علجية عيش.. مؤسسة آفاق للدراسات و التدريب الجدلية التاريخية: كيف نقرأ التاريخ و الواقع؟

حين تهيمن الفرنكفونية على لغة الضاد في المؤسسات الفكرية

هي مجالس فكرية لتقريب الطلبة الجامعيين من الباحثين و إشراكهم في مناقشة قضايا العصر الفكرية و التاريخية في ظل تنوع الأفكار و تعددها أمام الصراع بين الجديد و القديم و الواقع الذي تعيشه الأمم و الشعوب، المبادرة هي لمؤسسة آفاق للدراسات و التدريب الجزائر، حسب رئيسها هي عمل تشاركي و ليس نشاطا عابرا، بل خطوة أولى نحو عمل مشترك يجمع بين التأصيل الفكري و روح المبادرة و تعميق ينظر في قضايا الإنسان، و هي بذلك ليست ترفا فكريا بل ضرورة فكرية لخدمة الشباب في فهم حاضرهم و استشراف مستقبلهم، وقد جاءت هذه الجلسة الحوارية من خلال المحاضرة التي قدمها الأستاذ محمد بوحميدي بعنوان: الجدلية التاريخية.. كيف نقرأ التاريخ و الواقع؟

كانت محاضرة الأستاذ محمد بوحميدي عبارة عن سرديات لتاريخ الجزائر و أحداث وقعت في مراحل تطورها و مواقفها السياسية و الدبلوماسية و الأدوار التي قام بها ملوك و زعماء و قادة نوميديين من ماسينيسا و يوغرطة إلى غاية الثورة الجزائرية، فقد رحل الأستاذ محمد بوحميدي بطلبة و باحثين شباب يضعون خطوتهم الأولى في طريق البحث العلمي وعبر مركبة فضائية تاريخية ، نقلهم إلى العمق الجزائري إلى أيام سقوط الإمبراطورية الرومانية في القرن الخامس، حيث لعبت الدولة الجزائرية دورا كبيرا في المقاومة الأمازيغية التي قادها تاكفاريناس ضد الرومان في الجزائر ، في تلك الفترة لم تكن الدولة مؤسسة عكس حرب ماسينيسا و يوغرطة كانت مهيكلة و منظمة، إلى أن توقفت بهم المركبة في ثورة نوفمبر الجزائرية، و قال أن الثنائية الفكرية و الدينية تغير الأفكار و العقول.

الملاحظ أن محمد بوحميدي و هو يتحدث عن التاريخ الاستعماري في الجزائر قدم محاضرته بلغة المستعمر ( اللغة الفرنسية) و هو ما يؤكد أن الفرانكفونية في الجزائر ما تزال تحتل مكانتها و هو ما سمه مالكم بن نبي بالقابلية للإستعمار، لأن الحضور ليسوا أجانب، بل هم ابناء الجزائر بلد العروبة، و كانت المنشطة تترجم للطلبة ما يقوله باللغة العربية، و أمام هذا الموقف التاريخي قد يتساءل أحدهم إن كان الطلبة الجزائريين اليوم و نحن في عصر الرقمنة لا يفهمون اللغة الفرنسية؟ وما يُلفتُ الانتباه أكثر ان المحاضر و هو يحاول غرس الروح الثورية في الشباب و الطلبة صرح أنه لا يجيد التكلم باللغة العربية، للإشارة أن حضور الجزائر في قمم المنظمة الدولية للفرنكوفونية اقتصر على صفة ملاحظ فقط، رغم أن المنزمة تعتبر الجزائر ثالث بلد فرنكوفوني في العالم بعد فرنسا وجمهورية الكونغو الديمقراطية، و ما يزال التساؤل مطروحا: كيف للجزائرالتي تسجل انتشارا واسعا للغة الفرنسية حتى في الإدارة ألا تكون عضوا داخل المنظمة العالمية للفرنكوفونية؟

و بالعودة إلى المحاضرة فمن ماسينيسا و يوغرطة ينتقل محمد بوحميدي إلى المسار النضالي للزعيم مصالي الحاج، يقول محمد بوحميدي أن مصالي الحاج كان ضد الثورة، هي طبعا مغالطات تاريخية أو سياسية إن صح القول خاصة و الحضور كانوا طلبة جامعيين، فمصالي الحاج لم يكن ضد الثورة ، بل كان يدعو إلى تأجيلها فقط ، لأن الوسائل لم تكن موفرة بعد و كذلك الاستعداد لها ، ثم أن مصالي الحاج كان أول من وضع بذور الثورة منذ تأسيس نجم شمال افريقيا ( ENA ( و تعرض للملاحقات و النفي من قبل السلطات الاستعمارية، كما كان من الرافضين لمؤتمر 1936 الإسلامي الذي حضرته جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، لاسيما و المؤتمر كما هو معلوم ترأسه الإندماجي بن جلول الذي قاد التيار الإندماجي خلال فترة الاستعمار وكان من دعاة إلحاق الجزائر بفرنسا، و كان جدول أعمال الملتقى التصويت على مشروع فبوليت و هو ما اثار غضب مالك بن نبي، الذي اعتبرها خطة تكتيكية لإخضاع العلماء المسلمين للمساومات السياسية .

و هذه عبّر عنها مالك بن نبي بالقابلية للاستعمار التي ما تزال كالدم تسري في عروق بعض الجزائريين الذين يسمّون أنفسهم بـ: " النخبة المثقفة"، و الملاحظة الثانية هي أن السؤال الذي طرحه الأستاذ محمد بوحميدي (كيف نقرأ التاريخ و الواقع؟) سؤال قد تتولد منه أسئلة أخرى أشد عُمقا، مثل: كيف نكتب التاريخ؟ و من يكتبه؟ هل المؤرخين وحدهم من يكتبون التاريخ؟ أم يكتبه من صنعوه ؟ فالمؤرخ ناقل للأحداث و موثقها لكي لا تُضَيِّعُهَا رياح التغيير، ثم أنه رغم تعدد الأحداث و اختلافها يبقى التاريخ "ثابتا" ، بحيث لا يمكن محوه بجرة قلم أو بقرار سياسي، أما الواقع يمكن إصلاحه و تغييره، لأن لكل جيل زمانه و خصوصيته، فعالم الأفكار شاسع بل بحر تتلاطم أمواجه و تتقاذف و تضرب بعضها ببعض، و كل موجة تمثل مشروعا إنسانيا.

فتاريخ الجزائر عمره قرون و لا يمكن اختصاره في محاضرة، خاصة إذا تم توظيف مفاهيم قد يجهلها الجيل الحالي و حتى الطلبة مثل اللاهوت، المادية التاريخية و الجدلية و الفلسفة المادية و الفلسفة المثالية ، الماركسية و الهيجلية و انتقال المعارف الفلسفية من الأندلس إلى فرنسا و غيرها من المفاهيم و المصطلحات الفلسفية التي تعبر عن هيمنة الكنيسة على السلطة ، و أفكار أخرى تتعلق بالشخصانية المسيحية و الإسلامية و وضعية الطبقة الشغيلة، كان النظام الرأسمالي يظن أنه حامل لرسالة إيمانويل مونييه، الذي لقب بفيلسوف الأزمنة المضطربة حيث يدعو هذا الفيلسوف الفرنسي إلى ضرورة النظر إلى الإنسان ككل ، ثم الصدام الذي كان بين سارتر و ألبير كامو طيلة الانقسام الفكري ما بعد الحرب، و الذي تحوّل من صداقة إلى قطيعة بسبب كتاب ألبير كامو "الإنسان الثائر" لأن كاموا كان رافضا للعنف المطلق

إن المعركة كانت و ستظل بين الماضي و الحاضر و المستقبل، ( ماض يقيدنا، و حاضر يدفعنا يمينا و شمالا و مستقبل ما زلنا نجهله و لم نخطط له و لم نعمل له حسابا ، كما أن الصراع اليوم هو صراع بين الأنا و الآخر و صراع بين التقليد و التجديد، و بين الحداثة و الأصولية و في هذا و ذاك نتساءل : هل التاريخ هو اجترارُ ما عشناه أو ما قرأنا عنه و هناك اختلاف بين المؤرخين و من صنعوا التاريخ في توثيق الأحداث، فهذا يدعم و يؤيد، و الآخر يطعن و يفند و يُكفّر و ضلت الحقيقة معلقة بين هذا و ذاك ، و السؤال يطرح من جديد، هل الوطن هو كمشة تراب، أم راية ترفرف في الفضاء أو نشيد يتردد على مسامعنا أو هو روح تسكننا و نقف على تناقض المحاضر عندما قال نحن بحاجة إلى تحرير أذهاننا.

علجية عيش

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...