خالد الحديدي - هندسة المعنى من التجربة إلى تأويل العالم

لا أتعامل مع المعنى بوصفه شيئًا جاهزًا ينتظر أن يُكتشف، ولا بوصفه حقيقة مستقرة تقف خارج الوعي وتفرض نفسها عليه. ما أراه، في تتبعي لحركة المعنى داخل التجربة الإنسانية، أنه يبدأ دائمًا من لحظة غير واضحة، لحظة لا تحمل اسمًا بعد، لكنها تحمل اضطرابًا داخليًا يجعل العالم يبدو وكأنه فقد تماسكه المؤقت داخل الإدراك. في تلك اللحظة الأولى لا يكون هناك فهم بالمعنى المتعارف عليه، بل شيء أقرب إلى توتر صامت بين الوعي وما يواجهه، توتر يدفع العقل إلى إعادة ترتيب ما يراه دون أن يدرك أنه بدأ بالفعل في بناء تفسير جديد.
هذا التوتر ليس معرفة، لكنه ليس فراغًا أيضًا. إنه حالة وسطى، حالة تجعل التجربة غير قابلة للبقاء كما هي، وتدفع الوعي إلى التدخل فيها. ومن هنا تبدأ أول حركة حقيقية لم يعد العالم يُعاش فقط، بل أصبح يُعاد النظر إليه، أي أنه يتحول من تجربة مباشرة إلى شيء يمكن تأمله من مسافة. هذه المسافة، رغم بساطتها الظاهرة، هي أول خطوة في إنتاج المعنى، لأنها اللحظة التي ينفصل فيها الشيء عن حضوره المباشر ويصبح موضوعًا.
في هذه النقطة تحديدًا يبدأ التأويل، حتى وإن لم نسمّه كذلك. فمجرد اختيار زاوية معينة للنظر بدل أخرى، هو بالفعل فعل تأويلي، لأنه يعني أنني لا أرى كل شيء، بل أختار ما أراه، وأعيد ترتيب التجربة وفق هذا الاختيار. هذا الاختيار لا يأتي دائمًا بوصفه قرارًا واعيًا، بل يظهر كميل داخلي نحو تخفيف الفوضى، نحو جعل ما هو متعدد ومتشعب يبدو أكثر قابلية للإدراك.
مع استمرار هذا الميل، تبدأ العناصر المتفرقة في التجربة في الدخول في علاقات جديدة. لا لأنها كانت مرتبطة أصلًا، بل لأن الوعي يحتاج إلى خيط يربط بينها. هذا الخيط لا يُكتشف، بل يُصنع. لكنه مع الوقت يبدأ في التماسك، ومع هذا التماسك الأولي يولد ما يمكن أن أسميه الفكرة الأولى. لكنها ليست فكرة مكتملة، بل مجرد شكل أولي للتنظيم، طريقة مؤقتة لترتيب ما يبدو غير مترابط.
لكن ما يحدث بعد ذلك أكثر تعقيدًا. فهذه الفكرة لا تبقى مجرد وسيلة لفهم التجربة، بل تبدأ في التحول تدريجيًا إلى معيار تُقاس به التجربة نفسها. بدل أن أستخدم الفكرة لفهم ما يحدث، يبدأ ما يحدث في إعادة تشكيل نفسه ليتناسب مع الفكرة. هنا يحدث انقلاب صامت في العلاقة بين التجربة والتفسير لم يعد التفسير تابعًا للعالم، بل أصبح العالم يُعاد ترتيبه داخل التفسير.
ومع الوقت، لا تبقى هذه العملية فردية أو لحظية، بل تتراكم. تنتقل الأفكار من سياق إلى آخر، ومن تجربة إلى أخرى، ومن شخص إلى آخر، وتدخل في سلسلة من التعديلات غير المرئية. كل انتقال يضيف طبقة جديدة من المعنى، ويحذف طبقات أخرى دون إعلان. وهكذا لا تبقى الفكرة كما بدأت، بل تتحول إلى كيان متراكم، يحمل داخله آثار تغييرات متعددة، رغم أنه يُقدَّم دائمًا بوصفه شيئًا واحدًا ومتماسكًا.
هذا التراكم هو ما يعطي الانطباع بأن هناك تطورًا في المعنى، لكنه في العمق ليس تطورًا خطيًا، بل إعادة صياغة مستمرة لما تم تثبيته سابقًا. ومع تراكم هذه الطبقات، يصبح من الصعب جدًا العودة إلى اللحظة الأولى التي تشكل فيها المعنى. ليس لأن الأصل اختفى، بل لأنه أصبح محجوبًا خلف كثافة من التفسيرات اللاحقة التي أعادت تعريفه مرارًا دون أن تترك له شكله الأول.
في مرحلة معينة، يصل هذا التراكم إلى درجة من التماسك تجعل كل شيء يبدو منسجمًا. لا توجد فجوات واضحة، ولا تناقضات ظاهرة، وكل جزء يبدو وكأنه يؤدي وظيفة داخل الكل. هنا يتشكل ما يبدو أنه نظام والنظام الديني بوصفه أحد أكثر أشكاله كثافة وتأثيرًا. لكن هذا النظام ليس اكتشافًا لبنية موجودة في العالم، بل هو بناء تأويلي تم نسيان طبيعته البنيوية. لقد تحول من طريقة في الفهم إلى طريقة يُفهم بها العالم نفسه.
وفي النظام الديني تحديدًا، تتضاعف قوة هذا التحول، لأن التأويل لا يقدَّم فقط بوصفه تفسيرًا للواقع، بل بوصفه اتصالًا بمصدر أعلى للمعنى. هنا لا يعود التفسير مجرد ترتيب للعالم، بل يصبح ترتيبًا مبررًا بمرجعية متعالية، مما يمنحه حصانة ضد المساءلة. بهذا الشكل، يتحول التأويل من عملية مفتوحة إلى إطار مغلق لإنتاج المعنى، مدعوم بإحساس باليقين يتجاوز التجربة المباشرة.
وهذا التحول هو نقطة حساسة جدًا، لأن النظام في هذه المرحلة لا يفرض نفسه بالقوة، بل عبر ما يمكن تسميته بالبداهة. يصبح مألوفًا إلى درجة أنه يبدو طبيعيًا، وكأن العالم لا يمكن أن يُرى إلا من خلاله. وما لا يدخل داخل هذا النظام يُعاد تفسيره أو يُهمّش أو يُعتبر استثناءً لا يهدد القاعدة. بهذه الطريقة يتحول التأويل من عملية مفتوحة إلى إطار مغلق لإنتاج المعنى.
لكن هذا الإغلاق لا يعني نهاية الحركة. على العكس، يبدأ النظام في إنتاج نوع جديد من التوتر الداخلي. فكلما حاول أن يحافظ على تماسكه، زادت حاجته إلى التفسير والتبرير. ما كان في البداية تفسيرًا للعالم، يبدأ في التحول إلى تفسير لنفسه. وهنا تتغير وظيفته لم يعد يشرح ما يحدث، بل أصبح يشرح لماذا يجب أن يبدو ما يحدث منسجمًا معه.
في هذه اللحظة تبدأ الشقوق الدقيقة في الظهور. ليست شقوقًا واضحة، لكنها تشققات في القدرة على الإقناع التلقائي. بعض التفاصيل لا تعود تتناسب بسهولة مع الإطار العام، وبعض الأسئلة لا تجد إجاباتها داخل النظام إلا عبر إعادة صياغة إضافية. ومع تراكم هذه الإضافات، يبدأ النظام في فقدان بساطته الأولى، ويتحول تدريجيًا إلى بنية تحتاج إلى صيانة مستمرة لتبقى متماسكة.
لكن الأخطر من ذلك ليس وجود الشقوق، بل الطريقة التي يُعاد بها امتصاصها داخل النظام نفسه. فبدل أن تُعتبر تهديدًا، يتم تحويلها إلى جزء من التفسير العام، بحيث تصبح حتى التناقضات دليلًا على مرونة البنية بدل أن تكون علامة على هشاشتها. وهنا يصل النظام إلى درجة متقدمة من الانغلاق، حيث يصبح قادرًا على تفسير كل شيء، بما في ذلك ما يناقضه، دون أن يخرج عن حدوده.
ومع هذا الانغلاق، تبدأ المعرفة في فقدان طابعها الحركي. لم تعد عملية بحث، بل أصبحت إعادة إنتاج لما تم تثبيته مسبقًا. وفي هذه المرحلة، يتحول الفهم من حركة مفتوحة إلى تكرار منظم، وتتحول الفكرة من احتمال إلى يقين. لكن هذا اليقين ليس نتيجة اكتشاف، بل نتيجة توقف مؤقت عن مساءلة الأساس الذي قام عليه.
ومع استمرار هذا التوقف، تبدأ حركة عكسية خفية في الظهور. ليس انهيارًا مباشرًا، بل إعادة ظهور لما تم استبعاده سابقًا. بعض الأسئلة التي لم تكن ممكنة داخل النظام تبدأ في العودة، ليس كتمرد مباشر، بل كتسربات داخل اللغة نفسها. جمل تبدو عادية لكنها تحمل احتمالات غير مستقرة، وتفسيرات لا تكتمل لكنها تفتح المجال لقراءات أخرى.
في هذه المرحلة، لا يسقط النظام، لكنه يبدأ في كشف طبيعته التأويلية التي كانت مخفية. يتضح أن ما كان يُقدَّم بوصفه حقيقة، ليس إلا قراءة استقرت لأنها لم تُساءل بما يكفي. وأن ما كان يبدو ضرورة، لم يكن إلا اختيارًا تم تثبيته عبر التكرار.
وهنا يتغير معنى المعرفة بالكامل. لم تعد امتلاكًا لصيغة نهائية للعالم، بل أصبحت قدرة على إدراك أن كل صيغة هي تأويل، وأن كل تأويل هو محاولة مؤقتة لترتيب ما هو في الأصل متعدد ومفتوح. أي أن الفهم لم يعد وصولًا، بل أصبح حركة مستمرة داخل احتمالات لا تنتهي.
في النهاية، ما أستطيع قوله هو أن ما نسميه حقيقة ليس إلا لحظة استقرار داخل حركة أوسع. وأن ما نعتبره نظامًا متماسكًا، ليس إلا طبقة من الترتيب فوق فوضى أعمق. هذه الفوضى ليست نقصًا، بل شرط إمكان المعنى نفسه. لأنها تسمح بظهور كل بناء، لكنها لا تسمح لأي بناء بأن يكون نهائيًا.
وهكذا، حين أنظر إلى المعنى في أفقه الأوسع، لا أراه شيئًا يُكتشف، بل أراه شيئًا يُعاد إنتاجه باستمرار. وكل مرة يبدو فيها أنه استقر، يكون في الحقيقة قد دخل مرحلة جديدة من التحول، حتى وإن بدا ساكنًا من الخارج.

* كاتب و ناقد و باحث مصري

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...