علي سيف الرعيني _|غياب الحراك الدبلوماسي الأوروبي عن المفاوضات الأمريكية–الإيرانية: انكفاء تكتيكي أم تراجع استراتيجي؟

في لحظة إقليمية ودولية شديدة التعقيد، تعود المفاوضات الأمريكية–الإيرانية إلى الواجهة، لكن هذه المرة بملمح لافت: غياب شبه كامل للحضور الأوروبي الفاعل. هذا الغياب يطرح تساؤلات عميقة حول موقع أوروبا في هندسة التوازنات الدولية، ودورها في ملفات طالما كانت جزءًا من هويتها الدبلوماسية، وعلى رأسها الملف النووي الإيراني
لطالما شكّل الأوروبيون، عبر ما عُرف بالترويكا الأوروبية فرنسا، ألمانيا، بريطانيا
ركيزة أساسية في إدارة الحوار مع إيران، خاصة منذ التوصل إلى الاتفاق النووي عام 2015. لكن التحولات التي شهدها النظام الدولي خلال السنوات الأخيرة أعادت ترتيب الأولويات، وأضعفت من قدرة أوروبا على الإمساك بخيوط الوساطة كما في السابق.
أحد أبرز أسباب هذا الغياب يتمثل في الانشغال الأوروبي بأزماته الداخلية والخارجية، بدءًا من تداعيات الحرب في أوكرانيا، مرورًا بأزمات الطاقة والتضخم، وصولًا إلى التحديات السياسية داخل الاتحاد الأوروبي ذاته. هذه الانشغالات دفعت العواصم الأوروبية إلى إعادة توجيه مواردها واهتمامها نحو محيطها المباشر، على حساب ملفات بعيدة جغرافيًا ولكنها لا تقل أهمية استراتيجيًا.
في المقابل، يبدو أن الولايات المتحدة قد اختارت إدارة هذا الملف بشكل أكثر انفرادية، معتمدة على قنوات مباشرة أو غير مباشرة مع طهران، دون الحاجة إلى الوسيط الأوروبي كما كان الحال سابقًا. هذا التحول يعكس رغبة أمريكية في تسريع وتيرة التفاوض، وتفادي التعقيدات التي قد تفرضها التعددية الأطراف.
أما إيران، فهي تدرك جيدًا هذا التحول، وتتعامل معه ببراغماتية واضحة، مستفيدة من تراجع الدور الأوروبي لتعزيز موقعها التفاوضي، وفتح قنوات بديلة مع قوى دولية أخرى كروسيا والصين، مما يعزز من قدرتها على المناورة.
لكن غياب أوروبا لا يعني بالضرورة غياب التأثير. فالاتحاد الأوروبي لا يزال يمتلك أدوات اقتصادية وسياسية مهمة، ويمكنه، في حال قرر العودة إلى الواجهة، أن يلعب دورًا موازنًا بين واشنطن وطهران. غير أن هذا يتطلب إرادة سياسية موحدة، ورؤية استراتيجية تتجاوز الحسابات الضيقة.
في المحصلة، فإن غياب الحراك الدبلوماسي الأوروبي عن المفاوضات الأمريكية–الإيرانية ليس مجرد تفصيل عابر، بل هو مؤشر على تحولات أعمق في بنية النظام الدولي، حيث تتراجع أدوار تقليدية لصالح قوى أكثر حسمًا ومرونة والسؤال الذي يظل مفتوحًا: هل تستعيد أوروبا دورها كوسيط فاعل أم أن زمن الوساطات الأوروبية قد ولى؟

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...