هذا ليس مقالًا عن مستشفيات.
هذا مقال عن المعنى… حين يُسحب من الأشياء.
حين يدخل الموت غرفة الإنعاش،
لا كزائر عابر،
بل كموظف دائم،
يوقّع على شهادات الوفاة بدم بارد…
دون أن يرفع رأسه.
من غزة إلى جنين…
كيف فقدت المستشفيات حيادها؟
لم تعد جدرانًا بيضاء.
لم تعد رائحة معقم.
لم تعد وعدًا بالحياة.
صارت…
مسارح مفتوحة لجريمة،
تُعرض أمام العالم،
والعالم… يختار أن يصفّق بالصمت.
لا تبدأ الحكاية من القصف.
ولا من صوت الطائرات.
تبدأ من مكانٍ أكثر هدوءًا…
غرفة.
سرير.
جسد ممدّد بين الحياة والموت.
هناك…
حيث يُفترض أن يكون العالم أقل قسوة،
دخلت الحرب.
لا كضيف ثقيل…
بل كمالك للمكان.
في قطاع غزة،
لم يعد السؤال:
هل ستُقصف المستشفيات؟
بل:
أيّها سيبقى واقفًا حتى المساء؟
المشهد لم يعد خبرًا…
بل روتينًا يوميًا:
أطباء بلا نوم،
ممرضون يركضون بين النزيف،
أطفال بلا حاضنات،
وأجهزة…
تتوقف.
لا لأنها تعطلت،
بل لأن الكهرباء قررت أن تموت…
قبل أصحابها.
الطفل الخديج…
لا يفهم السياسة.
لا يعرف معنى الحرب.
لا يعرف من يقصف ومن يدافع.
هو فقط…
يحتاج إلى نفس.
وحين يُسحب هذا النفس،
ينتهي كل شيء…
قبل أن يبدأ.
مجزرة المعمداني: حين يتحول المشفى إلى بركة دماء
في السابع عشر من أكتوبر 2023،
لم يكن مستشفى المعمداني مجرد مستشفى.
كان ملاذًا.
أجسادًا احتمت بالجدران…
وظنّت أن الجدران لا تُقصف.
لكن طائرات الجيش الإسرائيلي
رأت شيئًا آخر.
رأت هدفًا.
ضربة واحدة.
واحدة فقط…
حوّلت الساحة إلى بركة دم،
وأجساد بلا ملامح،
وأشلاء تبحث عن أصحابها.
أكثر من 500 شهيد.
في لحظة.
الدكتورة مي الكيلة لم تصف الحدث…
بل اصطدمت به:
“آثار المجزرة فوق الوصف…”.
لكن الحقيقة أبسط… وأقسى:
الوصف لم يعد يكفي.
**مجمع الشفاء ومستشفى الهلال: حصار الموت البطيء**
في مجمع الشفاء الطبي، وفي مستشفى الهلال،
لم يسقط الموت كقذيفة فقط.
دخل…
ببطء.
حصار يتبعه حصار.
قطع كهرباء.
ماء يتبخر.
دواء يُمنع.
ثم يبدأ العدّ…
طفل.
طفلان.
خمسة…
الأطفال الخدّج…
لم يُقتلوا لأنهم ضعفاء.
قُتلوا لأن أحدهم قرر أن يطفئ الكهرباء.
هكذا…
ببساطة مرعبة.
أطباء يدفنون الجثث بأيديهم،
في فناء المستشفى،
في مقابر جماعية…
تحت نظر السماء.
ثم يعودون للعمل، كأن شيئًا لم يحدث، لأن الموت… لم ينتهِ بعد.
مستشفى شهداء الأقصى: الصمود تحت النار
وفي مستشفى شهداء الأقصى،
كانت الكاميرا تلتقط ما هو أبعد من الجرحى.
كانت تلتقط إصرار الطواقم الطبية على البقاء وسط الركام،
رغم القصف الذي طال الخيام والساحات،
ورغم تكدس الأشلاء التي ضاقت بها الثلاجات،
فصار الرصيف… هو المشرحة.
هند رجب: حين تصبح الصرخة هدفًا
في التاسع والعشرين من يناير 2024،
لم تكن الطفلة هند رجب قصة.
كانت صوتًا.
صوتًا صغيرًا…
يرتجف عبر الهاتف.
محاصرة في سيارة.
حولها جثث عائلتها.
ودبابة…
على بعد أمتار.
“عمو… بدهم يطلقوا علينا…”
ثم صمت.
المسعفون يوسف زينو وأحمد المدهون ذهبوا لإنقاذها،
لكنهم لم يصلوا.
لأنهم قُتلوا… قبل أن يصلوا.
بعد أيام،
عُثر على هند.
وعلى المسعفين.
وعلى الحقيقة…
عارية تمامًا:
لم يكن خطأ.
كان قرارًا.
قتل الشاهد…
ومن يحاول إنقاذ الشاهد.
إبادة الطواقم الطبية: قتل من ينقذ الحياة
ما حدث ليس صدفة.
ليس حادثًا.
هو نمط.
الاستشاري الدكتور حسام أبو صفية،
واحد من الذين بقوا…
حين غادر الجميع.
قُصف.
أُصيب.
ثم اعتُقل على يد الجيش الإسرائيلي،
ونُقل إلى معتقل سدي تيمان.
هناك…
لم يكن طبيبًا.
كان جسدًا آخر…
في قائمة الضرب.
شهادته ليست رواية، هي مرآة:
إعدام طواقم طبية أمام عينيه.
تنكيل.
تعذيب.
أكثر من 737 من الكوادر الطبية اعتُقلوا.
بعضهم خرج جثة، وبعضهم لم يخرج، والبعض ما زال معلقًا بين الحياة والغياب.
إبادة النساء والفتيات: محو الحياة نفسها
الأرقام لا تُكتب…
بل تُصرخ.
تقارير الأمم المتحدة
تقول:
28 ألف امرأة وفتاة قُتلن في غزة.
هذه ليست مجرد إحصائية،
هذه إبادة للرحم الذي ينجب الحياة،
28 ألف حكاية، 28 ألف صوت انقطع.
هذا ليس رقمًا… هذا محوٌ متعمد للمستقبل.
صمت العالم: الشريك الصامت
العالم يرى.
الأمم المتحدة تصدر بيانات.
اللجنة الدولية للصليب الأحمر تحاول.
لكن الطفل الذي مات في الحاضنة…
لم تُنقذه البيانات.
والطبيب الذي اعتُقل…
لم تحمه القوانين.
الحقيقة لم تعد تحتاج تفسيرًا:
كيان الاحتلال الإسرائيلي
تجاوز كل الخطوط.
داس على القانون.
كسر المعنى.
حوّل الحياة… إلى هدف.
والصمت؟
ليس حيادًا.
الصمت… مشاركة في الجريمة.
أما دونالد ترامب وإدارته،
فلم يكونوا بعيدين عن المشهد.
الدعم كان واضحًا، والغطاء كان حاضرًا،
إلى جانب بنيامين نتنياهو وقيادته الفاشية،
في مشهد لا يحتاج تعليقًا، بل يحتاج محاكمة تاريخية.
حين يُقصف مستشفى في غزة… يُقال: حرب.
وحين يُقتحم مستشفى في جنين… يُقال: عملية.
لكن الذي على السرير… لا يسمع شيئًا من هذا.
هو يسمع… نهاية تقترب.
المشهد الأخير… لا يُرى.
يُفهم.
ليس لأن الكاميرا أُطفئت،
بل لأن الحقيقة صارت أوضح من أن تحتاج إلى عدسة.
هنا،
لا نتحدث عن مستشفى قُصف،
ولا عن طبيب اعتُقل،
ولا عن طفل مات في حاضنة.
هنا نتحدث عن شيء أعمق:
حين يُصبح قتل الحياة… سياسة،
ويُصبح إنقاذها… تهمة.
حين يُعاد تعريف الأشياء:
المستشفى لم يعد مكانًا للنجاة،
الطبيب لم يعد حاملًا للحياة،
والطفل… لم يعد بداية.
بل أصبحوا جميعًا…
تفاصيل في معادلة قوة.
أنا لا أكتب هذا النص لأحزن.
ولا لأُدين فقط.
أنا أكتبه… لأن ما يحدث ليس لحظة عابرة في التاريخ،
بل اختبار لما تبقى من الإنسان في الإنسان.
فإما أن يبقى المعنى…
أو نعيش جميعًا… في عالم بلا معنى.
وهنا…
لا يعود السؤال: من القاتل؟
السؤال الحقيقي:
هل ما زلنا نرى القتل… جريمة؟
أم أننا بدأنا نتأقلم معه… كخبر؟
إذا وصلنا إلى هذه النقطة…
فالمشكلة لم تعد هناك…
المشكلة… أننا نحن… تغيّرنا.
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
20/4/2026
هذا مقال عن المعنى… حين يُسحب من الأشياء.
حين يدخل الموت غرفة الإنعاش،
لا كزائر عابر،
بل كموظف دائم،
يوقّع على شهادات الوفاة بدم بارد…
دون أن يرفع رأسه.
من غزة إلى جنين…
كيف فقدت المستشفيات حيادها؟
لم تعد جدرانًا بيضاء.
لم تعد رائحة معقم.
لم تعد وعدًا بالحياة.
صارت…
مسارح مفتوحة لجريمة،
تُعرض أمام العالم،
والعالم… يختار أن يصفّق بالصمت.
لا تبدأ الحكاية من القصف.
ولا من صوت الطائرات.
تبدأ من مكانٍ أكثر هدوءًا…
غرفة.
سرير.
جسد ممدّد بين الحياة والموت.
هناك…
حيث يُفترض أن يكون العالم أقل قسوة،
دخلت الحرب.
لا كضيف ثقيل…
بل كمالك للمكان.
في قطاع غزة،
لم يعد السؤال:
هل ستُقصف المستشفيات؟
بل:
أيّها سيبقى واقفًا حتى المساء؟
المشهد لم يعد خبرًا…
بل روتينًا يوميًا:
أطباء بلا نوم،
ممرضون يركضون بين النزيف،
أطفال بلا حاضنات،
وأجهزة…
تتوقف.
لا لأنها تعطلت،
بل لأن الكهرباء قررت أن تموت…
قبل أصحابها.
الطفل الخديج…
لا يفهم السياسة.
لا يعرف معنى الحرب.
لا يعرف من يقصف ومن يدافع.
هو فقط…
يحتاج إلى نفس.
وحين يُسحب هذا النفس،
ينتهي كل شيء…
قبل أن يبدأ.
مجزرة المعمداني: حين يتحول المشفى إلى بركة دماء
في السابع عشر من أكتوبر 2023،
لم يكن مستشفى المعمداني مجرد مستشفى.
كان ملاذًا.
أجسادًا احتمت بالجدران…
وظنّت أن الجدران لا تُقصف.
لكن طائرات الجيش الإسرائيلي
رأت شيئًا آخر.
رأت هدفًا.
ضربة واحدة.
واحدة فقط…
حوّلت الساحة إلى بركة دم،
وأجساد بلا ملامح،
وأشلاء تبحث عن أصحابها.
أكثر من 500 شهيد.
في لحظة.
الدكتورة مي الكيلة لم تصف الحدث…
بل اصطدمت به:
“آثار المجزرة فوق الوصف…”.
لكن الحقيقة أبسط… وأقسى:
الوصف لم يعد يكفي.
**مجمع الشفاء ومستشفى الهلال: حصار الموت البطيء**
في مجمع الشفاء الطبي، وفي مستشفى الهلال،
لم يسقط الموت كقذيفة فقط.
دخل…
ببطء.
حصار يتبعه حصار.
قطع كهرباء.
ماء يتبخر.
دواء يُمنع.
ثم يبدأ العدّ…
طفل.
طفلان.
خمسة…
الأطفال الخدّج…
لم يُقتلوا لأنهم ضعفاء.
قُتلوا لأن أحدهم قرر أن يطفئ الكهرباء.
هكذا…
ببساطة مرعبة.
أطباء يدفنون الجثث بأيديهم،
في فناء المستشفى،
في مقابر جماعية…
تحت نظر السماء.
ثم يعودون للعمل، كأن شيئًا لم يحدث، لأن الموت… لم ينتهِ بعد.
مستشفى شهداء الأقصى: الصمود تحت النار
وفي مستشفى شهداء الأقصى،
كانت الكاميرا تلتقط ما هو أبعد من الجرحى.
كانت تلتقط إصرار الطواقم الطبية على البقاء وسط الركام،
رغم القصف الذي طال الخيام والساحات،
ورغم تكدس الأشلاء التي ضاقت بها الثلاجات،
فصار الرصيف… هو المشرحة.
هند رجب: حين تصبح الصرخة هدفًا
في التاسع والعشرين من يناير 2024،
لم تكن الطفلة هند رجب قصة.
كانت صوتًا.
صوتًا صغيرًا…
يرتجف عبر الهاتف.
محاصرة في سيارة.
حولها جثث عائلتها.
ودبابة…
على بعد أمتار.
“عمو… بدهم يطلقوا علينا…”
ثم صمت.
المسعفون يوسف زينو وأحمد المدهون ذهبوا لإنقاذها،
لكنهم لم يصلوا.
لأنهم قُتلوا… قبل أن يصلوا.
بعد أيام،
عُثر على هند.
وعلى المسعفين.
وعلى الحقيقة…
عارية تمامًا:
لم يكن خطأ.
كان قرارًا.
قتل الشاهد…
ومن يحاول إنقاذ الشاهد.
إبادة الطواقم الطبية: قتل من ينقذ الحياة
ما حدث ليس صدفة.
ليس حادثًا.
هو نمط.
الاستشاري الدكتور حسام أبو صفية،
واحد من الذين بقوا…
حين غادر الجميع.
قُصف.
أُصيب.
ثم اعتُقل على يد الجيش الإسرائيلي،
ونُقل إلى معتقل سدي تيمان.
هناك…
لم يكن طبيبًا.
كان جسدًا آخر…
في قائمة الضرب.
شهادته ليست رواية، هي مرآة:
إعدام طواقم طبية أمام عينيه.
تنكيل.
تعذيب.
أكثر من 737 من الكوادر الطبية اعتُقلوا.
بعضهم خرج جثة، وبعضهم لم يخرج، والبعض ما زال معلقًا بين الحياة والغياب.
إبادة النساء والفتيات: محو الحياة نفسها
الأرقام لا تُكتب…
بل تُصرخ.
تقارير الأمم المتحدة
تقول:
28 ألف امرأة وفتاة قُتلن في غزة.
هذه ليست مجرد إحصائية،
هذه إبادة للرحم الذي ينجب الحياة،
28 ألف حكاية، 28 ألف صوت انقطع.
هذا ليس رقمًا… هذا محوٌ متعمد للمستقبل.
صمت العالم: الشريك الصامت
العالم يرى.
الأمم المتحدة تصدر بيانات.
اللجنة الدولية للصليب الأحمر تحاول.
لكن الطفل الذي مات في الحاضنة…
لم تُنقذه البيانات.
والطبيب الذي اعتُقل…
لم تحمه القوانين.
الحقيقة لم تعد تحتاج تفسيرًا:
كيان الاحتلال الإسرائيلي
تجاوز كل الخطوط.
داس على القانون.
كسر المعنى.
حوّل الحياة… إلى هدف.
والصمت؟
ليس حيادًا.
الصمت… مشاركة في الجريمة.
أما دونالد ترامب وإدارته،
فلم يكونوا بعيدين عن المشهد.
الدعم كان واضحًا، والغطاء كان حاضرًا،
إلى جانب بنيامين نتنياهو وقيادته الفاشية،
في مشهد لا يحتاج تعليقًا، بل يحتاج محاكمة تاريخية.
حين يُقصف مستشفى في غزة… يُقال: حرب.
وحين يُقتحم مستشفى في جنين… يُقال: عملية.
لكن الذي على السرير… لا يسمع شيئًا من هذا.
هو يسمع… نهاية تقترب.
المشهد الأخير… لا يُرى.
يُفهم.
ليس لأن الكاميرا أُطفئت،
بل لأن الحقيقة صارت أوضح من أن تحتاج إلى عدسة.
هنا،
لا نتحدث عن مستشفى قُصف،
ولا عن طبيب اعتُقل،
ولا عن طفل مات في حاضنة.
هنا نتحدث عن شيء أعمق:
حين يُصبح قتل الحياة… سياسة،
ويُصبح إنقاذها… تهمة.
حين يُعاد تعريف الأشياء:
المستشفى لم يعد مكانًا للنجاة،
الطبيب لم يعد حاملًا للحياة،
والطفل… لم يعد بداية.
بل أصبحوا جميعًا…
تفاصيل في معادلة قوة.
أنا لا أكتب هذا النص لأحزن.
ولا لأُدين فقط.
أنا أكتبه… لأن ما يحدث ليس لحظة عابرة في التاريخ،
بل اختبار لما تبقى من الإنسان في الإنسان.
فإما أن يبقى المعنى…
أو نعيش جميعًا… في عالم بلا معنى.
وهنا…
لا يعود السؤال: من القاتل؟
السؤال الحقيقي:
هل ما زلنا نرى القتل… جريمة؟
أم أننا بدأنا نتأقلم معه… كخبر؟
إذا وصلنا إلى هذه النقطة…
فالمشكلة لم تعد هناك…
المشكلة… أننا نحن… تغيّرنا.
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
20/4/2026