرواية والـمسرحية والقصة والقصيدة، ولا تتفجّر لغتها وتنبسط كما في اللغة الأدبية.
ما كُتب أدباً، يبقى أدباً: رواية . مسرحية . قصة . قصيدة، وما كُتِب تاريـخاً شخصياً، يبقى تاريـخاً شخصياً لا أدباً: سيرة . مذكّرات . رحلات، ومثلها بعض الـمسميات الـمنسوبة للأدب بـخطأ اصطلاحي، مثل مُسمى الترجـمة الأدبية، والصحيح (ترجـمة الأدب)، ومُسمى النقد الأدبي، والصحيح (نقد الأدب)، ومُسمى الـمقالة الأدبية، والصحيح (مقالة الرأي ــ الـمجتمع).

الأديب، صار لقباً مـجّانياً، يُـمنح لـمن هم خارج دائرة الـفعل الأدبي، أو من هم كثيفون في حقل أدبي بعينه، فاجتهدت ووضعت شرطين، هـما:
1ــ التّـراكم: تاريخ مُـمتد للتجربة، يُبرهن الشغف الطويل لتدفّق مُتواصل أو مُتقطّع يشدُّ بعضه، لا حالة طارئة.
2ــ التَّنوّع: الـجمع ببراعة بين فنون الأدب، مُتلوّناً في قوالبها.
ونـجد التّراكم والتّنوع إلى درجة الـموسوعيّة عند الـجاحظ والتوحيدي وابن قتيبة والـهمذاني، وغيرهم من الأوائل، وأيضاً عند مصطفى الرافعي وعبد الله بن خـميس وغازي القصيبي، وغيرهم من الـمعاصرين.
أما اليوم فصار الأديب نعتاً لكاتب الـمقالات والناقد والصحفي والباحث والدّارس والـمحاور الإعلامي، ومن كتب سيرته أو مذكراته، ومن كَتَب كتاباً أو كتابين في النثر أو الشعر، وليت شعري هل قَبِل هؤلاء مسؤولية أن يُنعتوا بالأدباء؟!
الأديب هو حالة مُتطوّرة، تَشكّل بناؤها وتراكم عطاؤها عبر مسار زمني، وتَنوّعت جامعةً بين الـجزالة والـجمال، أما الروائي فهو من يكتب الرواية فقط، والقاص من يكتب القصة فقط، والشاعر من يكتب الشعر فقط.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ماجد سليمان، أديب سعودي
تنوّع أدبه بين الشعر والقصة والرواية والمسرحية.
كُتب حول أعماله عدد من الأطروحات العلمية والدراسات النقدية في جامعات محلية وعربية وعالمية،
وتُرجِمَت بعض نصوصه إلى لغات منها البوسنية والألمانية والإنجليزية.
صدر له حتى الآن 5 روايات، و4 مسرحيات، و4 أعمال شعرية، و3 كتب في الـمُنتخبات،
و4 مجموعات قصصية، وكتاب في أدب الرسائل وآخر في الـمقالات، عبر مسيرة أدبية امتدّت لـ«29» عاماً حتى الآن.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...