يتعلَّق الأمرُ بدستور 2011 الذي تمَّ عرضُه على الشعب المغربي بواسطة استفتاءٍ un référendum نظَّمته الدولة المغربية يوم فاتح يونيو 2011 بعد تفسير بنوده المائة والثمانين والموزَّعة على 14 باباً. والشعب المغربي كان مطالباً بقبول محتوى هذه البنود، بعد إطِّلاعه على مضمونها، أو رفضها. بمعنى أنه كان مطالَباً بقول نعم إذا كان موافِقا على مضامين البنود أو قول لا إذا كان رافضاً لهذه المضامين أو البعض منها. فكانت نتيجة الاستفتاء هي حصولُ "نعم" على نسبة عالية من أصوات الشعب المغربي، بلغت 98,5%. وهذا شيءٌ كان منتظراً نظرا للمستجدات السياسية، الاجتماعية والثقافية التي أُدْخِلَتْ عليه. وهذه المستجدات جاءت بعد ما سُمِّيَ آنذاك ب"الربيع العربي" الذي أبان فيه ملِك البلاد عن حكمةٍ وبُعدِ نظر قلما نجدهما في رؤساء الدول، وخصوصا، الدول العربية.
وأهمُّ مستجدات دستور 2011، بالمُقارنة مع دستور 1996، تتمثَّل في التغييرات الآتية :
1.إحداث رئاسةٍ للحكومة عوض الوزارة الأولى. والفرق بينهما، من الناحية السياسية، شاسِع. رئيس الحكومة صلاحياتُه واسعة بينما الوزير الأول كانت صلاحياتُه محدودة، وبصفة عامة، كان يعمل تحت إمرة ملك البلاد. وبالطبع، عندما أقول إن "صلاحيات رئيس الحكومة واسعة"، فهذا يعني أن الحزبَ السياسي أو الأحزاب السياسية التي ستُسنَد لها أمور تدبير الشأن العام، صلاحياتُها واسعة في هذا التدبير السياسي، الاجتماعي والاقتصادي.
2.الاعتراف باللغة الأمازيغية، كلغة رسمية للبلاد إلى جانب اللغة العربية. وهذا الاعتراف له دلالة قوية من الناحية التاريخية، إذ يُعتَبَر اعترافٌ بالثقافة الأمازيغية، وهي الثقافة التي كانت سائدة في البلاد منذ عدة قرون، أي قبل مجيء العرب، كغُزاة وليس كفاتحين. وقد كرس هذا الاعترافَ خطابُ أجدير الذي ألقاه الملك محمد السادس يوم 17 أكتوبر 2001 بمنطقة أجدير. وهذا الخطاب هو الذي أكَّد أن الأمازيغية "مكون أساسي للهوية المغربية المتعددة الروافد". وهي "مِلكٌ لجميع المغاربة بدون استثناء". وهذا الخطاب هو الذي أدى إلى إنشاء "المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية" l'IRCAM الذي أسنِدت له مهام النهوض باللغة والثقافة الأمازيغية.
3.اعتبار الاتفاقيات الدولية، بعد نشرها في الجريدة الرسمية، ذات سيادة، أي تسمو على التشريعات الوطنية. وهذا يعني أن المغرب مُتفتِّحٌ على ما يجري من تغييرات حُقوقية في محيطِه القريب والبعيد. كما يعني أن المغربَ ملتزمٌ بالتطوُّر الكوني، الحاصل في مختلف المجالات الحقوقية.
4.استقلال السلطة القضائية، أي تمَّ التنصِيص، بوضوحٍ، في الدستور المغربي على أن هذه السلطة مستقلة عن السلطتين التشريعية والتَّتفيذية. وقد أسفر هذا الاستقلال عن إنشاء "المجلس الأعلى للسلطة القضائية" بالرئاسة الملكية. لكن ما هو ملموسٌ في الواقع اليومي للبلاد، هو أن الحكومة الحالية (السلطة التنفيذية)، يبدو أنها لا تحترِم هذا التنصيص، وذلك من خلال خروقات، أهمها حرية الصحافة.
5.ضرورة تبنِّي مبدأ "الحكامة الجيدة" la bonne gouvernance في تدبير الشأن العام. بمعنى أن هذه الحكامة الجيدة أسفرت عن إنشاء مجالس وهيئات، كل منها له اختصارات معينة مرتبطة بهذا التدبير. ومن بين هذه المجالس والهيئات، المرتبطة بتدبير الشأن العام، أذكر "المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي" ومؤسسة الوسيط، ومجلس المنافسة، والهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة. وأهم ما جاء به دستور 2011، ربط "المسؤولية بالمُحاسبة". غير أن الحكومة الحالية ضربت عرضَ الحائط كل هذه المُقتَضيات الدستورية وتصرَّفت في تدبير الشأن العام، كما تُمليه عليها مصالِحُها الاقتصادية، علما أن بعضَ وزرائها، بما فيهم رئيس الحكومة، ينتمون لعالم الأعمال والمُقبولات.
وهكذا، فإن مستجدات دستور 2011 مُتعدِّدة، أذكر من بينها المساواة بين الرجل والمرأة l'égalité entre hommes et femmes في جميع الحقوق، والجهوية المُتقدِّمة la régionalisation avancée، والحق في الوصول إلى المعلومة le droit à l'information، وتقوية دولة الحق والقانون le renforcement de l'État de droit، وفصل السلط la séparation des pouvoirs، وإعطاء أهمية للديمقراطية التَّشاركية la démocratie participative…
وبصفة إجمالية، دستور 2011، رغم الثغرات التي وقف عليها الاختِصاصيون في القانون الدستوري، يُعَدُّ خطوة هامة نحو ترسيخ الديمقراطية ببلادِنا. السؤال الذي يفرِض نفسَه علينا، هنا، هو الآتي : "فهل مشهدُنا السياسي تماهى ويتماهى مع هذه الخطوة غير المسبوقة في ترسيخ الديمقراطية ببلادِنا؟
بكل أسف، الجواب على هذا السؤال، هو نفيُ هذا التماهي! لماذا؟ لأن جُلَّ أحزابِنا السياسية مزدَوجة العقليات. هناك العقليات الإيديولوجية les mentalités idéologiques التي، تتكلم من أجل الكلام وسحرِ عقول الناس بالوعود الكاذبة. وإذا استمعتَ إلى خطابها، تظن أنها تملك مفاتيحَ الجنة الأرضية le paradis terrestre، وتستطيع أن تفتح أبوابَها لك في كل لحظةٍ وحين. وفي نفس الحزب، سرعان ما تتحوَّل العقليات الإيديولوجية إلى عقليات واقعية des mentalités pratiques التي تصنع واقعاً يتلاءم مع أهوائها وتصُول وتجول فيه كما تريد.
والدليل على ذلك أن هذا النوع من الأحزاب السياسية، المزدوِجة العقليات، عندما تستمع لخطابٍ ملكي، تصفَّق له وتعتبِره خارطةَ طريق لسياسة البلاد. وبمجرَّد ما ينتهي الإشادة والتصفيق، تعود هذه الأحزاب إلى عقلياتِها الواقعية لِتَعِثَ في الأرض فساداً.
أقل ما تُنْعَتُ به هذه الأحزاب السياسية أنها منافقة، علماً أن النفاق يتنافى مع دستور 2011 الذي رسم الطريقَ نحو ترسيخ الديمقراطية ببلادِنا. ونحن البشر، ما نعرفه عن النفاق، هو أنه سلوكُ بشري فردي يتمثَّل في ازدِواجية العقلية، أي أن الشخصَ المنافقَ يُظهِر سلوكاً مُغايرا للأفكار التي يُضمِرها. وإذا انقلبَ هذا السلوك إلى التملُّق والمدح والكذب، فتلك هي قمة النفاق.
فإذا أصبح النفاقُ (التَّملُّق والمدح والكذب) شعاراً من شعارات الأحزاب السياسية أو مبدأً من مبادئها، إضافةً إلى التسابق الجاف نحو كراسي السلطة، فهل تستحق هذه الأحزاب السياسية دستورَ 2011؟ أترك لكم الجواب!
وأهمُّ مستجدات دستور 2011، بالمُقارنة مع دستور 1996، تتمثَّل في التغييرات الآتية :
1.إحداث رئاسةٍ للحكومة عوض الوزارة الأولى. والفرق بينهما، من الناحية السياسية، شاسِع. رئيس الحكومة صلاحياتُه واسعة بينما الوزير الأول كانت صلاحياتُه محدودة، وبصفة عامة، كان يعمل تحت إمرة ملك البلاد. وبالطبع، عندما أقول إن "صلاحيات رئيس الحكومة واسعة"، فهذا يعني أن الحزبَ السياسي أو الأحزاب السياسية التي ستُسنَد لها أمور تدبير الشأن العام، صلاحياتُها واسعة في هذا التدبير السياسي، الاجتماعي والاقتصادي.
2.الاعتراف باللغة الأمازيغية، كلغة رسمية للبلاد إلى جانب اللغة العربية. وهذا الاعتراف له دلالة قوية من الناحية التاريخية، إذ يُعتَبَر اعترافٌ بالثقافة الأمازيغية، وهي الثقافة التي كانت سائدة في البلاد منذ عدة قرون، أي قبل مجيء العرب، كغُزاة وليس كفاتحين. وقد كرس هذا الاعترافَ خطابُ أجدير الذي ألقاه الملك محمد السادس يوم 17 أكتوبر 2001 بمنطقة أجدير. وهذا الخطاب هو الذي أكَّد أن الأمازيغية "مكون أساسي للهوية المغربية المتعددة الروافد". وهي "مِلكٌ لجميع المغاربة بدون استثناء". وهذا الخطاب هو الذي أدى إلى إنشاء "المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية" l'IRCAM الذي أسنِدت له مهام النهوض باللغة والثقافة الأمازيغية.
3.اعتبار الاتفاقيات الدولية، بعد نشرها في الجريدة الرسمية، ذات سيادة، أي تسمو على التشريعات الوطنية. وهذا يعني أن المغرب مُتفتِّحٌ على ما يجري من تغييرات حُقوقية في محيطِه القريب والبعيد. كما يعني أن المغربَ ملتزمٌ بالتطوُّر الكوني، الحاصل في مختلف المجالات الحقوقية.
4.استقلال السلطة القضائية، أي تمَّ التنصِيص، بوضوحٍ، في الدستور المغربي على أن هذه السلطة مستقلة عن السلطتين التشريعية والتَّتفيذية. وقد أسفر هذا الاستقلال عن إنشاء "المجلس الأعلى للسلطة القضائية" بالرئاسة الملكية. لكن ما هو ملموسٌ في الواقع اليومي للبلاد، هو أن الحكومة الحالية (السلطة التنفيذية)، يبدو أنها لا تحترِم هذا التنصيص، وذلك من خلال خروقات، أهمها حرية الصحافة.
5.ضرورة تبنِّي مبدأ "الحكامة الجيدة" la bonne gouvernance في تدبير الشأن العام. بمعنى أن هذه الحكامة الجيدة أسفرت عن إنشاء مجالس وهيئات، كل منها له اختصارات معينة مرتبطة بهذا التدبير. ومن بين هذه المجالس والهيئات، المرتبطة بتدبير الشأن العام، أذكر "المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي" ومؤسسة الوسيط، ومجلس المنافسة، والهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة. وأهم ما جاء به دستور 2011، ربط "المسؤولية بالمُحاسبة". غير أن الحكومة الحالية ضربت عرضَ الحائط كل هذه المُقتَضيات الدستورية وتصرَّفت في تدبير الشأن العام، كما تُمليه عليها مصالِحُها الاقتصادية، علما أن بعضَ وزرائها، بما فيهم رئيس الحكومة، ينتمون لعالم الأعمال والمُقبولات.
وهكذا، فإن مستجدات دستور 2011 مُتعدِّدة، أذكر من بينها المساواة بين الرجل والمرأة l'égalité entre hommes et femmes في جميع الحقوق، والجهوية المُتقدِّمة la régionalisation avancée، والحق في الوصول إلى المعلومة le droit à l'information، وتقوية دولة الحق والقانون le renforcement de l'État de droit، وفصل السلط la séparation des pouvoirs، وإعطاء أهمية للديمقراطية التَّشاركية la démocratie participative…
وبصفة إجمالية، دستور 2011، رغم الثغرات التي وقف عليها الاختِصاصيون في القانون الدستوري، يُعَدُّ خطوة هامة نحو ترسيخ الديمقراطية ببلادِنا. السؤال الذي يفرِض نفسَه علينا، هنا، هو الآتي : "فهل مشهدُنا السياسي تماهى ويتماهى مع هذه الخطوة غير المسبوقة في ترسيخ الديمقراطية ببلادِنا؟
بكل أسف، الجواب على هذا السؤال، هو نفيُ هذا التماهي! لماذا؟ لأن جُلَّ أحزابِنا السياسية مزدَوجة العقليات. هناك العقليات الإيديولوجية les mentalités idéologiques التي، تتكلم من أجل الكلام وسحرِ عقول الناس بالوعود الكاذبة. وإذا استمعتَ إلى خطابها، تظن أنها تملك مفاتيحَ الجنة الأرضية le paradis terrestre، وتستطيع أن تفتح أبوابَها لك في كل لحظةٍ وحين. وفي نفس الحزب، سرعان ما تتحوَّل العقليات الإيديولوجية إلى عقليات واقعية des mentalités pratiques التي تصنع واقعاً يتلاءم مع أهوائها وتصُول وتجول فيه كما تريد.
والدليل على ذلك أن هذا النوع من الأحزاب السياسية، المزدوِجة العقليات، عندما تستمع لخطابٍ ملكي، تصفَّق له وتعتبِره خارطةَ طريق لسياسة البلاد. وبمجرَّد ما ينتهي الإشادة والتصفيق، تعود هذه الأحزاب إلى عقلياتِها الواقعية لِتَعِثَ في الأرض فساداً.
أقل ما تُنْعَتُ به هذه الأحزاب السياسية أنها منافقة، علماً أن النفاق يتنافى مع دستور 2011 الذي رسم الطريقَ نحو ترسيخ الديمقراطية ببلادِنا. ونحن البشر، ما نعرفه عن النفاق، هو أنه سلوكُ بشري فردي يتمثَّل في ازدِواجية العقلية، أي أن الشخصَ المنافقَ يُظهِر سلوكاً مُغايرا للأفكار التي يُضمِرها. وإذا انقلبَ هذا السلوك إلى التملُّق والمدح والكذب، فتلك هي قمة النفاق.
فإذا أصبح النفاقُ (التَّملُّق والمدح والكذب) شعاراً من شعارات الأحزاب السياسية أو مبدأً من مبادئها، إضافةً إلى التسابق الجاف نحو كراسي السلطة، فهل تستحق هذه الأحزاب السياسية دستورَ 2011؟ أترك لكم الجواب!