يحيى بركات - حين تُقصى الذاكرة… من يقود الحركة؟ قراءة فيما لم يُقل في مقال خالد صالح عطية

لم يعد السؤال:
متى سيُعقد المؤتمر الثامن لحركة فتح؟
ولم يعد حتى:
هل سينجح المؤتمر أم سيفشل؟
السؤال الذي يقف خلف كل ذلك…
والذي مرّ عليه النص، لكنه لم يُفتح حتى نهايته، هو:
هل ما زالت فتح إطارًا قياديًا…
أم تحولت إلى إطار إداري؟
لكن هذا السؤال… لا يُجاب عليه من خارج التجربة.
بل من داخلها.
ما كتبه خالد صالح عطية كان قراءة دقيقة لمشهدٍ متشظٍ:
توازنات، مراكز قوى، أسماء تتحرك داخل فراغٍ مؤجل، ومؤتمر يبدو كأنه يأتي في زمن لا ينتظر.
لكن النص—رغم دقته—بقي عند السطح التحليلي.
لم يلمس ما حدث داخل الحركة نفسها… على امتداد الزمن.
أنا لا أكتب هنا كقارئ فقط.
بل كواحد من كوادر حركة فتح…
حضرتُ المؤتمر الرابع في دمشق.
كنت يومها رئيس الاتحاد العام للفنانين التعبيريين في لبنان،
ومخرجًا في مؤسسة السينما الفلسطينية التابعة للإعلام الموحد،
الذي كان يقوده عضو اللجنة المركزية… الشهيد القائد ماجد أبو شرار.
ذلك المؤتمر… لم يكن اجتماعًا تنظيميًا فقط.
كان مساحة اختلاف… ونقاش… وصراع أفكار.
وكان هذا هو سرّ الحركة.
في تلك اللحظة…
كان الخلاف داخل فتح… جزءًا من حيويتها.
لم يكن يُخشى منه…
بل كان يُدار داخلها.
لكن ما حدث لاحقًا…
لم يكن مجرد تطور طبيعي.
كان تحوّلًا.
تحوّل في كيفية النظر إلى الكادر…
وإلى الاختلاف…
وإلى معنى الانتماء نفسه.
كنت، وما زلت، أرى أن ما سُمّي يومًا “تنازلات تكتيكية”…
إذا تكررت…
فإنها لا تبقى تكتيكية.
تتحول—بهدوء—إلى تنازل استراتيجي.
وهذا ليس توصيفًا سياسيًا فقط…
بل ما يمكن تسميته:
خيانة موضوعية لمبادئ الحركة وأهدافها.
ليس لأن هناك من قرر الخيانة…
بل لأن المسار نفسه يقود إليها.
وهنا…
يجب أن نقول ما لم يُقل بوضوح:
ما جرى في المؤتمرين السادس والسابع…
لم يكن مجرد إعادة ترتيب داخلي.
كان لحظة فاصلة.
لحظة بدأ فيها إقصاء الكوادر التي تُصنّف كـ “معارضة”،
أو حتى كصوت نقدي داخل الحركة.
ثمّة لحظة أخرى لا يمكن تجاوزها… لأنها تكشف كيف تُدار الحركة اليوم، لا كيف تُفكّر.
حين نتحدث عن إقصاء الكوادر…
فإننا لا نتحدث عن حالة عامة فقط، بل عن مسارٍ واضح بأسماء معروفة:
فصلُ محمد دحلان،
وما تبعه من إقصاء لعدد واسع من الكوادر المحسوبة عليه،
ثم فصلُ ناصر القدوة بعد أن قاد تيارًا وقائمة انتخابية خارج الإطار الرسمي للحركة.
هذه الوقائع لم تكن أحداثًا عابرة…
بل كانت تعبيرًا عن كيفية التعامل مع الاختلاف:
لا إدارة له… بل إخراجه خارج البنية.
لكن ما حدث لاحقًا… كان أكثر دلالة.
وعدٌ قُدّم في سياق إقليمي—في القمة العربية—بإعادة المفصولين،
تحت عنوان “إصلاح الحركة”… و”إصلاح السلطة”.
ثم بدأت العودة… لكن ليس كمسار تنظيمي نابع من مراجعة داخلية،
بل كخطوة جزئية، انتقائية، ومشروطة.
عاد ناصر القدوة إلى الحركة،
بعد أن قدّم رسالة يطلب فيها العودة إلى اللجنة المركزية.
لكن في المقابل…
لم يُعد محمد دحلان،
وبقي مطلب إعادة كوادره معلقًا.
هنا… لا يصبح السؤال: من عاد ومن لم يعد.
السؤال هو:
كيف يُتخذ القرار؟
هل هو قرار تنظيمي داخلي؟
أم استجابة لتوازنات وضغوط إقليمية؟
حين تُدار عودة الكوادر بهذه الطريقة…
نكون أمام نموذج واضح:
الحركة لا تعيد تعريف نفسها من داخلها…
بل تُعاد صياغتها من خارجها.
وهذا ما يتقاطع مع مسارٍ آخر لا يمكن فصله عنه:
تعيين حسين الشيخ نائبًا للرئيس.
قرار يبدو—في ظاهره—تنظيميًا،
لكنه في عمقه… جزء من إعادة ترتيب أوسع،
تُدفع إليه الحركة ضمن رؤية إقليمية لما يُسمى “الإصلاح”.
هنا تحديدًا…
يتحوّل السؤال من جديد، لكن هذه المرة بشكل أكثر حدة:
هل ما زالت فتح تُنتج قرارها…
أم أن القرار يُنتج لها؟
لأن الحركة، حين تصبح قراراتها الكبرى—
من الإقصاء… إلى الإعادة… إلى ترتيب القيادة—
مرتبطة بتوازنات خارجية…
فإنها لا تكون قد تحولت فقط إلى إطار إداري،
بل إلى:
إطار يُدار… لا يُدير.
حين تُقصى الكوادر…
لا تفقد الحركة أفرادًا فقط.
تفقد ذاكرتها.
تفقد قدرتها على مراجعة نفسها.
تفقد توازنها الداخلي.
وتتحول—تدريجيًا—
من حركة تقود…
إلى جهاز يدير.
وهنا نعود إلى السؤال الجوهري:
هل ما زالت فتح إطارًا قياديًا…
أم تحولت إلى إطار إداري؟
الإجابة… لم تعد نظرية.
هي نتيجة مسار.
حين تُغلق الحركة بابها أمام الاختلاف…
يتحوّل القرار إلى دائرة ضيقة.
وحين تضيق الدائرة…
لا يعود القرار قرارًا سياسيًا…
بل إجراء إداري.
لهذا…
فإن كل ما ناقشه المقال من:
توازنات داخلية
صراع تمثيل
أسماء مرشحة للمرحلة القادمة
احتمالات ما بعد الرئيس محمود عباس ،يبقى، في جوهره، نقاشًا داخل بنية فقدت جزءًا من روحها.
بعد هجوم 7 أكتوبر 2023،
لم يعد ممكنًا تجاهل الحقيقة:
الفعل وصل إلى ذروة تاريخية.
لكن السياسة… لم تكن في مستوى اللحظة.
وهذا ليس لأن الحركة تأخرت فقط…
بل لأن أدواتها تغيّرت.
أو بالأدق…
وظيفتها تغيّرت.
لم تعد الحركة تُنتج الفعل…
بل تحاول إدارة نتائجه.
لم تعد تقود اللحظة…
بل تلاحقها.
وهنا…
لا يصبح السؤال من سيقود المرحلة القادمة.
بل:
هل هناك إطار قادر أصلًا على القيادة؟
المؤتمر الثامن…
إذا جاء ليعيد إنتاج ما جرى في السادس والسابع،
إذا استمر في إقصاء الكوادر،
إذا بقي داخل منطق التوازنات المغلقة…
فلن يكون مؤتمرًا.
سيكون إعلانًا صامتًا…
أن الحركة استقرّت في دورها الجديد:
إطار إداري… لا قيادي.
أما إذا أراد أن يكون لحظة مختلفة…
فعليه أن يفعل ما هو أصعب من كل الترتيبات التنظيمية:
أن يعيد فتح الباب.
ليس للأسماء…
بل للأفكار.
ليس للولاء…
بل للنقد.
الحركات لا تسقط حين تُهزم فقط.
تسقط حين تفقد قدرتها على سماع نفسها.
وفتح…
إذا أرادت أن تبقى كما وُلدت…
عليها أن تستعيد ما فقدته أولًا:
كوادرها…
ذاكرتها…
وقدرتها على الاختلاف.
وإلا…
فإن السؤال لن يبقى:
هل هي إطار قيادي أم إداري؟
بل سيتحوّل إلى شيء أكثر قسوة:
هل ما زالت حركة…
أم أصبحت مؤسسة تُدير ما تبقّى منها؟

يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
19 نيسان 2026

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...