الوضع القائم في المسجد الأقصى: بين الحماية القانونية ومحاولات التفريغ السياسي
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
يشكّل “الوضع القائم” في المسجد الأقصى أحد أهم المفاهيم القانونية والتاريخية المرتبطة بمدينة القدس، غير أنّ هذا المفهوم يتعرض اليوم لعملية تشويه ممنهجة، تهدف إلى تفريغه من مضمونه الأصلي واستبداله بواقع تفرضه سلطات الاحتلال الإسرائيلي بالقوة. فالوضع القائم، كما أقرّته المرجعيات التاريخية منذ العهد العثماني، ثم ثبّته القانون الدولي، يقوم على حفظ السيادة الدينية والإدارية الإسلامية الكاملة على الحرم القدسي الشريف، وضمان حرية العبادة دون تغيير في هوية المكان أو طبيعته.
وفي هذا السياق، تبرز الوصاية الأردنية الهاشمية على المسجد الأقصى والمقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس كركيزة قانونية وسياسية أساسية في حماية هذا الوضع التاريخي. هذه الوصاية، التي تستند إلى اتفاقيات دولية واعترافات متعددة، تمنح المملكة الأردنية الهاشمية دوراً مركزياً في إدارة شؤون الأوقاف الإسلامية، وصيانة المقدسات، والحفاظ على هويتها العربية والإسلامية والمسيحية، في مواجهة محاولات التهويد وفرض السيادة الإسرائيلية.
إلا أن الواقع الميداني يكشف عن فجوة عميقة بين هذا الإطار القانوني وبين الممارسات الإسرائيلية اليومية، التي تمثل انتهاكاً صارخاً للوضع القائم. فقد شهدت فترات التوتر الإقليمي، بما في ذلك أجواء الحرب مع إيران، إجراءات غير مسبوقة تمثلت في إغلاق المسجد الأقصى أمام المصلين، وهو ما يشكّل سابقة خطيرة تمسّ بحرية العبادة، وتؤكد أن الاحتلال يتعامل مع الأقصى باعتباره خاضعاً لسيادته الأمنية، لا لمكانته الدينية والقانونية.
إلى جانب ذلك، تتواصل الاقتحامات اليومية التي ينفذها المستوطنون لباحات المسجد الأقصى تحت حماية قوات الاحتلال، في مشهد بات شبه اعتيادي، لكنه يحمل في طياته دلالات خطيرة. فهذه الاقتحامات، التي تتزايد وتيرتها وتنظيمها، لم تعد مجرد زيارات عابرة، بل تحوّلت إلى ممارسة منظمة تسعى إلى فرض تقسيم زماني ومكاني للمسجد، بما يتناقض جذرياً مع مفهوم الوضع القائم.
كما تترافق هذه الانتهاكات مع قيود مشددة على دخول المصلين، واعتداءات متكررة على المرابطين، ومنع لدور دائرة الأوقاف الإسلامية، في محاولة لإضعاف مرجعيتها، وتقليص دور الوصاية الأردنية، وهو ما يعكس توجهاً سياسياً لإعادة صياغة إدارة المسجد الأقصى بما يخدم الرؤية الإسرائيلية.
إن ما يجري في المسجد الأقصى اليوم لا يمكن فصله عن الصراع الأوسع على القدس وفلسطين، حيث يتجاوز الأمر حدود الانتهاكات اليومية ليصل إلى محاولة إعادة تعريف هوية المكان وفرض سيادة أحادية عليه. وفي هذا الإطار، فإن التمسك بالوصاية الأردنية، وتعزيز دور الأوقاف الإسلامية، وإعادة التأكيد على المرجعيات القانونية الدولية، يشكّل ضرورة استراتيجية في مواجهة هذه السياسات.
ختاماً، فإن الدفاع عن المسجد الأقصى لا يقتصر على حماية مكان ديني، بل هو دفاع عن هوية وتاريخ وحق، ومعركة مفتوحة على الرواية والسيادة، لن تُحسم إلا بإرادة الشعوب وتمسكها بحقوقها، ورفضها لأي واقع مفروض بقوة الاحتلال.
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
يشكّل “الوضع القائم” في المسجد الأقصى أحد أهم المفاهيم القانونية والتاريخية المرتبطة بمدينة القدس، غير أنّ هذا المفهوم يتعرض اليوم لعملية تشويه ممنهجة، تهدف إلى تفريغه من مضمونه الأصلي واستبداله بواقع تفرضه سلطات الاحتلال الإسرائيلي بالقوة. فالوضع القائم، كما أقرّته المرجعيات التاريخية منذ العهد العثماني، ثم ثبّته القانون الدولي، يقوم على حفظ السيادة الدينية والإدارية الإسلامية الكاملة على الحرم القدسي الشريف، وضمان حرية العبادة دون تغيير في هوية المكان أو طبيعته.
وفي هذا السياق، تبرز الوصاية الأردنية الهاشمية على المسجد الأقصى والمقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس كركيزة قانونية وسياسية أساسية في حماية هذا الوضع التاريخي. هذه الوصاية، التي تستند إلى اتفاقيات دولية واعترافات متعددة، تمنح المملكة الأردنية الهاشمية دوراً مركزياً في إدارة شؤون الأوقاف الإسلامية، وصيانة المقدسات، والحفاظ على هويتها العربية والإسلامية والمسيحية، في مواجهة محاولات التهويد وفرض السيادة الإسرائيلية.
إلا أن الواقع الميداني يكشف عن فجوة عميقة بين هذا الإطار القانوني وبين الممارسات الإسرائيلية اليومية، التي تمثل انتهاكاً صارخاً للوضع القائم. فقد شهدت فترات التوتر الإقليمي، بما في ذلك أجواء الحرب مع إيران، إجراءات غير مسبوقة تمثلت في إغلاق المسجد الأقصى أمام المصلين، وهو ما يشكّل سابقة خطيرة تمسّ بحرية العبادة، وتؤكد أن الاحتلال يتعامل مع الأقصى باعتباره خاضعاً لسيادته الأمنية، لا لمكانته الدينية والقانونية.
إلى جانب ذلك، تتواصل الاقتحامات اليومية التي ينفذها المستوطنون لباحات المسجد الأقصى تحت حماية قوات الاحتلال، في مشهد بات شبه اعتيادي، لكنه يحمل في طياته دلالات خطيرة. فهذه الاقتحامات، التي تتزايد وتيرتها وتنظيمها، لم تعد مجرد زيارات عابرة، بل تحوّلت إلى ممارسة منظمة تسعى إلى فرض تقسيم زماني ومكاني للمسجد، بما يتناقض جذرياً مع مفهوم الوضع القائم.
كما تترافق هذه الانتهاكات مع قيود مشددة على دخول المصلين، واعتداءات متكررة على المرابطين، ومنع لدور دائرة الأوقاف الإسلامية، في محاولة لإضعاف مرجعيتها، وتقليص دور الوصاية الأردنية، وهو ما يعكس توجهاً سياسياً لإعادة صياغة إدارة المسجد الأقصى بما يخدم الرؤية الإسرائيلية.
إن ما يجري في المسجد الأقصى اليوم لا يمكن فصله عن الصراع الأوسع على القدس وفلسطين، حيث يتجاوز الأمر حدود الانتهاكات اليومية ليصل إلى محاولة إعادة تعريف هوية المكان وفرض سيادة أحادية عليه. وفي هذا الإطار، فإن التمسك بالوصاية الأردنية، وتعزيز دور الأوقاف الإسلامية، وإعادة التأكيد على المرجعيات القانونية الدولية، يشكّل ضرورة استراتيجية في مواجهة هذه السياسات.
ختاماً، فإن الدفاع عن المسجد الأقصى لا يقتصر على حماية مكان ديني، بل هو دفاع عن هوية وتاريخ وحق، ومعركة مفتوحة على الرواية والسيادة، لن تُحسم إلا بإرادة الشعوب وتمسكها بحقوقها، ورفضها لأي واقع مفروض بقوة الاحتلال.