مصطفى معروفي ـ التصوير الهزلي عند ابن الرومي

يبدو أنه ما من هيئة كيف كانت حالها في دقة أجزائها إلا وهي تمتلك عنصر صالحة للتصوير الهزلي.
والتصوير الهزلي هو تحليل شخصية ما إلى عناصرها واستخراج النواحي التي هي فيها مدعاة للضحك أو الاستغراب بعد تصويرها مضخمة أو تصويرها مبالغا فيها.
وقد اشتهر في الأدب العربي من الوصّافين الهزليين الجاحظ والتوحيدي وابن الرومي،ونقف عند واحد من هؤلاء الوصافين وهو الشاعر ابن الرومي (221 ـ 283هـ) الذي كان شاعرا مرهف الإحساس شديد التأثر مولعا بالجمال نافرا من القبح،والقارئ لشعره هو بدون شك سيرى شعره جاء صورة حية لطبيعته متماشيا مع نفسيته.
لقد أحب ابن الرومي الطبيعة فقام بتصوير مظاهرها المختلفة،وأبان عن أنه كان إزاءها يمتلكشعورا عميقا دقيقا بها،يتقصى البعيد من غاياتها فيستبطن النائي منها.
أما عن التصوير الهزلي لديه فهو رفيع جدا لما فيه من المقارنات الغريبة والملاحظات الدقيقة والصور الموحية ،مما ينم عن علو كعبه فيه أمام الشعراء الآخرين.
ويجمل بنا هنا أن نسوق أمثلة منه عن تصويره الهزلي لشخصيات عايشته وعايشها عن كثب.
فقد قال في "أحدب":
قصرتْ أخادِعُه وطال قذاله
فــكأنه مــتربص أن يُصفعا
وكــأنما صُــفعت قــفاه مرة
وأحــس ثــانية لــها فتجمعا
وقال في صاحب لحية يكنى أبا حفص:
إن أبــا حــفصٍ وعُــثْنُونَهُ
كــلاهما أصبحَ لي ناصبا
قد أُغريا بي يهجواني معاً
وحدي وكان الأكثرُ الغالبا
أقسمتُ ما استنجدَ عُثْنونَهُ
حــتى غدا لي خائفاً هائبا
إن كان كفْؤاً ليَ في زعمه
فــلــيعتزلْ لــحيتَهُ جــانبا
وقال في صاحب لحية أيضا:
ولــحــيــةٍ يــحــمــلها مــــائــقٌ
مــثــل الــشراعين إذا أشــرعا
تــقــوده الــريح بــها صــاغراً
قــوداً عــنيفاً يُــتعب الأخــدعا
فــإن عــدا والــريح في وجهه
لــم يــنبعث فــي وجهه إصبعا
لو غاص في البحر بها غوصةً
صـــاد بــهــا حــيتانه أجــمعا
وقال في ذي أنف طويل والأبيات من قصيدة طويلة:
إن كـــان أنــفــك هــكذا
فــالفيل عــندك أفــطسُ
وإذا جلستَ على الطري
قِ ولا أرى لــك تــجلسُ
قــيــل الــسلام عــليكما
فــتجيب أنــت ويــخرسُ
وقال في آخر له أنف طويل أيضا:
حــملتَ أنــفاً يــراهُ الــناسُ كــلُّهُمُ
مــن رأس مــيل عــياناً لا بمقياس
لــو شِئتَ كسباً به صادفتَ مُكتسَباً
أو انتصاراً مضى كالسيف والفاس
وقال في رجل بخيل اسمه عيسى:
يُــقتّر عيسى على نفسه
ولــيس بــباقٍ ولا خــالدِ
فــلــو يــستطيع لــتقتيره
تَــنفَّس مــن منخرٍ واحدِ
عــذرنــاه أيــام إعــدامه
فما عذرُ ذي بَخَلٍ واجِدِ
رَضِــيتُ لتفريق أمواله
يَدَي وارثٍ ليس بالحامدِ
وقال في مغن:
إنــك لــو تــسمع ألحانه
تلك اللواتي ليس يعدوها
لخلت من داخل حلقومه
مــوسوسًا يخنق معتوها
وقال في معلم صبيان:
مــــعــــلــم صــــبــيــان مـــغـــن:
أبــو ســليمان لا تــرضى طــريقته
لا فـــي غــناء ولا تــعليم صــبيان
لـــه إذا جــاور الــطنبور مــحتفلًا
ضرب بمصر وصوت في خراسان
عــواء كــلب عــلى أوتــار مــندفة
فــي قــبح قرد وفي استكبار هامان
وتــحــسب الــعين فــكيه إذا اخــتلفا
عــنــد الــتنغم فــكَّيْ بــغل طــحان!
وقال في مغنية:
شاهدت في بعض ما شاهدتُ مُسمعةً
كــأنّــما يــومــها يــومانِ فــي يَــومِ
تــظلُّ تُــلقي عــلى من ضَمَّ مجلسُها
قــولاً ثــقيلاً عــلى الأســماع كاللَّومِ
لــهــا غــنــاءٌ يــثــيبُ الــلَّــهُ ســامعَهُ
ضِــعفي ثــوابِ صلاةِ الليل والصومِ
ظَــللتُ أشــربُ بــالأرطالِ لا طَرَباً
عــلــيه بـــل طَــلَباً لــلسكرِ والــنومِ
في الواقع أن ابن الرومي كان شاعرا رائعا ومجيدا في جده وفي هزله معا،ونحن حين نقرؤه لا يسعنا إلا نعجب بعبقريته ونبوغه وبإنسانيته.
والله الهادي إلى سواء السبيل.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...