هدى حجاجي أحمد - حين نتأمل نص "رماد في حضرة الورد"

نجد أنفسنا أمام حالة من التفكيك المتعمد للذات الإنسانية في مواجهة سطوة الجمال، حيث يتجاوز النص كونه مجرد بوح وجداني ليصبح محاولة لفهم "الفناء الإرادي". تبدأ الكاتبة ببناء معمارية نصية تعتمد على الحركية العالية، فالورد الذي يولد على الشفتين يستحيل ناراً، والضوء يجلس ليتعلم معنى الاشتعال، وكأن الكاتبة تخلق صخباً بصرياً في البداية لتبرر به حالة التلاشي اللاحقة. هذا الانتقال الدرامي من ضجيج الاحتراق إلى سكون الرماد يمنح النص ثقلاً فلسفياً؛ فالمسألة هنا ليست مجرد غرق في العاطفة، بل هي "صيرورة" تبدأ بالدهشة وتنتهي بالتحول الكامل إلى مادة أخرى لا تقبل الاحتراق مجدداً.
لقد نجحت هدى حجاجي في إعادة رسم صورة "الآخر" لا كملامح بشرية عابرة، بل كجغرافيا بديلة للعالم؛ فالمرأة في النص هي الفصول وهي الجهات التي تسقط أمامها خرائط العقل القديمة. وحين يعترف الكاتب بضياع شماله وجنوبه، فهو لا يعلن تيهه بقدر ما يعلن سقوط مرجعياته المنطقية أمام حضورٍ كوني، وهنا تكمن المفارقة: أن الضياع في حضرة هذا الجمال هو الوصول الحقيقي. ورغم أن النص يتكئ على صور قد تبدو كلاسيكية في الأدب العربي، مثل "احتراق العاشق" و"ضياع البوصلة"، إلا أن الذكاء هنا يكمن في اختيار مفردة "الرماد" لتكون الخاتمة؛ فالرماد هو الحالة التي تلي الصراع، هو النقاء الذي يتبقى بعد أن تأكل النار كل ما هو زائف.
إنني أتساءل وأنا أعيد قراءة هذه السطور: هل السعادة تكمن في النجاة أم في اختيار "المكان الصحيح" للاحتراق؟ يبدو أن النص ينتصر للفعل ذاته، فالبطل لا يدعي البطولة أو الندم، بل يمارس اعترافاً إنسانياً شفافاً بضعفه. ربما كان النص ليصبح أكثر حدة لو كُسرت رومانسيته ببعض المفردات الخشنة التي تعكس صراع الجسد مع النار، لكن الانسيابية اللغوية جعلت من العمل وثيقة إنسانية هادئة، تعبر عن تلك اللحظة النادرة التي يقرر فيها الإنسان أن يتخلى عن دروعه العقلية، ويقبل بأن يكون مجرد ذرة خفيفة تطفو في هواء تجربة لا يرجو منها خلاصاً.
بقلم الكاتب والناقد ماجد القيسي


نص الكانبة ھدى حجاجي
رماد في حضرة الورد
على شفتيها يولد الورد، ثم يتحول فجأة إلى نار.
يتهيأ للهواء أن يتعلم من اسمها كيف يتهجّى الشغف، وكيف يمرّ خفيفًا فوق الأشياء قبل أن يشعلها.
كانت، في حضوري، تشبه بداية الفصول ونهايتها معًا؛ كأن الضوء ذاته قد جلس يومًا عند عينيها ليتعلم منها معنى الاشتعال.
كنت أراقبها بصمت، كمن يكتشف أن الجمال قد يتحول إلى قدر.
وكنت أدرك في أعماقي أن الوقوف قربها ليس نجاة، بل بداية احتراق بطيء… احتراق لا يقاومه القلب بل يسلّم له.
وأنا…
كنت أتلاشى في حضرة هذا الجمال، كأنني رماد اختار مصيره بإرادته.
لم أحاول أن أنقذ نفسي، ولم أبحث عن طريق للهرب.
كل ما فعلته أنني سلّمت روحي لدفء تلك النظرة الأولى…
النظرة التي اكتشفتني دون أن تعرف أنها فعلت.
في عينيها كانت خرائط القلب تتبدل.
الطرق التي حفظتها طويلًا صارت بلا معنى،
فلا شمال يبقيني متزنًا،
ولا جنوب يعيدني إلى أرضي.
كل الاتجاهات كانت تضيع كلما اقتربتُ منها،
وكأن القلب حين يحب حقًا يفقد بوصلته القديمة.
وحين اقتربت أكثر…
فهمت الحقيقة التي يخشاها العاشقون:
أن النجاة ليست ممكنة دائمًا،
وأن الحب حين يتجسد في هيئة امرأة مثلها
لا يكون وعدًا بالسلام،
بل تجربة كاملة للاحتراق الجميل.
وعندها فقط أدركت أنني صرت شيئًا آخر…
لم أعد الرجل الذي كان قبلها،
بل رمادًا خفيفًا يطفو في هواء العشق.
لكنني، رغم ذلك، لم أندم.
كنت رمادًا… نعم.
لكنني سعيد لأنني احترقت في المكان الصحيح.

هدى حجاجي أحمد

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...