فكرة عالمية الإنسان علَّة استمرار الحضَارة البابلية وخلود آدابها
(جمالياتُ الحكمةِ في التُّراث الثقافي البَابلي) لعالم الآثار المؤرخ اللبناني يوسف الحوراني
مراجعة - جعفر الديري:
الآداب البابلية أولى الآداب العالمية المنحى التي لقيت تقدير واحترام الشعوب
نبشيَّات آثار أرض الرافدين تكشف عن عراقة فكرة (الحكماء السبعة)
تتضمّن قصَّة الطائر (زو) صفحة حكمية رائعة الإخراج والعرض
في ملحمة غلغامش نعثر على أعمق نظرة حضارية لدور المرأة
ملحمة التكوين البابليّة أهمّ نصّ يعبّر عن ذهنية الحضارة وثقافة أبنائها
قصّة الطوفان تسجيل واقعي لحادثة فيضان جامح تعرّضت لها أرض الرافدين
هواجس الإنسان الحضاري القديم هي ذاتها هواجس الإنسان في كل زمان ومكان
لم يبرز أي موقف عدائي لدى أي شعب من الشعوب تجاه الثقافة السومرية
بقيت قصص أرض الرافدين واسعة الانتشار بين الشعوب المجاورة
لقد طرحت الحضَارة البابلية فكرة عالمية الإنسان، دون حدود جغرافية أو شروط قوميَة. وهذه الفكرة كانت علَّة استمرارها وخلود آدابها وسمو عطاءاتها الفكرية في الرياضيات والفلك وتقسيم الزمن، وهي ما لا نزال نبني عليها مفاهيمنا وأنظمة حضارتنا المعاصرة.
ذلك ما يراه المؤرخ وعالم الآثار اللبناني يوسف الحوراني، معتبراً أنّ ما في هذه الحضارة من منحى أسطوري لا يحول دون التزامها بمنطق ضابط ومسؤلية فكرية قيادية بل، يعتبر النزعة الأسطورية فيها تشخيصاً لقناعات فكرية قامت عليها بنيتها الذهنية، وقد ورثنا منها الكثير من تقليدها وطقوسها، التي لا زالت لها حرمة وقيمة، برغم البعد الزمني بيننا وبين تاريخ نشوئها.
إنَ حضارة أرض الرافدين، وقد اصطلح على تسميتها (الحضارة البابلية)، تيمُّناً بالعاصمة العظيمة، لها ديمومة ثلاثة آلاف عام، وهي تستحق أكثر من وقفة تأمُّل في حيويتها وعلّة انتشارها، وحيث إن عطاءات هذه الحضارة الأدبية والفكرية لم تدرس حتى الآن دراسة منهجيّة، تعنى باستكشاف الروابط والضوابط بينها وبين المجتمعات التي تتعامل بها، فقد حاول الحوراني بدراسة بعض النصوص الشهيرة والمتداولة، إبراز ما في هذه الحضارة من جمالية عرض وحيويَّة مواضيع وشمولية نظرة.
وقد عرض الحوراني في كتابه (جماليات الحكمة في التراث الثقافي البابلي) لعدة مواضيع: أسطورة الحكماء السبعة، الثوابت والتحوُّلات، الحكمة في الفنون التشكيلية، حكمة غلغامش ودور المرأة، غلغامش وأرض الأحياء، غلغامش والإلاهة عشتار، موت إنكيدو وصدمة غلغامش، البحث عن الخلود، الطوفان والحكمة منه، التكوين والكلمة والتوحيد، نظام الكون وخلق الإنسان، والأمثال والحكم والنصائح.
الحكماء السبعة
وقبل أن يستطرد الحوراني في الحديث عن أسطورة الحكماء السبعة البابلية، يؤكد أن النظرة للحكمة لم تكن موقفاً فرديَّاً أو عابراً، تميَّز به أحد الحكام أو أحد الكتاب، بل نجدها تطلّعاً عامَّا للمجتمع وعقيدة ذهنييّة تتّجه إليها أنظار الناس وتطلّعاتهم حين مواجهة الصعاب، أو حين الالتفات الى الثقافة.
ثمّ يقول: لقد وصلتنا خلال التراث الإغريقي فكرة الحكماء السبعة، ووجدنا الإغريق يجتهدون في البحث عن سبعة مناسبين لجمعهم في هذا المركز السباعي، مما يشير إلى أن فكرة الحكماء السبعة جاءت من الخارج قبل وجود الحكماء أنفسهم. وقد كشفت نبشيّات آثار أرض الرافدين عن عراقة هذه الفكرة وقدمها فيها. ولكن كانت أسماء هؤلاء الحكماء وأعمالهم مجهولة خلال النصوص المكتشفة، باستثناء رجل واحد منهم وردت قصّة عن حكمته بوضوح وهو (أدابا) الذي صعد إلى السماء؛ كما يوصف عادة.
لقد ظهر نص موجز مكتوب باللغتين، السومرية والأكادية، وهو يحمل أسماء الحكماء السبعة وخلاصة أعمالهم الحكيمة. وقامت عالمة الاثار (إريكا رينر) بدراسة النص ونشر ما هو واضح منه. فتبيَّن أنه يحمل الأسماء السبعة في الأصل، بينما خمسة أسماء فقط بينها قابلة للقراءة. ومن هؤلاء السبعة، ليس معروفا خلال النصوص، الموجودة سوى (أدابا)، الذي يصفه النص بأنه كاهن التطهير لمدينة (إريدو)... الذي صعد إلى السماء.
ويعرّف النص الباقين بأنهم سبعة (أبكالّو) أي رؤساء، نشأوا في النهر الذي يسهر على عمل الخطط الصحيحة للسماء والأرض، وهم بعد (أدابا) كما يلي:
- نونبيريغَّال نون غالدم، (ابكالو)، (إنمركار)، الذي جلب عشتار من السماء إلى معبد (إيانا) أي (بيت السماء في أوروك).
- بيريغّال نونغال، الآتي من (كيش)، الذي أغضب الإله هدد في السماء، بحيث حبس هذا المطر وتوقّف معه النبات في البلاد طوال ثلاث سنوات.
- بيريغال أبزو، الآتي من (إريدو)، الذي ... وأغضب (إيا) في (أبزو) بحيث...
- والرابع، لوانا ، ثلثاه (أبكالّو)، الذي طرد التنّين (اوشنغالّو) من (إنينكار نونَّا) معبد عشتار (الذي أنشأه) (شولغي).
... من سلالة بشرية منحهم الإله (إيا) موهبة وفهما واسما).
ويكشف الحوراني خيوطا أساسية للفكر البابلي خلال ما وصلنا من تراث الحكماء السبعة (عطراحاسس) وهي:
1- إعتبار الخلود غاية أساسية يتطلّع إليها الإنسان سواء بشخصه أو بنوعه، خلال النسل.
2 - إعتبار المعرفة والحكمة هي الطريق المضمون للوصول إلى هذه الغاية.
3 - إعتبار الفشل والإحباط مسؤولية إنسانية وسببهما هو الضعف الإنساني الذي يبرز بالشك وقابلية الخدعة والخوف.
4 - إعتبار المغامرة مع المجهول والمستحيل وتحدّي الطبيعة وسيلة لتحقيق شخصية الإنسان وإثبات وجوده بين قوى الغيب وآلهة المجهول.
ويتساءل: فهل هذه ليست الخيوط الأساس للفكر العلمي الطامح في العصر الحديث؟! إنها فلسفة حضارة دامت وتيرتها ثلاثة آلاف عام، وليس فيها عدائية نحو أحد.
الطائر (زو)
تتضمّن قصّة الطائر (زو) صفحة حكمية رائعة الإخراج والعرض. فلتفسير حدوث حالة غير مألوفة في الطبيعة تخيَّل كاتب هذه القصة أن هناك خللاً ما قد حدث في النظام الكوني الخاص بالإله (إنليل) المسؤول عن هذا الذي ينظّم وقائع الفصول والأمطار وحركات الرياح وكل ما يتبع ذلك من نفوذ في يوميّات الإنسان. وفسّر هذا الخلل بقدان طوابع السمات (طبع شيماتي) التي تتضمّن مباديء عمل هذه الوقائع. وتخيَّل أن الذي أحدث هذا الخلل هو إله شرّير يدعى (زو) سرق هذه الطوابع وفرّ بها إلى الجبال.
ويرى الحوراني قصة (زو) مثال القوة المغتصبة المخرّبة، التي تحاول القضاء على النظام والاستقرار. ولهذا فإن مقاومة هذا الطائر تكون بطولة تنتظر من يقوم بها مثل ماردوخ أو قدموس أو القديس جاورجيوس أخيرا لدى المسيحيين. ولهذا نجد مقاوميه بأسماء مختلفة، حسب المدن والشعوب التي تبّنت قصته. وتكون النهاية بتمجيد البطل الإله الذي قام بالمهمّة، ثمّ رفعه إلى المستوى القيادي في مجلس مدينته ليصبح حارسا أو شفيعا.
أما الغاية الكاملة في مجريات الوقائع التي وصلنا تسجيلها فهي تمجيد الخبرة والمعرفة، وعرض لما وصل إليه الإنسان من تقدّم في تسخير معطيات الطبيعة والتنبيه إلا أن هذا التقدُّم ليس ثابتا، غير قابل للعودة. كما في الغاية ذاتها نجد التنبيه الى الحذر اللازم من انقلاب الأمور إلى ضدّها، أو وصول السلطة إلى غير المؤهّلين لها.
وتندرج هذه القصة في عقيدة التحوّل والتجدُّد السنوي، وفي فكرة التبدّل من الخير إلى الشر ومن الشر الى الخير. ولهذا فان الذهن الحكمي افترض وجود آلهة للشر ضمن آلهة الخير أنفسهم، إلى حدّ أن الفاصل بين الفريقين لم يكن كبيرا، بل الانتقال من صف إلى صف كان دائما ممكن الحدوث، وهذه هي حالة الطائر (زو) المتمرّد.
غلغامش ودور المرأة
تبدأ مجموعة قصص غلغامش، في لوحتها الأولى، بالإشادة بالمعرفة والحكمة وليس بالتغنّي بالشجاعة والقوّة والسلطة، كما هي العادة في ملاحم الشعوب. فالعنوان الأكّادي للملحمة يكشف عن الغاية منها، وهو: (شانقيا أمورو)، أي الذي ينقِّب عن الأمور. وهذا عمل الحكيم المتبصِّر، وليس الفارس المقدام. ومطلع الملحمة هو:
"هو الذي يرى عمق كل شيء، في كل الأرض.
مارس الحكمة في كل شيء،
كشف السرّ المخفي، واستوضح المجهول. الذي عرف ما كان قبل الطوفان،
لقد قام برحلات طويلة متعبة ومريحة،
وحفر جميع ذلك على نصب حجري.
وبنى سور مدينة (اوروك) الحصين.
ومعه معبد (إيانا) المقدّس، المقام الطاهر".
ويعرِّف النص غلغامش بأنه: ثلثاه إله وثلثه إنسان. طويل القامة، مهيب كثور بري. وقع أسلحته ليس ما يماثله. يوقظ رفاقه بطبل، يخافه نبلاء (أوروك) وهم في بيوتهم.
"لم يترك (غلغامش) ابناً لأبيه؛
في النهار والليل عجرفته تتعاظم.
إنه (غلغامش) راعي (أوروك) الحصينة.
إنه راعينا، الجريء، المهيب، الحكيم.
غلغامش لم يترك فتاة لأمها:
لا ابنة المحارب، ولا زوجة البطل.
فاستجابت الآلهة لشكاويهم.
آلهة السماء اشتكت (لآنو) سيد أوروك.
أليست (أوورو) الإلاهة التي أنجبت هذا الثور البري القوي!؟"
ولما الإله (أنو) سمع الشكوى، دعا (أرورو) العظيمة، وقال لها ما دمت خلقت هذا الرجل، عليك أن تخلقي مثيلا له، يوازن اندفاعه العاصف، يتنافسان فتحصل أوروك على السلام!.
غسلت الإلاهة (أرورو) يديها وتصوّرت الإله (آنو) وتناولت صلصالا، وخلقت شبيهاً له في البريّة. في البرية خلقت إنكيدو الشجاع، سلالة، وروح من الإله (نينورتا). لا يعرف الناس ولا البلاد، مظهره كإله للقطعان.
كان إنكيدو أليفا للحيوانات والوحوش. وقد شاهده صياد فارتعب منه. أخبر الصياد والده، فنصحه بالذهاب إلى مدينة أوروك، حيث يعيش غلغامش. وهناك يصف الإنسان المتوحّش له، ويطلب إليه أن يعطيه فتاة من حريم المعبد، ليصطحبها إليه. وهي عندئذ ستواجهه بقوة أعظم من قوته.
وقد فعل الصياد وفق نصيحة والده، وأخيرا جاء إنكيدو المتوحش ليشرب مع الوحوش، فلاحت له الفتاة، فكشفت مفاتنها، فأحبها، وبقي قربها ستة أيام وسبع ليالي، حتى ارتوى بها، فتحوّل بوجهه نحو حيواناته المتوحِّشة، ولما رأته نفرت مبتعدة عنه.
ذعر إنكيدو لما حدث له، حيث تغيّر جسده وارتخت ركبتاه، وفرّت منه الوحوش، ولم يعد كما كان، بل غدا ذا حكمة وفهم واسع. هذه هي النتيجة التي افترضها الكاتب تحصل بعد لقاء الرجل بالمرأة...
يقول الحوراني: وهنا نعثر على أعمق نظرة حضارية لدور المرأة، فهي علّة الحكمة والفهم في المجتمع وليست رفيقة أو خادمة، أو آنية متعة، أو كائن زينه. بعد التقاء إنكيدو بالفتاة، غدا حكيما متّسع المعارف. فهل رأى أحد من العلماء أو الحكماء نتيجة أفضل من هذه النتيجة للعلاقة بين الرجل والمرأة؟! بل هل تكون هناك حكمة ومعرفة صحيحتين دون هذا اللقاء الطبيعي؟
تابعت الفتاة إغراء إنكيدو بالذهاب معها إلى مدينة أوروك، وعندما كان غلغامش ذاهبا في المساء إلى معبد (عشارا) إلاهة الحب، إعترض إنكيدو طريقه، ثم سدّ الباب بقدمه، فمنعه من الدخول، فتقابضا وتصارعا كثورين، وحطّما ركن الباب، واهتزَّ الجدار. وعندما أحنى غلغامش ركبته إلى الأرض هدأ غضبه، فاستدار عن إنكيدو. وخاطبه هذا عندئذ، مادحا إياه، معترفاً بسلطته. فتعانقا وأصبحا صديقين حميمين.
لقد غدت صداقة غلغامش وإنكيدو مثالاً للصداقة ومسؤولياتها في العهد القديم. ومهمة كلا الصديقين هي أن ينقذ أحدهما الآخر حين تعرّضه للخطر.
غلغامش وأرض الأحياء
يقول الحوراني: ان القصة التأمّلية التي وضع فيها الحكيم البابلي خلاصة نظريته في قيمة الحياة هي قصّة رحلة غلغامش إلى أرض الأحياء، من أجل تخليد اسمه فيها، ما دام الخلود الفعلي غير ميسور للإنسان على الأرض، فغلغامش، البطل المؤلَّه يعرض وضعه وقلقه على صديقه إنكيدو فيقول:
"آه يا إنكيدو، لم يأتِ الآجرّ والطوابع بالنهاية المطلوبة.
إني أريد دخول (الأرض)، أريد أن أقيم اسمي.
في أماكنها، حيث ارتفعت الأسماء، أريد أن أرفع اسمي.
وحيث لم ترتفع الأسماء، سأ{فع أسماء الآلهة".
ويجيبه إنكيدو:
"إذا كنت يا سيّدي تريد دخول الأرض) أخبر (أوتو) (الإله الشمس).
أخبر (أوتو) البطل أوتو.
الأرض هي بمسؤولية أوتو.
أرض قطع الأرز هي بمسؤولية أوتو البطل – أخبر أوتو".
وإذا تأمّلنا عميقا في القصص المنسوبة لغلغامش ومغامراته نجدها جميعا تنطلق من هذا الدافع الإنساني، أي من رفض الرتابة والالتزام بالمألوف لدى الناس، والبحث عن الجديد. وهكذا تكون هذه القصص المعبِّر الصادق عن الحضارة التي تداولت نصوصها. كما كانت طريقة عرض هذا الدافع الخالد لدى الإنسان رائعة خلال قصص البطولة المفضّلة، التي نشرت الملاحم البابلية بين الشعوب المختلفة، وجعلتها متميّزة بمنحاها الإنساني العام، دون الالتزام بقوميَّة معيّنة أو بحدود جغرافية ضيّقة.
إنها عملية بحث عن معنى للحياة. والمغامرة في هذا السبيل ليست مغامرة مستقلّة وإنما نهج تفكير وعقيدة سلوك. ويكشف كاتب قصص غلغامش الحكيم على هذا النهج على لسان إنكيدو، وهو على فراش النزع، حيث يقول: "يا صديقي... قد أصابني بلعنة، أموت، ليس كإنسان سقط في معركة، لأني كنت أخشى المعركة، يا صديقي، إن الذي يموت في معركة يكون مباركاً، أما أنا فلا".
ملحمة التكوين
تعتبر ملحمة التكوين البابليّة أهمّ نصّ يعبّر عن ذهنية الحضارة وثقافة أبنائها. فهذا النصّ كان يعتبر نصّا مقدّساً، يتلى كل سنة مرة، في احتفال عام يقام بمناسبة عيد رأس السنة. والغاية من تلاوته كانت لتذكير الناس بما هم عليه من عقائد في الوجود والعدم، وما يعترضهم من مصاعب ومواجهات مع قوى معادية في أيامهم المقبلة. وكان يتلى في اليوم الرابع من العيد.
لقد كانت ثقافة تجديد للآمال والتطلعات والمعلومات عن الغوامض الكونية التي تحيط بهم، إلى جانب كونها تفسيراً للعقيدة بالإله الواحد، السيّد المطلق، برغم تعدّ الأسماء والوظائف له. هذا الإله هو (ماردوخ) سيد بابل. وما يثبت جدارته بهذا المركز هو تغلّبه على (طامة) الإلاهة المتمرّدة، التي نشرت الفوضى، وأرعبت مجموعة الآلهة المنظمة للكون.
الأسم الأكّادي للملحمة يعني: لما في الأعالي (إنوما عليش). ويرى (ستيفن لانغدن) -عالم الآثار والآشوريات- أنها اقتبست من نص سومري أقدم، بينما الأناشيد الخاصة بالإله البابلي (ماردوخ) أضيفت إليها فيما بعد، وقد كانت مستقلة.
ويرجّح دارسوا هذه الملحمة أن النص الأكّادي منها يعود لأوائل الألف الثاني قبل الميلاد. وهي كمعظم الملاحم البابلية ذات غاية توجيهيّة تشدد على الصراع بين النظام والفوضى، بين القوى الكونية الممثَّلة بالآلهة حافظي النظام ومدبِّريه، وبين المتمرّدين على النظام وناشري الخلل.
ان الحكمة -كما يورد الحوراني- تبرز في مجمل نص التكوين البابليّ خلال الشمولية الفكريّة والمرونة التي اتّصف بها في تركيزه على التوحيد للإله ماردوخ الذي لا يعني اسمه بالذات غير التجديد. والاجتهادات اللاهوتيّة الواردة فيه إنما هي تعبير عن السلطة الثقافية التي غدت لمدينة بابل، والطرائق التي اتّبعها حكماؤها لتسويغ علو شأنها وتقدّمها على المدن الأخرى، في أرض سومر وأكّاد. وأبرز هذه الاجتهادات هو في تخيُّل الطريقة الحكيمة، التي انتصر بها إلهها على طامة، أي على الفوضى التي كانت تغمر الأرض وتنشر الكوارث والخروج على النظام المألوف.
ثمّ يأتي اجتهاد التخويل الذي تلقّاه ماردوخ من الآلهة مجتمعين، هذا هذا التخويل الذي يعطيه حقّ قيادتهم وتنظيم شؤونهم. وهذا ما يجعله بعيداً عن التجبُّر والاغتصاب والاستئثار بالسلطة. وفيه إشارة واضحة إلى سبق في مفهوم الديمقراطية التي يدعو لها حكماء الإنسانية، منذ حضارة بابل.
قصّة الطوفان
أمّا قصّة الطوفان فهي، على الأرجح تسجيل واقعي لحادثة فيضان جامح تعرّضت لها أرض الرافدين نتيجة طوفان نهرَي دجلة والفرات معاً. وقد ذكرت النصوص التاريخية مرارا الخراب الذي كانت تتركه تلك الفيضانات المرعبة. كما كشفت نبشيّات الآثار عدداً منها أبرزها، اثنان تمّت ملاحظة آثارهما، وقد خلّفا طبقة من الطمي، تتفق مع الأهمّية التي أعطاها السومريّون لأحدهما، حين اعتبره فاصلاً تاريخيّاً يؤرّخون وقائعهم به، بما قبله وما بعده، ويذكرون أسماء ملوك ما قبل الطوفان وما بعده.
فقد ظهرت آثار طوفان كبير في نبشيات مدينتي كيش وأور، وهو يعود لأعوام أربعة آلاف قبل الميلاد. وهذا ما رجّحه الباحثون أنه الفاصل التاريخي لدى السومريّين. كما فوق هذا الطوفان بتسع عشرة قدماً من الركام، وجدت آثار طوفان أخر، يعود للقرن الثالث والثلاثين قبل الميلاد.
وما نراه في سرد قصة الطوفان بين قصص غلغامش هو كونها ذكرى هامة تتفق خطوطها وغاياتها مع خطوط هذه القصص، حيث هي تبرز دور الحكمة الإنسانية في إنقاذ الإنسان الحكيم من جموح الطبيعة وكوارثها، وتشّد على الغاية النهائية لكل حكمة، ألا وهي الخلود وقهر الموت بشكل من الأشكال.
هكذا هي قصة الطوفان. والوصف الحي، الذي يرقى إلى مستوى أرقى الآداب لحالة الذعر التي أثارها الحادث، ليس سوى وصف مشاهد مرهف الحس لما يحدث من كوارث طبيعية.
يقول الحوراني: العبرة والحكمية من القصة هي أن الرجل الحكيم أوتنابشتم أدرك بحكمته ما سيحدث في حالة فيضان عارم، فاستحقّ الخلود مكافأة له، تمشّياً مع القيمة التي كانت تمنحها مجتمعات أرض الرافدين للحكمة، حيث ترى أنها طريق الخلود الإنساني.
والخلود هنا لم يكن للشخص، كما رأينا، بل باستمرار النسل ومباركة الإله له، بعد عودته عن غضبه. فالانتقال إلى أرض فم الأنهار يعني الانتقال إلى أرض لا تغمرها الفيضانات، كما هي حالة أرض العراق.
وهكذا تكون قصة انتقال غلغامش في البحر لمقابلة أوتنابشتم ليست سوى اجتهاد أدبي لربط رواية الطوفان بفكرة نبتة الخلود وتجدّد الشباب.
والعبرة الأخلاقية لهذه القصة هي أن ما يحدث من كوارث طبيعية إنما هو عقاب للناس على الشرور التي ارتكبوها، سواء نحو بعضهم بعضاً أم نحو الآلهة أنفسهم. وهكذا تكون فكرة العقاب الإلهي والثواب فكرة ضابطة لسلوك الناس يعالجها الحكماء ويتّخذون منها رابطة جماليّة، تتردّد القصص بموجبها على ألسنة الناس، فتبقى حيّة محميّة من النسيان.
الفنون التشكيلية
وحول الفنون التشكيلية في وادي الرافدين، يؤكد الحوراني أن هواجس الإنسان الحضاري القديم هي ذاتها هواجس الإنسان في كل زمان ومكان. ولهذا ما وصلنا عنه من آداب ليس بعيداً عن همومنا وتطلّعاتنا.
وإن تكن حكمة أرض الرافدين وعقائد شعوبها وصلتنا، خلاصة نصوص أدبيّة وقصصيّة هي لها إطار جمالي ذو جاذب للتأمّل والاطّلاع والحفظ والسرد للموعظة والاعتبار، فإن جماليّات الفنون التشكيليةّ ذاتها، من نحت وتصوير كان بدورها تعتمد على الحكمة والقدرة على ربط الرموز بالعقائد والأفكار لجعلها واضحة قابلة للإدراك.
لقد كان الفنان الذي عالج المفاهيم العقائدية في العراق القديم حكيما بالدرجة الأولى، ثم فناناً ذا مهارة في الرسم أو صنع الأشكال المعبِّرة عن أفكاره. فهو كان يحسّ بالكون كقوة حيَّة تحيط به وتعمل دائبة خلال عناصر الطبيعة حوله وفق مسؤوليات ووظائف محدَّدة لها. وقد حاول تصنيف وظائف وظاهر هذه القوّة لفهم أنظمة عملها، مفترضاً وجود محرِّك مختص يكمن خلف كل مجموعة منها، تكون متآلفة أو ذات صفة مشتركة. وقد أطلق على هذا الحرِّك المختص صفة الألوهة معتبراً هذه الصفة وظيفة من وظائف الطبيعة.
إنعكس هذا المفهوم اللاهوتي لديه على فنونه التشكيلية فامتزج الحس الجمالي بالمشاعر الدينية ثم بالنباهة الحكمية. وغدا همّ الفنان البحث عن طريقة فكرية يوضح بها العلائق بين الأشياء والمشاعر نحو القوى الغيبية التي تحكم سلوك أشيائه ومرموزاتها. وبذلك غدا إلماعة إلى علاقة الإنسان ومفاهيمه بما يقدّم له في تشكيلاته الفنّية حقلاً جماليا يثير النشوة لدى المشاهد بإدراك المغزى أكثر مما يفعل بإدهاش البصر أو إثارة الإعجاب بالانسجام.
الأمثال والحكم والنصائح
في رأي لعالم السومريّات صمويل كريمر، بعد دراسته المتعمّقة للقصص الميثولوجية التي توفَّرت له في الأربعينات من القرن العشرين، يقول: "هناك سبب وجيه للاعتقاد، بالنسبة للمعطيات المختلفة الأزمنة، بأن هناك منطقاً جيداً كان خلفها، وليست مجرّدعبث ترفيهي".
وهذا الرأي ذاته، حسب الحوراني يكمن خلف جميع المرويات والنصوص البابلية، على اختلاف الشعوب التي شاركت فيها، إذ هي جميعا تقوم على أساس الثقافة السومرية التي لم يبرز أي موقف عدائي تجاهها لدى أي شعب من الشعوب، سواء تلك التي نشأت حضارتها وقوتها في أرض العراق أم تلك التي احتلّت البلاد بالقوة، كالكاشيين والفرس في العهد القديم.
وأبرز مثال على المنطق الإنساني العملي الذي ينظّم النصوص التي وصلتنا نجده في الأمثال الدارجة والحكم التوجيهيّة التي تتضمّنها أقوال قصيرة عابرة. ومع غياب جمالية الجناس اللفظي لهذه الأمثال، وهو شرط أساسي لتناقلها فإننا لا زلنا نجد في جمالية مدلولها ما يكفي لبقائها حيّة ومفيدة.
ويبدو أن هذه الأمثال كانت ذات شأن في الأدب السومريّ، إذ وجدت منها مجموعات متنوّعة تحتوي على أكثر من ألف مثل، مسجلة على ألواح منم الطين المشوي، كان الطلاب السومريّون يتدرّبون على كتابة بعضها. وهي تعالج مواضيع مختلفة ومشاكل يومية تعترض الإنسان. لبعضها هنا نكتشق سلوك الذهنية السومريّة ااتي قامت عليها الحضارة البابليّة فيما بعد.
" – وسأحفظ أمتعتي جديدة، وسنستعمل أمتعتكم. (وهكذا هي المشاركة في المنزل).
- لم تقل لي ماذا وجدت، لكنك تقول لي ماذا أضعت.
- الممتلكات هي كالسنونو لا تجد مكانا تحطّ فيه.
- لا تلتقطها (النواة) فهي غدا ستحمل ثمرا.
- الذي يأكل حتى التخمة يحرم من النوم".
ليس في هذه المثال والحكم ما يحصرها في بيئة معيّنة، إذ هي تجارب عامة لمجتمع مستقرّ، متوازن، متضامن اجتماعيا وعائلياً. وفيها من عمق التجربة ما لا يتجاوزه الزمن، ومن الجمالية ما يرقى إلى مستوى التورية الشعرية، مثل "اختيار الابن باختيار الزوجة"، أو "القطة والنسم"، حيث ظهور القطة ينبىء عنها، بينما أحافير النمس تشير إلى وجوده، وأمثالها.
خلاصة
يعتبر الحوراني، أن الآداب البابلية كانت أولى الآداب العالمية المنحى، التي لقيت التقدير والاحترام في المجتمعات واللغات التي وصلتها. وإثبات ذلك يأتينا من النصوص الأدبية التي تمّ اكتشافها، والي تعود إلى التراث البابلي السومري في أصلها. فقد لاحظ أحد الباحثين الكبار في تراث هذه الحضارة أن النصوص الهامّة، التي ظهرت حتى الآن، تم العثور على نسخاتها خارج أرض الرافدين. فملحمة الطائر (زو) وملحمة (إيتانا) وجدتا في نبشات (سوسا) في إيران. وقصّة الحكيم (آدابا) وقصّة (نرغال وإرشكيغال) وجدت في (تل العمارن) في مصر، وملحمة (غلغامس) وجدت ترجمات لها إلى الحثّية والحوريّة في (بوغازكو) في الأراضي التركية.
ولا يبدو أن الشعوب التي كانت تحتفظ بنسخ من هذه الآداب كانت تعتبرها غريبة عنها بل، هي كانت تتعامل معها كتراث إنساني عام، فيه من الجمال والشمولية والحيوية ما يجعله صالحا لكل الناس، وفي كل العصور، تماما كصلاح التراث الفلسفي الإغريقي، أو التراث العلمي الأوروبي، الذين تتعامل بهما الحضارة الحديثة.
لقد توقّفت ملاحم الشعوب القديمة عند الحدود القوميّة أو اللغويّة، ولذلك سقطت من التداول الإنساني العام، لما فيها من عصبيّة، بينما بقيت قصص أرض الرافدين واسعة الانتشار بين الشعوب المجاورة، حتى بعد أن تراجعت الشعوب المبدعة، لهذه القصص عن الصدارة الحضارية . وكان ذلك بفضل جمالية العرض للحكمة، التي تبرز خلال هذه القصص، من حيث الشكل، وبفضل القيمة المعنوية الذاتية، التي تحملها المعالجات الفكرية الحكيمة، والحلول العملية الأخلاقية لقضايا معقّدة، من حيث المضمون، قضايا هي هواجس ومشاغل ذهنية لكل الناس في كل العصور.
(جمالياتُ الحكمةِ في التُّراث الثقافي البَابلي) لعالم الآثار المؤرخ اللبناني يوسف الحوراني
مراجعة - جعفر الديري:
الآداب البابلية أولى الآداب العالمية المنحى التي لقيت تقدير واحترام الشعوب
نبشيَّات آثار أرض الرافدين تكشف عن عراقة فكرة (الحكماء السبعة)
تتضمّن قصَّة الطائر (زو) صفحة حكمية رائعة الإخراج والعرض
في ملحمة غلغامش نعثر على أعمق نظرة حضارية لدور المرأة
ملحمة التكوين البابليّة أهمّ نصّ يعبّر عن ذهنية الحضارة وثقافة أبنائها
قصّة الطوفان تسجيل واقعي لحادثة فيضان جامح تعرّضت لها أرض الرافدين
هواجس الإنسان الحضاري القديم هي ذاتها هواجس الإنسان في كل زمان ومكان
لم يبرز أي موقف عدائي لدى أي شعب من الشعوب تجاه الثقافة السومرية
بقيت قصص أرض الرافدين واسعة الانتشار بين الشعوب المجاورة
لقد طرحت الحضَارة البابلية فكرة عالمية الإنسان، دون حدود جغرافية أو شروط قوميَة. وهذه الفكرة كانت علَّة استمرارها وخلود آدابها وسمو عطاءاتها الفكرية في الرياضيات والفلك وتقسيم الزمن، وهي ما لا نزال نبني عليها مفاهيمنا وأنظمة حضارتنا المعاصرة.
ذلك ما يراه المؤرخ وعالم الآثار اللبناني يوسف الحوراني، معتبراً أنّ ما في هذه الحضارة من منحى أسطوري لا يحول دون التزامها بمنطق ضابط ومسؤلية فكرية قيادية بل، يعتبر النزعة الأسطورية فيها تشخيصاً لقناعات فكرية قامت عليها بنيتها الذهنية، وقد ورثنا منها الكثير من تقليدها وطقوسها، التي لا زالت لها حرمة وقيمة، برغم البعد الزمني بيننا وبين تاريخ نشوئها.
إنَ حضارة أرض الرافدين، وقد اصطلح على تسميتها (الحضارة البابلية)، تيمُّناً بالعاصمة العظيمة، لها ديمومة ثلاثة آلاف عام، وهي تستحق أكثر من وقفة تأمُّل في حيويتها وعلّة انتشارها، وحيث إن عطاءات هذه الحضارة الأدبية والفكرية لم تدرس حتى الآن دراسة منهجيّة، تعنى باستكشاف الروابط والضوابط بينها وبين المجتمعات التي تتعامل بها، فقد حاول الحوراني بدراسة بعض النصوص الشهيرة والمتداولة، إبراز ما في هذه الحضارة من جمالية عرض وحيويَّة مواضيع وشمولية نظرة.
وقد عرض الحوراني في كتابه (جماليات الحكمة في التراث الثقافي البابلي) لعدة مواضيع: أسطورة الحكماء السبعة، الثوابت والتحوُّلات، الحكمة في الفنون التشكيلية، حكمة غلغامش ودور المرأة، غلغامش وأرض الأحياء، غلغامش والإلاهة عشتار، موت إنكيدو وصدمة غلغامش، البحث عن الخلود، الطوفان والحكمة منه، التكوين والكلمة والتوحيد، نظام الكون وخلق الإنسان، والأمثال والحكم والنصائح.
الحكماء السبعة
وقبل أن يستطرد الحوراني في الحديث عن أسطورة الحكماء السبعة البابلية، يؤكد أن النظرة للحكمة لم تكن موقفاً فرديَّاً أو عابراً، تميَّز به أحد الحكام أو أحد الكتاب، بل نجدها تطلّعاً عامَّا للمجتمع وعقيدة ذهنييّة تتّجه إليها أنظار الناس وتطلّعاتهم حين مواجهة الصعاب، أو حين الالتفات الى الثقافة.
ثمّ يقول: لقد وصلتنا خلال التراث الإغريقي فكرة الحكماء السبعة، ووجدنا الإغريق يجتهدون في البحث عن سبعة مناسبين لجمعهم في هذا المركز السباعي، مما يشير إلى أن فكرة الحكماء السبعة جاءت من الخارج قبل وجود الحكماء أنفسهم. وقد كشفت نبشيّات آثار أرض الرافدين عن عراقة هذه الفكرة وقدمها فيها. ولكن كانت أسماء هؤلاء الحكماء وأعمالهم مجهولة خلال النصوص المكتشفة، باستثناء رجل واحد منهم وردت قصّة عن حكمته بوضوح وهو (أدابا) الذي صعد إلى السماء؛ كما يوصف عادة.
لقد ظهر نص موجز مكتوب باللغتين، السومرية والأكادية، وهو يحمل أسماء الحكماء السبعة وخلاصة أعمالهم الحكيمة. وقامت عالمة الاثار (إريكا رينر) بدراسة النص ونشر ما هو واضح منه. فتبيَّن أنه يحمل الأسماء السبعة في الأصل، بينما خمسة أسماء فقط بينها قابلة للقراءة. ومن هؤلاء السبعة، ليس معروفا خلال النصوص، الموجودة سوى (أدابا)، الذي يصفه النص بأنه كاهن التطهير لمدينة (إريدو)... الذي صعد إلى السماء.
ويعرّف النص الباقين بأنهم سبعة (أبكالّو) أي رؤساء، نشأوا في النهر الذي يسهر على عمل الخطط الصحيحة للسماء والأرض، وهم بعد (أدابا) كما يلي:
- نونبيريغَّال نون غالدم، (ابكالو)، (إنمركار)، الذي جلب عشتار من السماء إلى معبد (إيانا) أي (بيت السماء في أوروك).
- بيريغّال نونغال، الآتي من (كيش)، الذي أغضب الإله هدد في السماء، بحيث حبس هذا المطر وتوقّف معه النبات في البلاد طوال ثلاث سنوات.
- بيريغال أبزو، الآتي من (إريدو)، الذي ... وأغضب (إيا) في (أبزو) بحيث...
- والرابع، لوانا ، ثلثاه (أبكالّو)، الذي طرد التنّين (اوشنغالّو) من (إنينكار نونَّا) معبد عشتار (الذي أنشأه) (شولغي).
... من سلالة بشرية منحهم الإله (إيا) موهبة وفهما واسما).
ويكشف الحوراني خيوطا أساسية للفكر البابلي خلال ما وصلنا من تراث الحكماء السبعة (عطراحاسس) وهي:
1- إعتبار الخلود غاية أساسية يتطلّع إليها الإنسان سواء بشخصه أو بنوعه، خلال النسل.
2 - إعتبار المعرفة والحكمة هي الطريق المضمون للوصول إلى هذه الغاية.
3 - إعتبار الفشل والإحباط مسؤولية إنسانية وسببهما هو الضعف الإنساني الذي يبرز بالشك وقابلية الخدعة والخوف.
4 - إعتبار المغامرة مع المجهول والمستحيل وتحدّي الطبيعة وسيلة لتحقيق شخصية الإنسان وإثبات وجوده بين قوى الغيب وآلهة المجهول.
ويتساءل: فهل هذه ليست الخيوط الأساس للفكر العلمي الطامح في العصر الحديث؟! إنها فلسفة حضارة دامت وتيرتها ثلاثة آلاف عام، وليس فيها عدائية نحو أحد.
الطائر (زو)
تتضمّن قصّة الطائر (زو) صفحة حكمية رائعة الإخراج والعرض. فلتفسير حدوث حالة غير مألوفة في الطبيعة تخيَّل كاتب هذه القصة أن هناك خللاً ما قد حدث في النظام الكوني الخاص بالإله (إنليل) المسؤول عن هذا الذي ينظّم وقائع الفصول والأمطار وحركات الرياح وكل ما يتبع ذلك من نفوذ في يوميّات الإنسان. وفسّر هذا الخلل بقدان طوابع السمات (طبع شيماتي) التي تتضمّن مباديء عمل هذه الوقائع. وتخيَّل أن الذي أحدث هذا الخلل هو إله شرّير يدعى (زو) سرق هذه الطوابع وفرّ بها إلى الجبال.
ويرى الحوراني قصة (زو) مثال القوة المغتصبة المخرّبة، التي تحاول القضاء على النظام والاستقرار. ولهذا فإن مقاومة هذا الطائر تكون بطولة تنتظر من يقوم بها مثل ماردوخ أو قدموس أو القديس جاورجيوس أخيرا لدى المسيحيين. ولهذا نجد مقاوميه بأسماء مختلفة، حسب المدن والشعوب التي تبّنت قصته. وتكون النهاية بتمجيد البطل الإله الذي قام بالمهمّة، ثمّ رفعه إلى المستوى القيادي في مجلس مدينته ليصبح حارسا أو شفيعا.
أما الغاية الكاملة في مجريات الوقائع التي وصلنا تسجيلها فهي تمجيد الخبرة والمعرفة، وعرض لما وصل إليه الإنسان من تقدّم في تسخير معطيات الطبيعة والتنبيه إلا أن هذا التقدُّم ليس ثابتا، غير قابل للعودة. كما في الغاية ذاتها نجد التنبيه الى الحذر اللازم من انقلاب الأمور إلى ضدّها، أو وصول السلطة إلى غير المؤهّلين لها.
وتندرج هذه القصة في عقيدة التحوّل والتجدُّد السنوي، وفي فكرة التبدّل من الخير إلى الشر ومن الشر الى الخير. ولهذا فان الذهن الحكمي افترض وجود آلهة للشر ضمن آلهة الخير أنفسهم، إلى حدّ أن الفاصل بين الفريقين لم يكن كبيرا، بل الانتقال من صف إلى صف كان دائما ممكن الحدوث، وهذه هي حالة الطائر (زو) المتمرّد.
غلغامش ودور المرأة
تبدأ مجموعة قصص غلغامش، في لوحتها الأولى، بالإشادة بالمعرفة والحكمة وليس بالتغنّي بالشجاعة والقوّة والسلطة، كما هي العادة في ملاحم الشعوب. فالعنوان الأكّادي للملحمة يكشف عن الغاية منها، وهو: (شانقيا أمورو)، أي الذي ينقِّب عن الأمور. وهذا عمل الحكيم المتبصِّر، وليس الفارس المقدام. ومطلع الملحمة هو:
"هو الذي يرى عمق كل شيء، في كل الأرض.
مارس الحكمة في كل شيء،
كشف السرّ المخفي، واستوضح المجهول. الذي عرف ما كان قبل الطوفان،
لقد قام برحلات طويلة متعبة ومريحة،
وحفر جميع ذلك على نصب حجري.
وبنى سور مدينة (اوروك) الحصين.
ومعه معبد (إيانا) المقدّس، المقام الطاهر".
ويعرِّف النص غلغامش بأنه: ثلثاه إله وثلثه إنسان. طويل القامة، مهيب كثور بري. وقع أسلحته ليس ما يماثله. يوقظ رفاقه بطبل، يخافه نبلاء (أوروك) وهم في بيوتهم.
"لم يترك (غلغامش) ابناً لأبيه؛
في النهار والليل عجرفته تتعاظم.
إنه (غلغامش) راعي (أوروك) الحصينة.
إنه راعينا، الجريء، المهيب، الحكيم.
غلغامش لم يترك فتاة لأمها:
لا ابنة المحارب، ولا زوجة البطل.
فاستجابت الآلهة لشكاويهم.
آلهة السماء اشتكت (لآنو) سيد أوروك.
أليست (أوورو) الإلاهة التي أنجبت هذا الثور البري القوي!؟"
ولما الإله (أنو) سمع الشكوى، دعا (أرورو) العظيمة، وقال لها ما دمت خلقت هذا الرجل، عليك أن تخلقي مثيلا له، يوازن اندفاعه العاصف، يتنافسان فتحصل أوروك على السلام!.
غسلت الإلاهة (أرورو) يديها وتصوّرت الإله (آنو) وتناولت صلصالا، وخلقت شبيهاً له في البريّة. في البرية خلقت إنكيدو الشجاع، سلالة، وروح من الإله (نينورتا). لا يعرف الناس ولا البلاد، مظهره كإله للقطعان.
كان إنكيدو أليفا للحيوانات والوحوش. وقد شاهده صياد فارتعب منه. أخبر الصياد والده، فنصحه بالذهاب إلى مدينة أوروك، حيث يعيش غلغامش. وهناك يصف الإنسان المتوحّش له، ويطلب إليه أن يعطيه فتاة من حريم المعبد، ليصطحبها إليه. وهي عندئذ ستواجهه بقوة أعظم من قوته.
وقد فعل الصياد وفق نصيحة والده، وأخيرا جاء إنكيدو المتوحش ليشرب مع الوحوش، فلاحت له الفتاة، فكشفت مفاتنها، فأحبها، وبقي قربها ستة أيام وسبع ليالي، حتى ارتوى بها، فتحوّل بوجهه نحو حيواناته المتوحِّشة، ولما رأته نفرت مبتعدة عنه.
ذعر إنكيدو لما حدث له، حيث تغيّر جسده وارتخت ركبتاه، وفرّت منه الوحوش، ولم يعد كما كان، بل غدا ذا حكمة وفهم واسع. هذه هي النتيجة التي افترضها الكاتب تحصل بعد لقاء الرجل بالمرأة...
يقول الحوراني: وهنا نعثر على أعمق نظرة حضارية لدور المرأة، فهي علّة الحكمة والفهم في المجتمع وليست رفيقة أو خادمة، أو آنية متعة، أو كائن زينه. بعد التقاء إنكيدو بالفتاة، غدا حكيما متّسع المعارف. فهل رأى أحد من العلماء أو الحكماء نتيجة أفضل من هذه النتيجة للعلاقة بين الرجل والمرأة؟! بل هل تكون هناك حكمة ومعرفة صحيحتين دون هذا اللقاء الطبيعي؟
تابعت الفتاة إغراء إنكيدو بالذهاب معها إلى مدينة أوروك، وعندما كان غلغامش ذاهبا في المساء إلى معبد (عشارا) إلاهة الحب، إعترض إنكيدو طريقه، ثم سدّ الباب بقدمه، فمنعه من الدخول، فتقابضا وتصارعا كثورين، وحطّما ركن الباب، واهتزَّ الجدار. وعندما أحنى غلغامش ركبته إلى الأرض هدأ غضبه، فاستدار عن إنكيدو. وخاطبه هذا عندئذ، مادحا إياه، معترفاً بسلطته. فتعانقا وأصبحا صديقين حميمين.
لقد غدت صداقة غلغامش وإنكيدو مثالاً للصداقة ومسؤولياتها في العهد القديم. ومهمة كلا الصديقين هي أن ينقذ أحدهما الآخر حين تعرّضه للخطر.
غلغامش وأرض الأحياء
يقول الحوراني: ان القصة التأمّلية التي وضع فيها الحكيم البابلي خلاصة نظريته في قيمة الحياة هي قصّة رحلة غلغامش إلى أرض الأحياء، من أجل تخليد اسمه فيها، ما دام الخلود الفعلي غير ميسور للإنسان على الأرض، فغلغامش، البطل المؤلَّه يعرض وضعه وقلقه على صديقه إنكيدو فيقول:
"آه يا إنكيدو، لم يأتِ الآجرّ والطوابع بالنهاية المطلوبة.
إني أريد دخول (الأرض)، أريد أن أقيم اسمي.
في أماكنها، حيث ارتفعت الأسماء، أريد أن أرفع اسمي.
وحيث لم ترتفع الأسماء، سأ{فع أسماء الآلهة".
ويجيبه إنكيدو:
"إذا كنت يا سيّدي تريد دخول الأرض) أخبر (أوتو) (الإله الشمس).
أخبر (أوتو) البطل أوتو.
الأرض هي بمسؤولية أوتو.
أرض قطع الأرز هي بمسؤولية أوتو البطل – أخبر أوتو".
وإذا تأمّلنا عميقا في القصص المنسوبة لغلغامش ومغامراته نجدها جميعا تنطلق من هذا الدافع الإنساني، أي من رفض الرتابة والالتزام بالمألوف لدى الناس، والبحث عن الجديد. وهكذا تكون هذه القصص المعبِّر الصادق عن الحضارة التي تداولت نصوصها. كما كانت طريقة عرض هذا الدافع الخالد لدى الإنسان رائعة خلال قصص البطولة المفضّلة، التي نشرت الملاحم البابلية بين الشعوب المختلفة، وجعلتها متميّزة بمنحاها الإنساني العام، دون الالتزام بقوميَّة معيّنة أو بحدود جغرافية ضيّقة.
إنها عملية بحث عن معنى للحياة. والمغامرة في هذا السبيل ليست مغامرة مستقلّة وإنما نهج تفكير وعقيدة سلوك. ويكشف كاتب قصص غلغامش الحكيم على هذا النهج على لسان إنكيدو، وهو على فراش النزع، حيث يقول: "يا صديقي... قد أصابني بلعنة، أموت، ليس كإنسان سقط في معركة، لأني كنت أخشى المعركة، يا صديقي، إن الذي يموت في معركة يكون مباركاً، أما أنا فلا".
ملحمة التكوين
تعتبر ملحمة التكوين البابليّة أهمّ نصّ يعبّر عن ذهنية الحضارة وثقافة أبنائها. فهذا النصّ كان يعتبر نصّا مقدّساً، يتلى كل سنة مرة، في احتفال عام يقام بمناسبة عيد رأس السنة. والغاية من تلاوته كانت لتذكير الناس بما هم عليه من عقائد في الوجود والعدم، وما يعترضهم من مصاعب ومواجهات مع قوى معادية في أيامهم المقبلة. وكان يتلى في اليوم الرابع من العيد.
لقد كانت ثقافة تجديد للآمال والتطلعات والمعلومات عن الغوامض الكونية التي تحيط بهم، إلى جانب كونها تفسيراً للعقيدة بالإله الواحد، السيّد المطلق، برغم تعدّ الأسماء والوظائف له. هذا الإله هو (ماردوخ) سيد بابل. وما يثبت جدارته بهذا المركز هو تغلّبه على (طامة) الإلاهة المتمرّدة، التي نشرت الفوضى، وأرعبت مجموعة الآلهة المنظمة للكون.
الأسم الأكّادي للملحمة يعني: لما في الأعالي (إنوما عليش). ويرى (ستيفن لانغدن) -عالم الآثار والآشوريات- أنها اقتبست من نص سومري أقدم، بينما الأناشيد الخاصة بالإله البابلي (ماردوخ) أضيفت إليها فيما بعد، وقد كانت مستقلة.
ويرجّح دارسوا هذه الملحمة أن النص الأكّادي منها يعود لأوائل الألف الثاني قبل الميلاد. وهي كمعظم الملاحم البابلية ذات غاية توجيهيّة تشدد على الصراع بين النظام والفوضى، بين القوى الكونية الممثَّلة بالآلهة حافظي النظام ومدبِّريه، وبين المتمرّدين على النظام وناشري الخلل.
ان الحكمة -كما يورد الحوراني- تبرز في مجمل نص التكوين البابليّ خلال الشمولية الفكريّة والمرونة التي اتّصف بها في تركيزه على التوحيد للإله ماردوخ الذي لا يعني اسمه بالذات غير التجديد. والاجتهادات اللاهوتيّة الواردة فيه إنما هي تعبير عن السلطة الثقافية التي غدت لمدينة بابل، والطرائق التي اتّبعها حكماؤها لتسويغ علو شأنها وتقدّمها على المدن الأخرى، في أرض سومر وأكّاد. وأبرز هذه الاجتهادات هو في تخيُّل الطريقة الحكيمة، التي انتصر بها إلهها على طامة، أي على الفوضى التي كانت تغمر الأرض وتنشر الكوارث والخروج على النظام المألوف.
ثمّ يأتي اجتهاد التخويل الذي تلقّاه ماردوخ من الآلهة مجتمعين، هذا هذا التخويل الذي يعطيه حقّ قيادتهم وتنظيم شؤونهم. وهذا ما يجعله بعيداً عن التجبُّر والاغتصاب والاستئثار بالسلطة. وفيه إشارة واضحة إلى سبق في مفهوم الديمقراطية التي يدعو لها حكماء الإنسانية، منذ حضارة بابل.
قصّة الطوفان
أمّا قصّة الطوفان فهي، على الأرجح تسجيل واقعي لحادثة فيضان جامح تعرّضت لها أرض الرافدين نتيجة طوفان نهرَي دجلة والفرات معاً. وقد ذكرت النصوص التاريخية مرارا الخراب الذي كانت تتركه تلك الفيضانات المرعبة. كما كشفت نبشيّات الآثار عدداً منها أبرزها، اثنان تمّت ملاحظة آثارهما، وقد خلّفا طبقة من الطمي، تتفق مع الأهمّية التي أعطاها السومريّون لأحدهما، حين اعتبره فاصلاً تاريخيّاً يؤرّخون وقائعهم به، بما قبله وما بعده، ويذكرون أسماء ملوك ما قبل الطوفان وما بعده.
فقد ظهرت آثار طوفان كبير في نبشيات مدينتي كيش وأور، وهو يعود لأعوام أربعة آلاف قبل الميلاد. وهذا ما رجّحه الباحثون أنه الفاصل التاريخي لدى السومريّين. كما فوق هذا الطوفان بتسع عشرة قدماً من الركام، وجدت آثار طوفان أخر، يعود للقرن الثالث والثلاثين قبل الميلاد.
وما نراه في سرد قصة الطوفان بين قصص غلغامش هو كونها ذكرى هامة تتفق خطوطها وغاياتها مع خطوط هذه القصص، حيث هي تبرز دور الحكمة الإنسانية في إنقاذ الإنسان الحكيم من جموح الطبيعة وكوارثها، وتشّد على الغاية النهائية لكل حكمة، ألا وهي الخلود وقهر الموت بشكل من الأشكال.
هكذا هي قصة الطوفان. والوصف الحي، الذي يرقى إلى مستوى أرقى الآداب لحالة الذعر التي أثارها الحادث، ليس سوى وصف مشاهد مرهف الحس لما يحدث من كوارث طبيعية.
يقول الحوراني: العبرة والحكمية من القصة هي أن الرجل الحكيم أوتنابشتم أدرك بحكمته ما سيحدث في حالة فيضان عارم، فاستحقّ الخلود مكافأة له، تمشّياً مع القيمة التي كانت تمنحها مجتمعات أرض الرافدين للحكمة، حيث ترى أنها طريق الخلود الإنساني.
والخلود هنا لم يكن للشخص، كما رأينا، بل باستمرار النسل ومباركة الإله له، بعد عودته عن غضبه. فالانتقال إلى أرض فم الأنهار يعني الانتقال إلى أرض لا تغمرها الفيضانات، كما هي حالة أرض العراق.
وهكذا تكون قصة انتقال غلغامش في البحر لمقابلة أوتنابشتم ليست سوى اجتهاد أدبي لربط رواية الطوفان بفكرة نبتة الخلود وتجدّد الشباب.
والعبرة الأخلاقية لهذه القصة هي أن ما يحدث من كوارث طبيعية إنما هو عقاب للناس على الشرور التي ارتكبوها، سواء نحو بعضهم بعضاً أم نحو الآلهة أنفسهم. وهكذا تكون فكرة العقاب الإلهي والثواب فكرة ضابطة لسلوك الناس يعالجها الحكماء ويتّخذون منها رابطة جماليّة، تتردّد القصص بموجبها على ألسنة الناس، فتبقى حيّة محميّة من النسيان.
الفنون التشكيلية
وحول الفنون التشكيلية في وادي الرافدين، يؤكد الحوراني أن هواجس الإنسان الحضاري القديم هي ذاتها هواجس الإنسان في كل زمان ومكان. ولهذا ما وصلنا عنه من آداب ليس بعيداً عن همومنا وتطلّعاتنا.
وإن تكن حكمة أرض الرافدين وعقائد شعوبها وصلتنا، خلاصة نصوص أدبيّة وقصصيّة هي لها إطار جمالي ذو جاذب للتأمّل والاطّلاع والحفظ والسرد للموعظة والاعتبار، فإن جماليّات الفنون التشكيليةّ ذاتها، من نحت وتصوير كان بدورها تعتمد على الحكمة والقدرة على ربط الرموز بالعقائد والأفكار لجعلها واضحة قابلة للإدراك.
لقد كان الفنان الذي عالج المفاهيم العقائدية في العراق القديم حكيما بالدرجة الأولى، ثم فناناً ذا مهارة في الرسم أو صنع الأشكال المعبِّرة عن أفكاره. فهو كان يحسّ بالكون كقوة حيَّة تحيط به وتعمل دائبة خلال عناصر الطبيعة حوله وفق مسؤوليات ووظائف محدَّدة لها. وقد حاول تصنيف وظائف وظاهر هذه القوّة لفهم أنظمة عملها، مفترضاً وجود محرِّك مختص يكمن خلف كل مجموعة منها، تكون متآلفة أو ذات صفة مشتركة. وقد أطلق على هذا الحرِّك المختص صفة الألوهة معتبراً هذه الصفة وظيفة من وظائف الطبيعة.
إنعكس هذا المفهوم اللاهوتي لديه على فنونه التشكيلية فامتزج الحس الجمالي بالمشاعر الدينية ثم بالنباهة الحكمية. وغدا همّ الفنان البحث عن طريقة فكرية يوضح بها العلائق بين الأشياء والمشاعر نحو القوى الغيبية التي تحكم سلوك أشيائه ومرموزاتها. وبذلك غدا إلماعة إلى علاقة الإنسان ومفاهيمه بما يقدّم له في تشكيلاته الفنّية حقلاً جماليا يثير النشوة لدى المشاهد بإدراك المغزى أكثر مما يفعل بإدهاش البصر أو إثارة الإعجاب بالانسجام.
الأمثال والحكم والنصائح
في رأي لعالم السومريّات صمويل كريمر، بعد دراسته المتعمّقة للقصص الميثولوجية التي توفَّرت له في الأربعينات من القرن العشرين، يقول: "هناك سبب وجيه للاعتقاد، بالنسبة للمعطيات المختلفة الأزمنة، بأن هناك منطقاً جيداً كان خلفها، وليست مجرّدعبث ترفيهي".
وهذا الرأي ذاته، حسب الحوراني يكمن خلف جميع المرويات والنصوص البابلية، على اختلاف الشعوب التي شاركت فيها، إذ هي جميعا تقوم على أساس الثقافة السومرية التي لم يبرز أي موقف عدائي تجاهها لدى أي شعب من الشعوب، سواء تلك التي نشأت حضارتها وقوتها في أرض العراق أم تلك التي احتلّت البلاد بالقوة، كالكاشيين والفرس في العهد القديم.
وأبرز مثال على المنطق الإنساني العملي الذي ينظّم النصوص التي وصلتنا نجده في الأمثال الدارجة والحكم التوجيهيّة التي تتضمّنها أقوال قصيرة عابرة. ومع غياب جمالية الجناس اللفظي لهذه الأمثال، وهو شرط أساسي لتناقلها فإننا لا زلنا نجد في جمالية مدلولها ما يكفي لبقائها حيّة ومفيدة.
ويبدو أن هذه الأمثال كانت ذات شأن في الأدب السومريّ، إذ وجدت منها مجموعات متنوّعة تحتوي على أكثر من ألف مثل، مسجلة على ألواح منم الطين المشوي، كان الطلاب السومريّون يتدرّبون على كتابة بعضها. وهي تعالج مواضيع مختلفة ومشاكل يومية تعترض الإنسان. لبعضها هنا نكتشق سلوك الذهنية السومريّة ااتي قامت عليها الحضارة البابليّة فيما بعد.
" – وسأحفظ أمتعتي جديدة، وسنستعمل أمتعتكم. (وهكذا هي المشاركة في المنزل).
- لم تقل لي ماذا وجدت، لكنك تقول لي ماذا أضعت.
- الممتلكات هي كالسنونو لا تجد مكانا تحطّ فيه.
- لا تلتقطها (النواة) فهي غدا ستحمل ثمرا.
- الذي يأكل حتى التخمة يحرم من النوم".
ليس في هذه المثال والحكم ما يحصرها في بيئة معيّنة، إذ هي تجارب عامة لمجتمع مستقرّ، متوازن، متضامن اجتماعيا وعائلياً. وفيها من عمق التجربة ما لا يتجاوزه الزمن، ومن الجمالية ما يرقى إلى مستوى التورية الشعرية، مثل "اختيار الابن باختيار الزوجة"، أو "القطة والنسم"، حيث ظهور القطة ينبىء عنها، بينما أحافير النمس تشير إلى وجوده، وأمثالها.
خلاصة
يعتبر الحوراني، أن الآداب البابلية كانت أولى الآداب العالمية المنحى، التي لقيت التقدير والاحترام في المجتمعات واللغات التي وصلتها. وإثبات ذلك يأتينا من النصوص الأدبية التي تمّ اكتشافها، والي تعود إلى التراث البابلي السومري في أصلها. فقد لاحظ أحد الباحثين الكبار في تراث هذه الحضارة أن النصوص الهامّة، التي ظهرت حتى الآن، تم العثور على نسخاتها خارج أرض الرافدين. فملحمة الطائر (زو) وملحمة (إيتانا) وجدتا في نبشات (سوسا) في إيران. وقصّة الحكيم (آدابا) وقصّة (نرغال وإرشكيغال) وجدت في (تل العمارن) في مصر، وملحمة (غلغامس) وجدت ترجمات لها إلى الحثّية والحوريّة في (بوغازكو) في الأراضي التركية.
ولا يبدو أن الشعوب التي كانت تحتفظ بنسخ من هذه الآداب كانت تعتبرها غريبة عنها بل، هي كانت تتعامل معها كتراث إنساني عام، فيه من الجمال والشمولية والحيوية ما يجعله صالحا لكل الناس، وفي كل العصور، تماما كصلاح التراث الفلسفي الإغريقي، أو التراث العلمي الأوروبي، الذين تتعامل بهما الحضارة الحديثة.
لقد توقّفت ملاحم الشعوب القديمة عند الحدود القوميّة أو اللغويّة، ولذلك سقطت من التداول الإنساني العام، لما فيها من عصبيّة، بينما بقيت قصص أرض الرافدين واسعة الانتشار بين الشعوب المجاورة، حتى بعد أن تراجعت الشعوب المبدعة، لهذه القصص عن الصدارة الحضارية . وكان ذلك بفضل جمالية العرض للحكمة، التي تبرز خلال هذه القصص، من حيث الشكل، وبفضل القيمة المعنوية الذاتية، التي تحملها المعالجات الفكرية الحكيمة، والحلول العملية الأخلاقية لقضايا معقّدة، من حيث المضمون، قضايا هي هواجس ومشاغل ذهنية لكل الناس في كل العصور.