ليلى تباني - ولادة فنّ من خاصرة المحظور بين العرف وتمثّلات الدين وحدود الذوق

في روايته الجديدة عن الشيخة الريميتي، بعنوان صريح في أساسه مبطّن في فرعه " الريميتي ... أناشيد الجمر والنار " يقترب واسيني الأعرج من منطقة شديدة الحساسية في الذاكرة الثقافية الجزائرية، حيث لا تُستعاد الشخصية الفنية بوصفها سيرة حياة فحسب، بل بوصفها سؤالا مفتوحا حول الجسد واللغة والسلطة والذوق العام . فالرواية، في عمقها، لا تبدو مجرد استحضار لاسم أيقوني في تاريخ "الراي" ، بل محاولة لإعادة مساءلة لحظة ثقافية كاملة تشكّل فيها الصوت الشعبي خارج المؤسسات، واصطداه بالمعايير التي تحدّد ما يُسمى فنا وما يُقصى إلى الهامش .

لقد نشأت الريميتي(سعدية بالضيف ) في بيئة قاسية اجتماعيا واقتصاديا، حيث الفقر والهشاشة لم يكونا مجرد خلفية، بل شرطا بنيويا لتشكّل صوتها. ومن هذا الهامش خرج غناء لم يسع إلى التجميل بقدر ما سعى إلى التعبير، ولم ينشغل بإرضاء الذوق الرسمي بقدر ما نقل التجربة كما هي، بحدّتها وصدقها. وهنا تتبلور الإشكالية الفلسفية ، فيما إذا كانت القيمة الجمالية خاصية داخل العمل الفني، أم أنّها نتيجة منظومة اجتماعية تحدّد ما يُعتبر راقيا وما يُدفع إلى الهامش؟ إن تحليلا قريبًا من منظور "بيير بورديو" في نظريات الهابيتوس ، فيكشف أن الذوق ليس بريئا، بل هو بناء اجتماعي تُعيد من خلاله الطبقات المهيمنة إنتاج معاييرها الخاصة وتمنحها صفة الشرعية.




وفي ضوء قراءتي الفلسفية المستلهمة من فوكوية التمرّد ، يمكن النظر إلى صوت الريميتي بوصفه لحظة
لآليات السلطة التي تنظّم الجسد والكلام . فالجسد، في المجتمعات المنضبطة، لا يُترك لذاته، بل يُعاد تشكيله عبر أنظمة من الأخلاق والمعرفة تحدّد كيف يتكلّم، ومتى يصمت، وما الذي يُسمح له أن يعبّر عنه. وعندما يغنّي هذا الجسد ، لا يكون الأمر مجرّد تعبير فنّي ، بل إعادة توزيع للخطاب نفسه ، حيث يتحوّل الصمت المفروض إلى كلام ، وتتحوّل الرغبة من موضوع يُتحدّث عنه إلى صوت يتكلّم بذاته . بهذا المعنى ، لا تكون الريميتي خارج السلطة( العرف) ، بل تكشفها وهي تعمل، وتعيد رسم حدودها من الداخل . غير أنّ استعادة هذه التجربة داخل الحقل الأدبي، كما في رواية الريميتي، تفتح إشكالًا أكثر تعقيدا يتعلّق بطريقة تمثيل هذا الصوت . فالرواية، وهي تحاول أن تنصت إلى الريميتي، تجد نفسها أمام مفارقة دقيقة ،كيف يمكن للغة أدبية رفيعة، مؤسّسة على التهذيب والبناء الرمزي ، أن تنقل تجربة وُلدت في فضاء شفهي مباشر، حيث يتكلّم الجسد دون وسائط؟ إن هذا التوتر ليس عرضيا، بل بنيوي، لأنّ كل كتابة عن هذا الصوت تنطوي على إعادة تشكيله داخل أفق مختلف عن أفقه الأصلي .

وهنا يبرز خطر ترويض التمرّد أكثر من تشويهه ، فحين تُؤطَّر التجربة داخل خطاب يفسّرها ويمنحها دلالات جاهزة ( وصف فن الريميتي بالساقط) ، قد تنتقل من كونها فعلا يُزعزع النظام الرمزي ، إلى موضوع يُعاد إدماجه داخله . ويطرح ذلك سؤالا دقيقا، هل تتكلّم الشخصية داخل النص بصوتها ، أم يُعاد إنتاجها عبر صوت آخر يتكلّم عنها؟ إن الفرق بين الحالتين يمسّ جوهر العلاقة بين الأدب والهامش، بين من يملك حق السرد ومن يُسرد عنه .

من جهة أخرى، تميل الكتابة الروائية إلى تحويل التجربة إلى رمز، إلى بنية دلالية قابلة للتأويل، غير أنّ هذا التحويل قد يباعد بين النص وبين العفوية الأولى التي شكّلت قوة هذه التجربة. فالشخصية التي كانت تعبيرا حيّا عن واقع يومي تصبح داخل النص فكرة، وقد تفقد شيئا من كثافتها الأصلية. وهنا لا يكون الإشكال في فشل الرواية، بل في استحالة تمثيل كامل لتجربة وُلدت خارج شروط الكتابة ذاتها. بهذا المعنى، تتجاوز القضية مجرد قراءة عمل أدبي لتعود إلى السؤال الفلسفي الأوسع ، من يملك حق تعريف الفن؟ ومن يحدّد معايير رُقَيِّه وانحطاطه؟

إذ أنّ ما يُسمى فنّا راقيا ليس بالضرورة أكثر صدقا، بل هو الفن الذي حظي باعتراف المؤسسة الثقافية الاجتماعية ، بينما يُدفع الفن الشعبي إلى الهامش رغم قدرته على التعبير المباشر عن الحياة. وهنا تتقاطع تجربة الريميتي مع إشكالية أعمق تتعلّق بتوزيع السلطة الرمزية داخل المجتمع ، حيث لا يكون الفنّ مجرّد إبداع، بل يتجاوز ذلك إلى كونه موقع صراع حول المعنى والشرعية .

إن إدراج الريميتي داخل رواية لا يلغي بعدها كصوت هامشي، بل يكشف حدود الأدب حين يحاول احتواء ما وُلد خارج شروطه ، ويعيد طرح السؤال في صيغته الأكثر عمقا ، ليس فقط كيف يُقيَّم الفنّ، بل كيف يُمثَّل، ومن يملك حق تمثيله. وفي هذا التوتّر بين الصوت الحي والنص المكتوب ، بين الجسد المتكلم واللّغة التي تحاول تحريره ابراز حالاته ، تتجلّى الريميتي كمرآة لبنية ثقافية كاملة، حيث يصبح الفن مساحة يتقاطع فيها الجمالي بالاجتماعي، والتعبير بالحقيقة .



ليلى تبّاني ــــ الجزائر

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...