يحيى بركات - سلوى أبو خضرا… أمّ محمود، سيرة وطنٍ كُتب في امرأة ولم يُختصر ليست الحكاية هنا… عن امرأةٍ مرت.

هذه…
امرأةٌ مرّ الزمن عبرها.
وحين نكتبها…
لا نكتب اسمًا،
نكتب طبقات من التاريخ،
من التعليم،
من التنظيم،
من المنفى،
ومن القدرة العجيبة على أن يبقى الإنسان… إنسانًا وهو في قلب كل ذلك.
ولدت في زمنٍ
لم تكن فيه فلسطين فقط تحت الانتداب،
بل كانت الفكرة نفسها… تبحث عن من يحملها.
كبرت…
ولم تختر طريقًا سهلًا.
اختارت أن تكون في المكان الأصعب:
حيث يُبنى الإنسان.
حين وصلت إلى الكويت…
لم تصل كوافدة تبحث عن عمل.
وصلت…
كجزء من لحظة تاريخية.
في الخمسينيات والستينيات،
لم تكن الكويت كما نعرفها اليوم.
كانت تتشكّل.
وكان الفلسطيني…
شريكًا في هذا التشكّل.
مدرّسون،
مهندسون،
أطباء،
ومثقفون…
لكن الأهم…
أنهم كانوا يحملون معهم شيئًا لا يُرى:
الوعي.
وهنا…
كانت سلوى أبو خضرا.
لم تكن فقط مديرة مدرسة،
ولا مؤسسة تعليمية.
كانت…
واحدة من أهم من وضعوا الأساس التربوي للجالية الفلسطينية في الكويت.
مدارسها…
لم تكن جدرانًا.
كانت…
أجيالًا تُصاغ.
جيلٌ تعلّم كيف يقرأ،
وكيف يفكر،
وكيف يبقى فلسطينيًا… وهو بعيد.
وهذا…
أصعب من أي درس.
منذ 1936،
حين أُرسل المعلّم الفلسطيني إلى الكويت…
بدأت العلاقة.
لكن في الستينيات والسبعينيات…
تحوّلت هذه العلاقة إلى بنية كاملة.
والكويت…
أصبحت واحدة من أهم قواعد حركة فتح.
ليس فقط دعمًا ماليًا…
بل مصنعًا للكادر.
قيادات،
كوادر تنظيمية،
وعقول…
كلها خرجت من هناك.
وسلوى أبو خضرا…
لم تكن خارج هذا السياق.
كانت…
في قلبه.
في فيلمي رمال السوافي (1991)…
لم أكن أبحث عن أرشيف.
كنت أبحث عن من يحمل الأرشيف… داخله.
عن من يستطيع أن يحكي
كيف بُني كل هذا…
وكيف انهار.
وجدت أسماء كثيرة،
وكلها مهمة:
أبو خالد البطراوي،
محمد ملحم،
توفيق أبو بكر،
بكر أبو بكر…
لكن…
حين كانت أم محمود تتحدث،
لم تكن تضيف رواية.
كانت…
تعطيك البنية.
لأنها لم تكن شاهدة فقط.
كانت…
جزءًا من صناعة هذا الوجود.
ثم جاءت اللحظة التي لا يريد أحد أن يتذكرها.
1991…
حرب الخليج.
ليس كحدث عسكري فقط…
بل كزلزال.
في تلك اللحظة…
لم يُطرد الفلسطيني فقط.
اقتُلِعت تجربة كاملة.
اثنان وأربعون عامًا من العمل،
من البناء،
من التعليم…
سقطت.
وفي عمّان…
افترش الناس الأرصفة.
كما لو أنهم خرجوا للتو من رواية رجال في الشمس
لكن هذه المرة…
لم يموتو في الخزان.
ماتوا… في العراء.
رمال السوافي…
لم يكن فيلمًا.
كان…
محاولة لإنقاذ ما لا يُنقذ.
الصورة…
قبل أن تضيع.
الصوت…
قبل أن يصمت.
والذاكرة…
قبل أن تُعاد كتابتها بغير أصحابها.
وأم محمود…
كانت واحدة من أهم مفاتيح هذا الإنقاذ.
لكن سلوى أبو خضرا…
لا تختصر في الكويت.
هذا فقط… فصل.
هي…
قائدة وطنية.
رئيسة الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية،
عضو المجلس الوطني،
والمركزي،
والمجلس الثوري لحركة فتح.
لكن هذه المواقع…
ليست ما يصنعها.
هي فقط…
تعترف بها.
ما يصنعها…
هو أنها استطاعت
أن تأخذ المرأة الفلسطينية
من موقع “الحضور الرمزي”
إلى موقع “الدور الفعلي”.
في الداخل…
وفي المنافي.
وفي العالم.
كانت تدرك…
أن النضال ليس بندقية فقط.
هو…
مدرسة،
ومؤسسة،
ومنظمة،
وقدرة على أن تخلق حضورًا سياسيًا واجتماعيًا للمرأة
في زمنٍ لم يكن يعترف بذلك بسهولة.
ثم…
هناك ما لا يُكتب في السر.
بيتها.
في عمّان…
في تونس…
لم يكن بيتًا.
كان…
عنوانًا.
لكل مناضل،
لكل مناضلة،
لكل فكرة تبحث عن مكان.
وهذا…
ليس تفصيلًا إنسانيًا.
هذا…
جزء من العمل الوطني.
بالنسبة لي…
لم تكن فقط مصدرًا لفيلم.
كانت…
أمًا.
وصديقة.
ومرجعًا.
وهذا النوع من العلاقات…
لا يُكتسب.
يُمنح.
في ذكرى رحيلها…
لا يكفي أن نقول: كانت عظيمة.
هذا…
تبسيط مخل.
ما يجب أن نقوله…
أن هذه المرأة
كانت تمسك بخيطٍ طويل:
من التعليم…
إلى التنظيم…
إلى الذاكرة…
إلى الإنسان.
وحين رحلت…
لم ينقطع الخيط.
لكن…
ضعف.
لأن الحقيقة …
أن الأوطان لا تُهزم فقط بالخارج.
تُهزم…
حين تفقد أولئك
الذين كانوا يعرفون
كيف تُبنى…
وكيف تُحمى…
وكيف تُروى.
وسلوى أبو خضرا…
لم تكن مجرد اسم في هذا التاريخ.
كانت…
إحدى رواياته الأساسية.
ولهذا…
لا تُختصر.
ولا تُستعاد في ذكرى.
بل…
تُفهم.

يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي




تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...