هناك أعمال أدبية تقرأ مرة واحدة وتنسى، وأخرى تعرف كيف تسكن الذاكرة وتترك أثرًا لا يمحى. مجموعة"دموع الورد" للكاتب/حسام أبوالعلا تتنمي بلا شك إلى النوع الثاني. فهي سيمفونية إنسانية متكاملة، تعزف على آلات متعددة لحنًا واحدًا هو الألم بكل تجلياته. لكنها لا تقدم الألم كحالة ثابتة بل كلحن يتضاعف ويتناقض ويعيد تشكيل نفسه كلما انتقلنا من قصة إلى أخرى. فالكاتب يبني عالمًا متصلًا من التناقضات: الأم المكلومة في قصة دموع الورد تقابلها الأم الجانية في قصة دفء الروح، والزوجة الضحية في سارق العمر تقابلها الزوجة المتسلطة في هدية السماء، والطفل الذي يتعلم من الاب في ساعة كاسيو الرقمية يقابله الطفل المهمل الذي ينفجر في المتمرد. هذه التناقضات ليست عبثية بل هي أداة الكاتب ليكشف أن الألم ليس حكرًا على نمط واحد، وان الضحية قد تكون جانية في سياق آخر وأن الجلاد قد يكون نتاج بيئة قاسية لا ذنب له فيها.
إذا كانت المجموعة جسدًا فإن قصة "دموع الورد" هي القلب النابض لانها ترسخ لفكرة أن الألم الانثوي غالبًا ما يكون صامتًا فنجد الراوية تتحدث بضمير المتكلم وصوتها هو الوحيد المسموع وهذا الاختيار السردي يؤكد أن المعاناة الأنثوية في ثقافة إنجاب الذكور لا تحتاج إلى دفاع لأنها مكتملة الأدلة بذاتها. حين تقول الأم " كان قلبي يحدثني بأن ابنتي تحب هذا الشاب أكثر من حبه لها" فإن الكاتب لا يشرح كيف عرفت بل يترك العبارة معلقة كحقيقة يقينية وكأن الحدس الأنثوي والأمومي فوق كل شك وبالمثل حين تنتهي القصة بالجملة المدمرة" حفيدك مات منذ يومين" فإن غياب أي تفسير هو أعلى درجات الإدانة. الكاتب لا يحتاج إلى ان يصف لنا مشهد موت الحفيد، لأن الصمت الذي يسبق الجملة والذي يليها هو الذي يكشف قسوة الحماة وخذلان زوج الابنة. وتقنية الأعتماد على مالا يقال أكثر مما يقال هي سمة بارزة في اسلوب ا. حسام ابو العلا وتتكرر في معظم قصص المجموعة وكتاباته السابقة.
هذه التقنية نفسها تعود بنا إلى "هدية السماء" حيث يقرر البطل ان يمثل انه مريضًا نفسيًا بعد اتفاقه مع طبيب نفسي صديقًا له وذلك ليكتشف حقيقة من حوله. الكاتب هنا يصنع تناقضًا محوريًا فالرجل الذي كان دائمًا المنقذ يصبح فجاة عالة على من أنقذهم لكن المفارقة أن زوجته واولاده لا يكتشفون تمثيله بل ينكشفون انفسهم حين يسرعون للتخلص منه في مصحة. الكاتب لا يشرح كيف تمكن البطل من التمثيل ولا يفصل مراحل إكتشافه للحقيقة بل يقدم لنا المشاهد النهائية فقط: مجلس الحرب الذي تعقده زوجته مع ابنائه، وتطوع الابن الطبيب بإنهاء الإجراءات وبكاء الابنة التي لا تجرؤ على الرد، ثم مفاجأة سمية التي كانت تحبة في صمت سنوات. كل مشهد يختزل في جملة او اثنتين والباقي يترك للقارئ. وعندما يقرر البطل الذهاب مع سمية الكاتب لايصف بل ينتهي فجأة وكأن الرسالة قد أكتملت: الحب النقي وحده هو الذي ينجو من غربال الامتحان.
لكن حين نصل الى "سارق العمر" تعزف السيمفونية نغمة غير متوقعة. عندما تكتشف البطلة بعد عشر سنوات من التنمر والإيذاء النفسي أن الزوج هو العقيم، فهل يعد هذا انتصار؟ هنا يجيب الكاتب ببراعة:لا إنه منتهى الألم والخذلان والذكورية. انها لحظة صادمة، عذبت عشر سنوات دون ذنب فقد سمح لها ان تنزل قبر مفتوح وان تذل يوميا بتلميحات امه وزوجات اشقائه " التي تنزل على أذني كالسياط " وأن تصاب باكتئاب حاد وتفقد الرغبة في الحياة. مع رفض الذهاب للطبيب ومنعها ايضًا. كل هذا خوفًا ان تهان ذكوريته لو اعترف بعجزه. هنا يصل الكاتب إلى أعمق نقطة في كشفه للعنف الذكوري فالعنف ليس ضربًا فقط بل هو أن يظل صامتًا واثقًا من كبريائه بينما تذبح زوجته كل يوم بسببه "كان صمته يذبحني" هو ليس بزوج هو قاتل بكل ماتحمله الكلمة من معنى، والمشهد الأكثر إيلامًا ليس إكتشاف الحقيقة بل لحظة اكتشاف الأهل " حين احتبست الأنفاس، نظر أهل زوجي إليه، الكل ينتظر الرد" في هذه اللحظة لا يزال الرجل محور الانظار لا المرأه حتى في لحظة فضحه تبقى انظار الجميع متجه نحوه. نعم البطلة انجبت في النهاية وتداعب شعر ابنتها لكن النهاية تحمل بين طياتها المًا لا يمحى: كم سنة ضاعت؟وكم حلم اهدر؟كم مرة نزلت قبرًا مفتوحًا؟ النجاح المتأخر يسعد لكن لا يعوض السنوات الضائعة.
في تناقض صارخ مع هذه الصورة تأتي "دفء الروح" لتقدم المرأه كجانية. هنا الرجل يروي كيف تركته زوجته في لحظة فارقة وتنازلت عن حضانة اولادهم الأربعة وهم صغار وفي حاجة إليها طمعًا في المال، فيربيهم بمفرده ويكابد السنين ثم تاتي بعد ان ورثت عن الزوج الثري وتستدرج الاولاد وتستميلهم بما لديها من مال. لكن الكاتب لا يترك الأب وحيد بعد ماقدمه، بل يعودون ابنائه اليه ويعترفون ان ماقدمه اعظم من كل الاموال " والله مال الدنيا لا يعوضنا عنك" هذه الجملة برغم بساطتها تحمل ثقلًا كبيرًا في سياق يصور الجحود والنكران. هنا يمنحنا الكاتب لحظة من العدالة العاطفية النادرة. ليثبت ان الحب النقي هو من يبقي.
هذا التوازن بين اليأس والأمل هو ما يجعل المجموعة مؤثرة. فبينما نرى في دموع الورد أم تفقد ابنتها وحفيدها وفي سارق العمر امرأه تسرق عشر سنوات من عمرها، وفي هدية السماء اسرة تتخلى عن الأب المريض، نجد في مقابلها صورًا مشرقة للوفاء الإنساني في ابسط تجلياته. في " الكيس الأصفر" عندما يصدم البطل بسيارة وينقل للمستشفى يزوره اولاده وزوجته دقائق معدودة بينما الصبي الفقير يحيى الذي ساعده في ايجاد عمل له ليساعد اسرته يأتي حاملًا كيسًا اصفر به برتقال وامه تقول بعفوية"النبي قبل الهدية" الكاتب لا يطيل الوصف لكنه يختار تفاصيل دقيقة: فالكيس الأصفر يتكرر ظهوره في القصة فى هذا المشهد وفي اول لقاء مع يحيى في المترو
حيث كان يحمل كيسًا اصفر به بنطال وقميص هذا التكرار ليس صدفة بل دلالة رمزية بصرية تربط بين فقر الصبي ونقائه وبين حاجته المادية وعطائه الوجداني.
وجملة الأم النبي قبل الهدية ترسم شخصية امرأه بسيطة تعلم ان التقدير يسبق العطاء ليكتشف البطل ان الوفاء قد يأتي من حيث لا نتوقع وأن دموع الامتنان اصدق من صلة القرابة.
وفي "جائزة عم صابر " تكتمل صورة الوفاء بشكل مختلف وأكثر عمقًا. في هذه القصة يمتد الوفاء إلى تحقيق حلم المتوفى، فالبطل لا يكتفي بالحزن على عم صابر بل يتذكر خطط عم صابر لتطوير المحل وغضبه من ابنه الذي اختلف معه في اسلوب الإدارة وجنوحه إلى قصات الشعر المجنونة التي صارت هوسًا للشباب هذا التفصيل الصغير هو ما يدفع البطل إلى تكريمة بطريقة عملية لا عاطفية فقط. فلم يبكِ طويلًا ولم يكتب مرثية بل طلب من صديقه أن يعمل مسابقة في برنامجه التليفزيوني لأفضل مصففي الشعر من الشباب وتكفل بقيمة الجائزة واطلق عليها اسم عم صابر. هنا يتحول الوفاء من مجرد ذكرى إلى فعل حي يؤثر في الحاضر. الكاتب في هذه القصة يترك النهاية مفتوحة وايجابية فجائزة باسم عم صابر تعني أن أسمه سيظل يذكر وان حلمه في تطوير المهنة والمحل سيتحقق وأن ابنه قد يجد في هذه الجائزة حافزًا لإعادة النظر، هي قصة عن كيفية تحويل الحب إلى إرث عملي.
أما "ميراث الظلم" فتمثل النقيض للوفاء. هنا سيدة اعمال ثرية ضحت بأمها المريضة من اجل المال والعمل فلما كبرت واصيبت بالزهايمر تخلى عنها ابناؤها وسرقوا ثروتها واودعوها دار المسنين وعندما تذهب العاملة في الدار لتستعطف ابنها ليزورها وتخبره بحالتها يرسل شيكًا ويجيب: " متجيش هنا تاني". الكاتب هنا يختار لغة باردة وجافة تعكس برودة قلب الابن. القصة تطرح سؤالًا وجوديًا هل فعلًا الجزاء من جنس العمل؟ الراوية نفسها بلسان العاملة في الدار تقول في بداية القصة" لكني أثق في أن بري بأمي وأبي سيكون جزاؤه بر ابني بي" هذه الجملة تحمل أملًا وحزنًا معًا: إنها رهان على أن العدالة الأخلاقية موجودة لكنها أيضًا اعتراف بأنها مجرد رهان لا يقين.
"عنبر٦" تقدم نموذج آخر من نقيض الوفاء فالأخ فؤاد يقطع صلته بأهله لأجل امرأه سيئة السمعة ثم يمرض فتسرقه زوجته وتتخلى عنه فيعود ويطلب المغفرة باكيًا. هنا الندم جاء متأخرًا لكن الكاتب لا يغلق الباب تاركًا احتمال التسامح مفتوحًا وكأن رسالته أن الوفاء قد يكون بالعفو والغفران لمن اخطأ وعاد نادمًا.
أما قصص مثل صنية بسبوسة ومصحف ومسبحة والغريب والحقيبة السوداء والشمعة الأخيرة ، فتثري السيمفونية بنغمات مختلفة لكنها تشترك جميعًا في أسلوب الكاتب القصصي المميز: اللغة البسيطة المباشرة والأعتماد على الحوار القصير الخادع بقوته والمفاجاة النهائية التي تعيد تشكيل المعنى . في صنية بسبوسة يكشف الكاتب عن ألم طفل لا يسمح له بالأحتفال بعيد ميلادة من خلال تفصيل واحد صغير: الام تطلب منه أن يقسم أن يخفي الهدية عن أبيه. هذا القسم يفرض على طفل هو أقسى صور الحرمان فهو يسرق منه حق الفرح علنًا. وفي مصحف ومسبحة نرى امرأه ترفض الزواج من رجل أحبته خوفًا من المجهول ثم تندم وتظل تحتفظ بهديته كذكرى لحب ضائع. القصة تطرح سؤالًا عن الخوف من القرارات المصيرية، وعن الندم الذي قد لا ينفع. في الغريب تتحول العودة إلى الماضي إلى صدمة حين يكتشف البطل ان صديق طفولته مات منذ خمسة عشر عامًا وان الزمن سرق كل شيء دون أن يشعر، أما في الحقيبة السوداء قالكاتب يقدم نموذجًا مختلفًا تمامًا. يقدم قصة كوميدية ساخرة عن رجل يقع في فخ نصابين يسرقان حقيبته التي كان فيها بحث الترقية، ليكتشف أن ماظنه كنزًا من الدولارات لم يكن سوى ورق أبيض. هنا يضحك القارئ من سوء حظ البطل لكن الضحكة مرة لانها تكشف سذاجة الإنسان أمام حلم المال السهل وكيف يمكن للجشع أن يعمي العيون. في "الشمعة الأخيرة" فالقصة تصور ام كرست حياتها لابنتيها فلما كبرتا وتزوجتا انشغلتا عنها. حتى في عيد ميلادها لا يأتيان فتنظر للشمعة الأخيرة وهي تنطفيء وتقول لخادمتها" خذي الأكل والحلوى لأولادك" جملة قصيرة تصف سنوات من التعب تذهب هباء، صمت الأم هو أقسى مافي المشهد.
فعندما يمسك القارئ بالمجموعة ويقرأ الإهداء يعرف انه المفتاح الذي يفسر كل ما جاء بعده. فالكاتب يهدي عمله إلى من أحب في صمت، وكأنه يقول إن هذه القصص كلها كانت دمعة من دموع ذلك الورد. الإهداء يعلن أن هذا العمل نصوص كتبت بنبض القلب ولهذا جاءت اللغة بسيطة وعاطفية ومباشرة. كما أنه يحمل وصية: "لا تنسى يومًا أني والله عشقها" أي لا تنسى أن العشق الحقيقي موجود وأن الحب النقي وحده هو الذي يثبت حين يسقط كل شيء. وبهذا يتحول الإهداء إلى شهادة أن دموع الورد التي ترويها القصص هي في النهاية دموعنا نحن وأن الورد يظل ورداً جميلاً وإن سالت دموعه.
مجموعة" دموع الورد " سيمفونية واحدة لا تتوقف. بها الم حقيقي وأعتراف ان بعض الجروح لا تلتئم، وأن السنوات الضائعة لا تعود. لكن وسط هذا الالم يبقى الوفاء. في كيس برتقال يحيى وحلم عم صابر الذي تحول لجائزة والأب في دفء الروح ويبقى القرط الذهبي الذي تخلعه ام عجوز لتنقذ ارمله وابنائها من التشرد. هذه اللحظات هي ماتجعل الحياة ممكنة رغم كل مافيها. وا. حسام ابو العلا بلغته الهادئة وحواراته الموجعة ومفاجأته يقف خلف هذه الأصوات كلها، لا يزين الالم ولا يختزله، ولا يقدم حلولًا وهمية. بل يتركه أمامنا بكل صدق ثم يترك لنا القرار: هل نختار الوفاء أم الجحود؟
هذه السيمفونية ستبقى في الذاكرة لانها تعزف على أوتار القلب.
سيمفونية الألم، ودموع لا تجف: قراءة في المجموعة القصصية "دموع الورد" للأديب المبدع/حسام أبو العلا
إذا كانت المجموعة جسدًا فإن قصة "دموع الورد" هي القلب النابض لانها ترسخ لفكرة أن الألم الانثوي غالبًا ما يكون صامتًا فنجد الراوية تتحدث بضمير المتكلم وصوتها هو الوحيد المسموع وهذا الاختيار السردي يؤكد أن المعاناة الأنثوية في ثقافة إنجاب الذكور لا تحتاج إلى دفاع لأنها مكتملة الأدلة بذاتها. حين تقول الأم " كان قلبي يحدثني بأن ابنتي تحب هذا الشاب أكثر من حبه لها" فإن الكاتب لا يشرح كيف عرفت بل يترك العبارة معلقة كحقيقة يقينية وكأن الحدس الأنثوي والأمومي فوق كل شك وبالمثل حين تنتهي القصة بالجملة المدمرة" حفيدك مات منذ يومين" فإن غياب أي تفسير هو أعلى درجات الإدانة. الكاتب لا يحتاج إلى ان يصف لنا مشهد موت الحفيد، لأن الصمت الذي يسبق الجملة والذي يليها هو الذي يكشف قسوة الحماة وخذلان زوج الابنة. وتقنية الأعتماد على مالا يقال أكثر مما يقال هي سمة بارزة في اسلوب ا. حسام ابو العلا وتتكرر في معظم قصص المجموعة وكتاباته السابقة.
هذه التقنية نفسها تعود بنا إلى "هدية السماء" حيث يقرر البطل ان يمثل انه مريضًا نفسيًا بعد اتفاقه مع طبيب نفسي صديقًا له وذلك ليكتشف حقيقة من حوله. الكاتب هنا يصنع تناقضًا محوريًا فالرجل الذي كان دائمًا المنقذ يصبح فجاة عالة على من أنقذهم لكن المفارقة أن زوجته واولاده لا يكتشفون تمثيله بل ينكشفون انفسهم حين يسرعون للتخلص منه في مصحة. الكاتب لا يشرح كيف تمكن البطل من التمثيل ولا يفصل مراحل إكتشافه للحقيقة بل يقدم لنا المشاهد النهائية فقط: مجلس الحرب الذي تعقده زوجته مع ابنائه، وتطوع الابن الطبيب بإنهاء الإجراءات وبكاء الابنة التي لا تجرؤ على الرد، ثم مفاجأة سمية التي كانت تحبة في صمت سنوات. كل مشهد يختزل في جملة او اثنتين والباقي يترك للقارئ. وعندما يقرر البطل الذهاب مع سمية الكاتب لايصف بل ينتهي فجأة وكأن الرسالة قد أكتملت: الحب النقي وحده هو الذي ينجو من غربال الامتحان.
لكن حين نصل الى "سارق العمر" تعزف السيمفونية نغمة غير متوقعة. عندما تكتشف البطلة بعد عشر سنوات من التنمر والإيذاء النفسي أن الزوج هو العقيم، فهل يعد هذا انتصار؟ هنا يجيب الكاتب ببراعة:لا إنه منتهى الألم والخذلان والذكورية. انها لحظة صادمة، عذبت عشر سنوات دون ذنب فقد سمح لها ان تنزل قبر مفتوح وان تذل يوميا بتلميحات امه وزوجات اشقائه " التي تنزل على أذني كالسياط " وأن تصاب باكتئاب حاد وتفقد الرغبة في الحياة. مع رفض الذهاب للطبيب ومنعها ايضًا. كل هذا خوفًا ان تهان ذكوريته لو اعترف بعجزه. هنا يصل الكاتب إلى أعمق نقطة في كشفه للعنف الذكوري فالعنف ليس ضربًا فقط بل هو أن يظل صامتًا واثقًا من كبريائه بينما تذبح زوجته كل يوم بسببه "كان صمته يذبحني" هو ليس بزوج هو قاتل بكل ماتحمله الكلمة من معنى، والمشهد الأكثر إيلامًا ليس إكتشاف الحقيقة بل لحظة اكتشاف الأهل " حين احتبست الأنفاس، نظر أهل زوجي إليه، الكل ينتظر الرد" في هذه اللحظة لا يزال الرجل محور الانظار لا المرأه حتى في لحظة فضحه تبقى انظار الجميع متجه نحوه. نعم البطلة انجبت في النهاية وتداعب شعر ابنتها لكن النهاية تحمل بين طياتها المًا لا يمحى: كم سنة ضاعت؟وكم حلم اهدر؟كم مرة نزلت قبرًا مفتوحًا؟ النجاح المتأخر يسعد لكن لا يعوض السنوات الضائعة.
في تناقض صارخ مع هذه الصورة تأتي "دفء الروح" لتقدم المرأه كجانية. هنا الرجل يروي كيف تركته زوجته في لحظة فارقة وتنازلت عن حضانة اولادهم الأربعة وهم صغار وفي حاجة إليها طمعًا في المال، فيربيهم بمفرده ويكابد السنين ثم تاتي بعد ان ورثت عن الزوج الثري وتستدرج الاولاد وتستميلهم بما لديها من مال. لكن الكاتب لا يترك الأب وحيد بعد ماقدمه، بل يعودون ابنائه اليه ويعترفون ان ماقدمه اعظم من كل الاموال " والله مال الدنيا لا يعوضنا عنك" هذه الجملة برغم بساطتها تحمل ثقلًا كبيرًا في سياق يصور الجحود والنكران. هنا يمنحنا الكاتب لحظة من العدالة العاطفية النادرة. ليثبت ان الحب النقي هو من يبقي.
هذا التوازن بين اليأس والأمل هو ما يجعل المجموعة مؤثرة. فبينما نرى في دموع الورد أم تفقد ابنتها وحفيدها وفي سارق العمر امرأه تسرق عشر سنوات من عمرها، وفي هدية السماء اسرة تتخلى عن الأب المريض، نجد في مقابلها صورًا مشرقة للوفاء الإنساني في ابسط تجلياته. في " الكيس الأصفر" عندما يصدم البطل بسيارة وينقل للمستشفى يزوره اولاده وزوجته دقائق معدودة بينما الصبي الفقير يحيى الذي ساعده في ايجاد عمل له ليساعد اسرته يأتي حاملًا كيسًا اصفر به برتقال وامه تقول بعفوية"النبي قبل الهدية" الكاتب لا يطيل الوصف لكنه يختار تفاصيل دقيقة: فالكيس الأصفر يتكرر ظهوره في القصة فى هذا المشهد وفي اول لقاء مع يحيى في المترو
حيث كان يحمل كيسًا اصفر به بنطال وقميص هذا التكرار ليس صدفة بل دلالة رمزية بصرية تربط بين فقر الصبي ونقائه وبين حاجته المادية وعطائه الوجداني.
وجملة الأم النبي قبل الهدية ترسم شخصية امرأه بسيطة تعلم ان التقدير يسبق العطاء ليكتشف البطل ان الوفاء قد يأتي من حيث لا نتوقع وأن دموع الامتنان اصدق من صلة القرابة.
وفي "جائزة عم صابر " تكتمل صورة الوفاء بشكل مختلف وأكثر عمقًا. في هذه القصة يمتد الوفاء إلى تحقيق حلم المتوفى، فالبطل لا يكتفي بالحزن على عم صابر بل يتذكر خطط عم صابر لتطوير المحل وغضبه من ابنه الذي اختلف معه في اسلوب الإدارة وجنوحه إلى قصات الشعر المجنونة التي صارت هوسًا للشباب هذا التفصيل الصغير هو ما يدفع البطل إلى تكريمة بطريقة عملية لا عاطفية فقط. فلم يبكِ طويلًا ولم يكتب مرثية بل طلب من صديقه أن يعمل مسابقة في برنامجه التليفزيوني لأفضل مصففي الشعر من الشباب وتكفل بقيمة الجائزة واطلق عليها اسم عم صابر. هنا يتحول الوفاء من مجرد ذكرى إلى فعل حي يؤثر في الحاضر. الكاتب في هذه القصة يترك النهاية مفتوحة وايجابية فجائزة باسم عم صابر تعني أن أسمه سيظل يذكر وان حلمه في تطوير المهنة والمحل سيتحقق وأن ابنه قد يجد في هذه الجائزة حافزًا لإعادة النظر، هي قصة عن كيفية تحويل الحب إلى إرث عملي.
أما "ميراث الظلم" فتمثل النقيض للوفاء. هنا سيدة اعمال ثرية ضحت بأمها المريضة من اجل المال والعمل فلما كبرت واصيبت بالزهايمر تخلى عنها ابناؤها وسرقوا ثروتها واودعوها دار المسنين وعندما تذهب العاملة في الدار لتستعطف ابنها ليزورها وتخبره بحالتها يرسل شيكًا ويجيب: " متجيش هنا تاني". الكاتب هنا يختار لغة باردة وجافة تعكس برودة قلب الابن. القصة تطرح سؤالًا وجوديًا هل فعلًا الجزاء من جنس العمل؟ الراوية نفسها بلسان العاملة في الدار تقول في بداية القصة" لكني أثق في أن بري بأمي وأبي سيكون جزاؤه بر ابني بي" هذه الجملة تحمل أملًا وحزنًا معًا: إنها رهان على أن العدالة الأخلاقية موجودة لكنها أيضًا اعتراف بأنها مجرد رهان لا يقين.
"عنبر٦" تقدم نموذج آخر من نقيض الوفاء فالأخ فؤاد يقطع صلته بأهله لأجل امرأه سيئة السمعة ثم يمرض فتسرقه زوجته وتتخلى عنه فيعود ويطلب المغفرة باكيًا. هنا الندم جاء متأخرًا لكن الكاتب لا يغلق الباب تاركًا احتمال التسامح مفتوحًا وكأن رسالته أن الوفاء قد يكون بالعفو والغفران لمن اخطأ وعاد نادمًا.
أما قصص مثل صنية بسبوسة ومصحف ومسبحة والغريب والحقيبة السوداء والشمعة الأخيرة ، فتثري السيمفونية بنغمات مختلفة لكنها تشترك جميعًا في أسلوب الكاتب القصصي المميز: اللغة البسيطة المباشرة والأعتماد على الحوار القصير الخادع بقوته والمفاجاة النهائية التي تعيد تشكيل المعنى . في صنية بسبوسة يكشف الكاتب عن ألم طفل لا يسمح له بالأحتفال بعيد ميلادة من خلال تفصيل واحد صغير: الام تطلب منه أن يقسم أن يخفي الهدية عن أبيه. هذا القسم يفرض على طفل هو أقسى صور الحرمان فهو يسرق منه حق الفرح علنًا. وفي مصحف ومسبحة نرى امرأه ترفض الزواج من رجل أحبته خوفًا من المجهول ثم تندم وتظل تحتفظ بهديته كذكرى لحب ضائع. القصة تطرح سؤالًا عن الخوف من القرارات المصيرية، وعن الندم الذي قد لا ينفع. في الغريب تتحول العودة إلى الماضي إلى صدمة حين يكتشف البطل ان صديق طفولته مات منذ خمسة عشر عامًا وان الزمن سرق كل شيء دون أن يشعر، أما في الحقيبة السوداء قالكاتب يقدم نموذجًا مختلفًا تمامًا. يقدم قصة كوميدية ساخرة عن رجل يقع في فخ نصابين يسرقان حقيبته التي كان فيها بحث الترقية، ليكتشف أن ماظنه كنزًا من الدولارات لم يكن سوى ورق أبيض. هنا يضحك القارئ من سوء حظ البطل لكن الضحكة مرة لانها تكشف سذاجة الإنسان أمام حلم المال السهل وكيف يمكن للجشع أن يعمي العيون. في "الشمعة الأخيرة" فالقصة تصور ام كرست حياتها لابنتيها فلما كبرتا وتزوجتا انشغلتا عنها. حتى في عيد ميلادها لا يأتيان فتنظر للشمعة الأخيرة وهي تنطفيء وتقول لخادمتها" خذي الأكل والحلوى لأولادك" جملة قصيرة تصف سنوات من التعب تذهب هباء، صمت الأم هو أقسى مافي المشهد.
فعندما يمسك القارئ بالمجموعة ويقرأ الإهداء يعرف انه المفتاح الذي يفسر كل ما جاء بعده. فالكاتب يهدي عمله إلى من أحب في صمت، وكأنه يقول إن هذه القصص كلها كانت دمعة من دموع ذلك الورد. الإهداء يعلن أن هذا العمل نصوص كتبت بنبض القلب ولهذا جاءت اللغة بسيطة وعاطفية ومباشرة. كما أنه يحمل وصية: "لا تنسى يومًا أني والله عشقها" أي لا تنسى أن العشق الحقيقي موجود وأن الحب النقي وحده هو الذي يثبت حين يسقط كل شيء. وبهذا يتحول الإهداء إلى شهادة أن دموع الورد التي ترويها القصص هي في النهاية دموعنا نحن وأن الورد يظل ورداً جميلاً وإن سالت دموعه.
مجموعة" دموع الورد " سيمفونية واحدة لا تتوقف. بها الم حقيقي وأعتراف ان بعض الجروح لا تلتئم، وأن السنوات الضائعة لا تعود. لكن وسط هذا الالم يبقى الوفاء. في كيس برتقال يحيى وحلم عم صابر الذي تحول لجائزة والأب في دفء الروح ويبقى القرط الذهبي الذي تخلعه ام عجوز لتنقذ ارمله وابنائها من التشرد. هذه اللحظات هي ماتجعل الحياة ممكنة رغم كل مافيها. وا. حسام ابو العلا بلغته الهادئة وحواراته الموجعة ومفاجأته يقف خلف هذه الأصوات كلها، لا يزين الالم ولا يختزله، ولا يقدم حلولًا وهمية. بل يتركه أمامنا بكل صدق ثم يترك لنا القرار: هل نختار الوفاء أم الجحود؟
هذه السيمفونية ستبقى في الذاكرة لانها تعزف على أوتار القلب.
سيمفونية الألم، ودموع لا تجف: قراءة في المجموعة القصصية "دموع الورد" للأديب المبدع/حسام أبو العلا