غانية ملحيس - فتح بين الثورة والسلطة: نحو إعادة تعريف الوظيفة التاريخية للحركة. ورقة للنقاش العام بمناسبة المؤتمر الثامن لحركة فتح

غانية ملحيس
1/5/2026



ملخص تنفيذي
تتناول هذه الورقة النقاشية حركة فتح، ليس فقط لدورها الريادي في تأسيس الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة، ولا لارتباطها بمواقع التمثيل والسلطة والقرار السياسي، بل لاقتراب انعقاد مؤتمرها الثامن في لحظة تاريخية فارقة، تتسم بانكشاف عميق في البنية السياسية الفلسطينية، وتراجع اليقينيات التي حكمت المرحلة السابقة. ما يستدعي مراجعة نقدية جادة، وإعادة تعريف للوظيفة التاريخية للحركة ومستقبلها، ولمواجهة التحديات الوجودية التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني.
تسلط الورقة الضوء على التحول التاريخي الذي أصاب الحركة منذ الانتقال من منطق الثورة إلى منطق السلطة، وما ترتب على ذلك من إعادة تعريف لدورها داخل المشروع الوطني الفلسطيني.
وتنطلق من فرضية أساسية مفادها أن أزمة فتح لا يمكن اختزالها في أزمة قيادة أو تنظيم، بل تعكس أزمة أعمق تتعلق بالوظيفة التاريخية للحركة في سياق بنيوي استثنائي يتمثل في استمرار الاستعمار الاستيطاني وغياب السيادة الفلسطينية.
توضح الورقة أن الثورة والسلطة تمثلان منطقين سياسيين مختلفين: فالثورة تقوم على تغيير الواقع واستمداد الشرعية من الصراع، بينما تقوم السلطة على إدارة الواقع واستمداد الشرعية من الاستقرار. غير أن الإشكال لا يكمن في وجود السلطة بحد ذاته، بل في اختلال التوازن بينها وبين منطق الثورة، بما يؤدي إلى تحول السلطة إلى بنية مغلقة تعيد إنتاج الانفصال بين الفعل السياسي ومصادر شرعيته.
وتشير إلى أن تجارب حركات التحرر العالمية (فيتنام، الجزائر، جنوب أفريقيا) تؤكد أن الانتقال من الثورة إلى السلطة جرى في سياق إنهاء البنية الاستعمارية، أو تحقق درجات من السيادة، وهو ما لم يتحقق في الحالة الفلسطينية. فهنا، تشكلت السلطة داخل بنية استعمارية استيطانية إحلالية مستمرة، ما يجعلها حالة استثنائية لا يمكن قياسها بالكامل على النماذج التاريخية السابقة.
وتخلص الورقة إلى أن هذا الوضع أدى إلى نشوء “حالة هجينة” تجمع بين إدارة الواقع تحت الاحتلال وغياب السيادة، ما أعاد تشكيل الحركة الوطنية الفلسطينية نفسها، حيث تراجعت النخب الثورية لصالح نخب إدارية، وتحول خطاب التحرير إلى خطاب إدارة واستقرار، وتغير معيار النجاح السياسي من تحقيق التغيير إلى منع الانهيار.
كما تبرز الورقة أزمة التمثيل الوطني الناتجة عن انتقال مركز السياسة من الشعب إلى الجغرافيا، بما أدى إلى تهميش ثلثي الشعب الفلسطيني داخل مناطق1948 والشتات. وإعادة تعريف القضية الفلسطينية بشكل جزئي. وفي ضوء ذلك، تناقش الورقة إمكان إعادة بناء حركة تحرر داخل سلطة، وترجح أن الحل لا يكمن في الاندماج أو الانفصال الكامل، بل في إعادة توزيع الوظائف بين السلطة، والحركة، والحامل، ومنظمة التحرير الفلسطينية ضمن مسار صراعي تدريجي.
وتختتم الورقة بأن الأزمة الفلسطينية لم تعد أزمة إصلاح مؤسساتي، بل أزمة إعادة تأسيس للسياسة نفسها، حيث يتحدد المستقبل بقدرة الفاعلين على الانتقال من منطق إدارة الواقع إلى منطق إعادة إنتاج شروط تغييره، وإعادة تعريف العلاقة بين الشرعية والفعل السياسي داخل بنية استعمارية مستمرة.

الورقة الكاملة
فتح بين الثورة والسلطة: نحو إعادة تعريف الوظيفة التاريخية للحركة. ورقة للنقاش العام بمناسبة المؤتمر الثامن لحركة فتح


مقدمة:
تنطلق هذه الورقة من حوار فكري وطني متواصل بين مجموعة من الكتّاب والمثقفين الفلسطينيين المنشغلين بالهم الوطني، داخل فلسطين وخارجها، في لحظة تُعد من أخطر مراحل التاريخ الفلسطيني الحديث، خاصة في أعقاب حرب الإبادة التي اندلعت بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، وما رافقها من تحولات عميقة في بنية الصراع وموازين القوى.
وقد تركزت هذه النقاشات، على نحو متزايد، حول أزمتي حركتي حماس وفتح بوصفهما الفاعلين الأكثر حضورا وتأثيرا في الحقل السياسي الفلسطيني، مع تصاعد الدعوات إلى مراجعات نقدية تتجاوز تفسير الأزمة بوصفها نتيجة أخطاء سياسية أو أزمات قيادة.
وفي هذا السياق، برز في الآونة الأخيرة تركيز خاص على حركة فتح في كتابات عدد من الباحثين والكتّاب، ليس فقط لدورها التاريخي الريادي في تأسيس الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة، ولا لارتباطها بمواقع التمثيل والسلطة والقرار السياسي، بل لاقتراب انعقاد مؤتمرها الثامن في لحظة لا تنتمي إلى السياق التنظيمي الاعتيادي، بل تتسم بانكشاف عميق في البنية السياسية الفلسطينية، وتراجع اليقينيات التي حكمت المرحلة السابقة.
فلم تعد المسألة تتعلق بتجديد الأطر التنظيمية أو إعادة توزيع المواقع داخل الحركة، بل بسؤال أعمق يتعلق بطبيعة الدور الذي تؤديه فتح اليوم، وبالموقع الذي تشغله داخل المشروع الوطني الفلسطيني.
لقد شكّلت فتح منذ انطلاقتها إطارا وطنيا واسعا تجاوز فكرة الحزب التقليدي، واستند إلى تمثيل جماعي لفلسطينيين موزعين بين المخيمات والمنافي والداخل المحتل، حيث استمدت شرعيتها من قدرتها على الجمع بين الفعل الوطني، وإعادة إنتاج الهوية الجامعة، وفتح أفق سياسي للتحرر.
غير أن التحولات التي شهدتها القضية الفلسطينية خلال العقود الماضية، خصوصا بعد اتفاق أوسلو ونشوء السلطة الفلسطينية، لم تغيّر أدوات الحركة فحسب، بل أعادت تعريف وظيفتها ومجال عملها، بما يجعل من الضروري إعادة طرح أسئلة تأسيسية تتجاوز الاعتبارات التنظيمية المباشرة.

لماذا هذه الورقة؟
لا تأتي هذه الورقة بوصفها دفاعا عن حركة فتح أو إدانة لها، بل محاولة لطرح سؤال أعمق: هل تعيش الحركة أزمة قيادة وتنظيم فقط، أم أزمة وظيفة تاريخية؟
إذ تنحصر معظم النقاشات الفلسطينية حول فتح بين اتجاهين: خطاب يُرجع الأزمة إلى أشخاص أو أخطاء سياسية، وخطاب يستعيد الماضي بوصفه نموذجا مكتملا ينبغي العودة إليه. غير أن كلا الاتجاهين يبقيان داخل مستوى الوصف، دون مساءلة التحول الأعمق الذي أصاب بنية الحركة ووظيفتها.
أما السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، خصوصا مع اقتراب المؤتمر الثامن، هو: ماذا يحدث لحركة تحرر حين تدخل السلطة قبل تحقق التحرير؟ وهل ما تزال قادرة على إنتاج معنى جديد لوجودها، أم أنها تدافع عن معنى انتهت شروطه التاريخية؟

أولًا: أزمة فتح ليست أزمة أفراد، بل أزمة انتقال تاريخي
أزمة حركة فتح ليست مجرد أزمة قيادة أو فساد أو تشظ تنظيمي فحسب، فهذه جميعها مظاهر سطحية لأزمة أعمق تتعلق بتحول تاريخي أصاب الحركة منذ انتقالها من منطق الثورة إلى منطق السلطة.
في مرحلة الثورة، شكّلت فتح مشروعا وطنيا مفتوحا، استمد شرعيته من الكفاح الوطني، ومن تمثيل الشتات الفلسطيني، ومن إعادة إنتاج الهوية الوطنية الفلسطينية بوصفها هوية جامعة تتجاوز الجغرافيا، بما أسس لمجال وطني مفتوح على التعدد والتعبئة.
غير أن قيام السلطة الفلسطينية لم يقتصر على تغيير الأدوات أو البنية التنظيمية، بل أعاد تعريف وظيفة الحركة نفسها، بحيث انتقل مركزها من إنتاج الفعل الوطني التحرري، إلى إدارة الواقع السياسي للسلطة ضمن شروط الاحتلال.

ثانيًا: الثورة والسلطة ليسا الشيء نفسه
الثورة ليست سلطة مؤجلة، بل منطق سياسي مختلف. فهي تنطلق من سؤال: كيف نغيّر الواقع؟ بينما تنطلق السلطة من سؤال: كيف ندير الواقع؟
الثورة تستمد شرعيتها من الصراع، في حين تستمد السلطة شرعيتها من الاستقرار. الثورة تقوم على التعبئة، بينما تقوم السلطة على الإدارة.
الثورة تتحرك داخل أفق التحرير، أما السلطة فتتحرك داخل شروط الممكن. ومن هنا يبدأ التمايز بين المنطقين.
غير أن هذا التمايز لا ينبغي فهمه بوصفه تعارضا مطلقا، بل بوصفه علاقة جدلية داخل حقل سياسي واحد، إذ لا توجد ثورة بلا حد أدنى من التنظيم والإدارة، كما لا توجد سلطة بلا قدر من الشرعية المستمدة من الفعل الصراعي.
الإشكال لا يكمن في الانتقال من الثورة إلى السلطة بحد ذاته، بل في اختلال التوازن بينهما، حين تتحول السلطة إلى مركز مغلق يعيد تعريف السياسة بوصفها إدارة للواقع، ويقطع صلتها بمصادر الشرعية التي أنتجتها.
بذلك، لا تنشأ الأزمة من وجود سلطة مقيدة تحت الاحتلال، بل من عجزها عن إعادة تغذية نفسها من الفعل التحرري، أو عن إنتاج آليات تضمن استمرار هذا الفعل داخل بنيتها بدل انفصاله عنها.
وقد اتخذ هذا الاختلال أبعادا أكثر وضوحا في السياق الفلسطيني بعد عملية “طوفان الأقصى” في تشرين الأول/أكتوبر 2023، وما تلاها من حرب ابادة جماعية في قطاع غزة ومخيمات الضفة الغربية ما تزال تتواصل للعام الثالث على التوالي، وما رافقها من إعادة تشكيل عميقة لمعادلات القوة المرتبطة بالقضية الفلسطينية.
فقد كشفت هذه المرحلة ليس فقط حدود الفعل السياسي القائم، بل حدود النموذج الذي حكم العلاقة بين الفعل والمقاومة والتمثيل منذ نشوء السلطة الفلسطينية، حيث برز انفصال متزايد بين كثافة الفعل المجتمعي من جهة، وعجز البنية السياسية عن استيعابه أو تحويله إلى مسار سياسي منظم من جهة أخرى.

ثالثًا: قانون التحول من الثورة إلى السلطة
تشير التجارب التاريخية لحركات التحرر إلى وجود نمط متكرر: فعند انتقال هذه الحركات إلى موقع الحكم، تبدأ عملية تحول تدريجي في بنيتها ووظيفتها، لا تحدث بالضرورة نتيجة خيانة أو انحراف، بل نتيجة تبدل طبيعة الدور السياسي نفسه.
يمكن تمييز هذا التحول، في صورته العامة، عبر ثلاث مراحل مترابطة:
1. تشكل النخبة الثورية:
في المرحلة الأولى، تنتج الثورة نخبة تتكون من مقاتلين، مثقفين، كوادر تعبئة، وشبكات قائمة على التضحية والعمل التنظيمي، حيث يكون معيار الشرعية مرتبطا بالفعل النضالي المباشر.
2. نشوء الجهاز الإداري:
مع الانتقال إلى موقع السلطة، يبدأ تشكل جهاز إداري وبيروقراطي، يتوسع فيه دور المؤسسات والتمويل والأجهزة الأمنية، وتظهر تدريجيا طبقة سياسية - إدارية ترتبط مصلحيا ووظيفيا بإدارة الواقع أكثر من ارتباطها بالفعل الثوري.
3. إعادة ترتيب الأولويات:
في هذه المرحلة، يتحول السؤال المركزي من: كيف ننتصر؟ إلى: كيف نحافظ على الاستقرار؟ وهنا لا يحدث تغيير سطحي في الخطاب، بل يبدأ تحول في البنية الحاكمة للفعل السياسي.
غير أن هذا التحول لا ينبغي فهمه كمسار آلي حتمي، فالبنية السياسية لا تُنتج النتائج بشكل مباشر، بل ترسم حدود الممكن داخلها، بينما تتحدد المسارات الفعلية عبر قرارات فاعلين سياسيين يتنافسون على تعريف اتجاه هذا الممكن وحدوده.
لذلك، فإن التحول البنيوي لا يُفهم باعتباره قدرا مغلقا، بل كساحة صراع داخلية بين فاعلين يسعون إلى إعادة توجيه المسار أو تثبيته أو تسريعه، ما يجعل العامل الذاتي عنصرا حاسما في تحديد شكل الانتقال ونتائجه.

رابعًا: تجارب حركات التحرر العالمية وحدود النموذج المقارن
لا تُقدَّم تجارب فيتنام والجزائر وجنوب أفريقيا هنا بوصفها نماذج معيارية قابلة للمطابقة مع الحالة الفلسطينية، بل بوصفها أنماطا تاريخية مختلفة لمسارات إغلاق لحظة التحرر، تُظهر أن انتقال حركات التحرر لا يتخذ مسارا واحدا، بل يتحدد وفق ثلاثة عناصر حاسمة: طبيعة الاستعمار، لحظة الحسم (عسكريا أو تفاوضيا)، وشكل الدولة التي تتشكل في مرحلة ما بعد التحرر.
غير أن هذه المقارنة لا يمكن فهمها بمعزل عن شرط بنيوي مشترك في هذه التجارب، يتمثل في تحقق درجة من السيادة السياسية، أو الوصول إلى تسوية تنهي البنية الاستعمارية المركزية، بما سمح بإعادة تموضع حركة التحرر داخل دولة مكتملة أو شبه مكتملة السيادة.
أما الحالة الفلسطينية، فتقع خارج هذا الشرط التكويني، إذ لم يسبق قيام السلطة الفلسطينية تفكيك البنية الاستعمارية، بل تزامن وجودها معها واستمر داخلها، ما جعل وظيفة السلطة مختلفة جذريا عن كل الحالات المقارنة.
ففي فيتنام، تحقق إنهاء الاحتلال الأجنبي في سياق حرب شاملة ضد الولايات المتحدة الأمريكية ضمن نظام دولي ثنائي القطبية، وحظيت بدعم الصين والاتحاد السوفييتي، ما أفضى إلى انتقال حركة التحرر إلى دولة مركزية ضمن سيادة مكتملة نسبيا، حيث جاء التحول من الثورة إلى الدولة بعد تحقق شرط الحسم.
وفي الجزائر، انتهى نموذج الاستعمار الاستيطاني المباشر بعد مقاومة ممتدة، بانسحاب القوة الاستعمارية وتأسيس دولة وطنية، رغم انتقال لاحق للصراع إلى داخل البنية السياسية للدولة، إلا أن لحظة التحرر تأسست على تفكيك النظام الاستعماري نفسه.
أما جنوب أفريقيا، فقد جرى تفكيك نظام الفصل العنصري، بعد مقاومة طويلة وفاعلة، عبر تسوية تفاوضية أعادت تعريف الدولة دون تفكيك بنيتها الاقتصادية بالكامل، بما جعل التحرر سياسيا جزئيا، لكنه تحقق ضمن انتقال واضح من نظام فصل عنصري إلى نظام دولة معاد تشكيله.
ورغم هذا التباين في طبيعة الاستعمار ومسارات الانتقال، فإن القاسم المشترك في هذه التجارب هو أن حركات التحرر لم تنتقل إلى موقع السلطة إلا بعد تحقق انفصال نسبي أو كلي عن البنية الاستعمارية المركزية، سواء عبر الحسم العسكري، أو الانسحاب المباشر، أو التسوية السياسية.

خامسا: الحالة الفلسطينية كاستثناء بنيوي
تكشف الحالة الفلسطينية انحرافا جذريا عن النمط التاريخي العام لحركات التحرر، إذ لم يحدث فيها انتقال من الثورة إلى السلطة بعد لحظة التحرير، بل تشكّلت السلطة داخل بنية استعمارية استيطانية إحلالية ما تزال قائمة ومتمددة، وأعادت إنتاج نفسها عبر أدوات متعددة، من بينها الاستيطان، والسيطرة الأمنية، والاقتصاد التابع، وتفكيك الجغرافيا السياسية.
وهنا لا يتعلق الأمر بخصوصية ظرفية أو اختلاف في الدرجة، بل بـاستثناء بنيوي يتمثل في أن السلطة لم تنشأ بعد نهاية الاستعمار، بل داخل استمراره، ولم تنتج سيادة سياسية، بل تحولت إلى جزء من إدارة شروط غيابها.
وبهذا المعنى، لا تُستخدم المقارنة مع التجارب التاريخية السابقة لإثبات أن الحالة الفلسطينية “تأخرت” عن النموذج، بل لإظهار أن النموذج نفسه لم يعد صالحا كمرجعية تفسيرية مكتملة، في ظل تحول شروط إنتاج السلطة ووظائفها.
فما هو استثنائي في الحالة الفلسطينية لا يقتصر على استمرار الاحتلال، بل يتمثل في التزامن البنيوي بين السلطة والاستعمار، بما أدى إلى إعادة تعريف وظيفة السلطة من أداة انتقال نحو السيادة، إلى أداة لإدارة واقع مقيد بشروط المستعمر والمانحين، ما أسهم في تكريس الاحتلال.
وعليه، فإن ما تكشفه المقارنة ليس مجرد اختلاف في المسارات، بل حدود النموذج المقارن ذاته، إذ بينما تعمل حركات التحرر الأخرى داخل منطق “ما بعد الاستعمار”، تتحرك الحالة الفلسطينية داخل منطق “الاستعمار الاستيطاني الإحلالي المستمر”، وهو ما يجعلها نموذجا متفردا في التاريخ قديمه وحديثه.

سادسًا: ما بعد الانسداد
في ضوء ما سبق، لا تبدو الأزمة الراهنة مجرد تعثّر في الأداء أو اختلال في العلاقة بين الفعل والتنظيم، بل تعبيرا عن انسداد أعمق يتصل بشكل السياسة ذاته كما تشكّل تاريخيا في الحالة الفلسطينية، أي بالبنية التي تنتج الفعل السياسي وتعيد توزيع الشرعية داخله.
ما نواجهه اليوم لا يتمثل فقط في غياب حامل سياسي قادر على تحويل الفعل إلى مسار، بل في تحوّل البنى القائمة إلى ما يشبه “فخا بنيويا” يعيد إنتاج الانفصال الذي وُجد أصلا لتجاوزه، عبر إعادة تدوير علاقات الشرعية والتمثيل دون إعادة تأسيس شروطها: شرعية تُحتكر ولا تُترجم، فعل يتكثف ولا يُنقل، وسياسة تُدار بدل أن تُصاغ.
وفي هذا السياق، لا يمكن فهم إمكان التغيير من خلال مركز قوة واحد، كما اشار المقال السابق، إذ تتوزع القدرة الفعلية على التأثير بين أربعة مستويات رئيسية: الفاعل المؤسسي (السلطة)، الفاعل التنظيمي (الحركات)، الفاعل المجتمعي (الشارع والشتات)، والفاعل الخارجي (الإسرائيلي والعربي والإقليمي والدولي). غير أن أيا من هذه المستويات لا يمتلك قدرة حسم منفردة، ما يجعل السياسة الفلسطينية قائمة على توازنات قوة غير مكتملة، تُنتج انتقالات أكثر مما تُنتج تحولات.
وما تكشفه هذه البنية لا يقتصر على عجز الحوامل السياسية القائمة عن أداء وظيفتها، بل يمتد إلى مساءلة أعمق لنموذج “الحامل السياسي المركزي” ذاته، إذ إن الأزمة لا تتعلق فقط بمن يمارس التمثيل، بل بشكل التمثيل نفسه كما تم افتراضه تاريخيا.
في الحالة الفلسطينية، لا يظهر الحامل السياسي المركزي بوصفه غائبا أو ضعيفا، بل بوصفه افتراضا نظريا لوحدة سياسية مكتملة داخل بنية استعمارية غير مكتملة. وكلما أُعيد إنتاج هذا الحامل، أعاد اختزال التعدد البنيوي للفعل الفلسطيني بدل تنظيمه، وأعاد إنتاج الانفصال بين الشرعية ومصادرها بدل تجاوزه.
وعليه، لا يعود السؤال مقتصرا على كيفية إعادة بناء الحامل السياسي، بل يمتد إلى مساءلة افتراضه ذاته: هل ما يزال ممكنا اختزال الفعل المجتمعي في مركز واحد دون إعادة إنتاج الانفصال الذي يُفترض أنه وُجد لتجاوزه؟
أما أفق الخروج، فلا يبدأ من استعادة ما كان، ولا من إعادة إنتاج الحامل بصيغته التقليدية، بل من إعادة تأسيس العلاقة بين الفعل والشرعية بوصفها عملية مفتوحة داخل المجتمع الموزع جغرافيا، لا ملكية مغلقة تُدار من الأعلى.
وعليه، لا يتحدد مستقبل حركة فتح - ولا النظام السياسي الفلسطيني عمومًا - بقدرتها على البقاء، بل بقدرتها على التحول: من موقع “الحامل المكتمل” الذي يحتكر الشرعية، إلى جزء من عملية مفتوحة لإعادة إنتاجها، حيث لا يُقاس النجاح بامتلاك المركز، بل بالقدرة على منع تحوله إلى أداة لإعادة إنتاج الانقسام والتشظي الذي وُجد أصلا لتجاوزه.
وفي هذا السياق، يمكن فهم السلطة الفلسطينية بوصفها تركيبا سياسيا استثنائيا: لا هي دولة مستقلة، ولا إدارة استعمارية مباشرة، ولا حركة تحرر، بل بنية هجينة تعمل تحت استعمار استيطاني إحلالي عنصري وظيفي لا بعد انتهائه، وتجمع بين وظيفة الإدارة، وغياب السيادة، واستمرار السيطرة الاستعمارية والتمدد الاستيطاني، وتقييد المجال الجغرافي، والاعتماد المالي والسياسي.
ويظهر هذا الطابع الهجين بوضوح في حالات مثل التنسيق الأمني، حيث تُمارس السلطة وظائف إدارية وأمنية في سياق لا تمتلك فيه سيادة فعلية على الأرض، أو الموارد، أو الحدود، أو المجال الجوي. ما يجعل جزءا من وظائفها مرتبطا بإدارة واقع الاحتلال نفسه، لا تجاوزه، وهو ما يضعها في موقع بنيوي مختلف عن أي نموذج دولة ما بعد الاستعمار.

سابعًا: كيف أعادت السلطة تشكيل الحركة؟
المشكلة لا تكمن في أن الحركة استخدمت السلطة، بل في أن السلطة أعادت تشكيل الحركة نفسها، عبر إعادة إنتاج بنيتها الداخلية ومحددات الفعل السياسي فيها. وقد تجلّى هذا التحول في ثلاثة مستويات مترابطة:
1. تحوّل النخبة:
انتقلت النخبة السياسية من سياق ثوري قائم على العمل النضالي والتعبئة في الخارج والميدان، إلى نخبة يُعاد إنتاجها داخل البنية المؤسسية للسلطة. حيث أصبح التموضع في الأجهزة الأمنية والبيروقراطية والمالية هو المدخل الأساسي للصعود السياسي، بدلا من الارتباط بالفعل النضالي المباشر.
2. تحوّل اللغة السياسية:
تراجع خطاب التحرير والمواجهة لصالح خطاب الإدارة والاستقرار وبناء المؤسسات، بما يعكس انتقال مركز الفعل السياسي من تغيير الواقع إلى تنظيمه ضمن حدوده القائمة.
3. تحوّل معيار النجاح:
لم يعد النجاح يُقاس بمدى القدرة على التحرر وإحداث تغيير في موازين القوة، بل بمدى القدرة على منع الانهيار، وضمان استمرارية التمويل، والحفاظ على انتظام البنية القائمة، حتى في ظل غياب أفق سياسي فعّال.
ولا تتجلى إشكالية الحالة الفلسطينية في غياب القوة، بل في تشتتها البنيوي بين فاعلين يملكون أجزاء متفرقة من أدوات التأثير، دون أن يمتلك أي منهم القدرة على تحويلها إلى قرار سياسي جامع.

ثامنًا: أزمة التمثيل الوطني
أحد أخطر التحولات في الحالة الفلسطينية يتمثل في انتقال مركز السياسة من “الشعب” بوصفه وحدة سياسية جامعة، إلى “الجغرافيا” بوصفها إطارا محددا للتمثيل.
إذ باتت السلطة تمثل سكان مساحة جغرافية محدودة (حوالي 22% من أرض فلسطين التاريخية)، يقطنها ثلث الشعب الفلسطيني داخل الضفة الغربية وقطاع غزة (5.7 مليون)، في حين يعيش الثلثين خارج هذا الإطار الجغرافي، سواء داخل أراضي 1948(1.8 مليون) أو في المنافي ومخيمات اللجوء (7.5 مليون)
ويتجلى هذا التحول بوضوح في أن جزءا كبيرا من القرارات السياسية اليومية بات يُصاغ ضمن سياق جغرافي محدود داخل الضفة الغربية وقطاع غزة، بينما تُستثنى عمليا الفضاءات الفلسطينية خارج هذا الإطار. وبهذا المعنى، تتجلى فجوة تمثيل بنيوية بين المجال السياسي الذي تُنتج فيه السلطة قراراتها، وبين المجال الاجتماعي والديمغرافي الأوسع للقضية الفلسطينية.
فبينما ترتبط السلطة بالجغرافيا وإدارتها، يرتبط الفعل الوطني التاريخي للفلسطينيين بالشعب بوصفه كيانا موزعا يتجاوز حدود المكان، ما يجعل أزمة التمثيل ليست أزمة تقنية، بل أزمة تعريف لموضوع السياسة ذاته: هل هو الأرض أم الشعب؟

تاسعًا: مكانة الشتات في المشروع الوطني
لا تقتصر أهمية الشتات في الحالة الفلسطينية على كونه يمثل نصف الشعب الفلسطيني فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى كونه أحد العناصر التأسيسية في بنية القضية الفلسطينية نفسها، بوصفها قضية شعب تعرّض للاقتلاع والتشتت عبر جغرافيات متعددة.
إذ يشكّل الشتات في هذا السياق أكثر من مجرد امتداد ديموغرافي، فهو يحمل أبعادا سياسية وتاريخية مركزية، من بينها ذاكرة الاقتلاع، وحق العودة، وإعادة إنتاج الهوية الوطنية خارج حدود الجغرافيا، بما يجعل منه فضاء عابرا للمكان لا يمكن اختزاله في موقع سكاني.
غير أن التحولات التي شهدتها البنية السياسية الفلسطينية خلال العقود الأخيرة أدت إلى تراجع حضور الشتات في دوائر القرار السياسي والمؤسساتي، ما انعكس في انكماش المجال الوطني لصالح تمثيل أكثر ارتباطا بالجغرافيا المباشرة.
وقد أدى هذا التحول إلى إعادة تعريف ضمنية لموضوع القضية الفلسطينية، بحيث باتت تميل في بعض تمثلاتها إلى الاختزال في نطاق سكاني وجغرافي محدد، رغم أن بنيتها التاريخية تقوم على كونها قضية شعب تم اقتلاعه موزع جغرافيا، لكنه موحد في سياقه السياسي.
ومن هنا، فإن إعادة التفكير في المشروع الوطني الفلسطيني تقتضي إعادة النظر في العلاقة بين السلطة، ومنظمة التحرير، والحركة الوطنية، وتمثيل الشتات، بوصفها مستويات متداخلة في إنتاج التمثيل السياسي، وليست عناصر منفصلة أو بديلة لبعضها البعض.

عاشرًا: هل يمكن إعادة بناء حركة تحرر داخل سلطة؟
لا يُطرح هذا السؤال بوصفه سؤالا تنظيميا فحسب، بل بوصفه سؤالا نظريا لا يقتصر على فتح، يتعلق بإمكان استعادة وظيفة حركة تحرر داخل بنية أعادت تشكيلها. أي: هل يمكن لحركة تحرر أن تستعيد دورها في الفعل السياسي وهي تعمل داخل نظام أعاد تعريف أدواتها وحدودها؟
يمكن، في هذا السياق، تصور ثلاث احتمالات رئيسية:
1. الاندماج الكامل:
تحوّل الحركة إلى حزب سلطة بالمعنى الكامل، حيث تتماهى وظيفتها مع إدارة الواقع السياسي القائم.
2. الانفصال الكامل:
خروج الحركة من بنية السلطة وإعادة تموضعها خارجها، وهو خيار نظري ممكن لكنه شديد التعقيد من الناحية العملية.
3. إعادة توزيع الوظائف:
وهو الاحتمال الأكثر واقعية، ويقوم على الفصل النسبي بين الأدوار:
السلطة بوصفها أداة لإدارة الشأن العام داخل جغرافيا محددة، والحركة بوصفها إطارا للفعل السياسي التحرري، ومنظمة التحرير بوصفها مجالا للتمثيل الجامع.
غير أن هذا التصور لا يمكن أن يبقى في مستوى الطرح النظري أو التوفيقي، ما لم يُترجم إلى مسار تحولي واضح يحدد فاعليه وآلياته، إذ إن الإشكال في الحالة الفلسطينية لا يكمن فقط في تداخل الوظائف، بل في غياب القدرة على إعادة فصلها دون الوقوع إما في إعادة إنتاج الاحتكار أو في تفكك البنية السياسية.
ومن هنا، فإن الانتقال من الوضع القائم لا يتم عبر قرار إداري أو تنظيمي مفاجئ، بل عبر مسار تدريجي صراعي داخل البنية نفسها، يمكن تمييزه في ثلاث مراحل مترابطة:
المرحلة الأولى: فك الالتباس السياسي
عبر تثبيت إدراك واضح بأن السلطة ليست الحامل السياسي للحركة، وأن إدارة السكان لا تختزل التمثيل الوطني. ولا يكتسب هذا الإدراك معناه من الخطاب، بل من تحوله إلى مرجعية عملية لإعادة تعريف الأدوار.
المرحلة الثانية: الفصل الوظيفي التدريجي
من خلال إعادة تعريف موقع الحركة كفاعل سياسي مجتمعي، لا كامتداد إداري للسلطة، بالتوازي مع تقليص التداخل البنيوي بين التنظيم ومواقع السلطة، خصوصا في المستويات الأمنية والبيروقراطية، بما يفتح المجال لاستعادة السياسة بوصفها إنتاجا للفعل لا إدارة له.
المرحلة الثالثة: إعادة تركيب التمثيل الوطني
عبر تفعيل منظمة التحرير الفلسطينية بوصفها إطارا وطنيا جامعا للكل الفلسطيني، يتجاوز حدود الجغرافيا السياسية، ويعيد إدماج الشتات والداخل والمجتمع في عملية إنتاج القرار، بدل اختزاله في نخب مرتبطة بإدارة الواقع. وهنا لا يعود الحامل السياسي كيانا مغلقا، بل بنية مفتوحة تتشكل من تفاعل مستويات متعددة من الفعل ضمن مرجعية وطنية مشتركة.
غير أن تحقق هذا المسار لا يتوقف على إرادة القيادة وحدها، بل يرتبط أيضا بوجود أدوات ضغط وتنظيم من القاعدة الاجتماعية، تعيد إدخال المجتمع في معادلة إنتاج السياسة عبر الأطر المجتمعية النقابية والمهنية والشبابية، بما يمنع احتواء أي تحول داخل البنية القائمة.
وبهذا المعنى، فإن “إعادة توزيع الوظائف” لا تمثل حلا تقنيا، بل إعادة توازن في الحقل السياسي الفلسطيني، لا يمكن أن تتحقق دون صراع داخلي يعيد تعريف من ينتج القرار، ومن ينتج الشرعية، وكيف تتحول هذه الشرعية إلى فعل سياسي.
وعليه، فإن أي انتقال في توزيع الوظائف لا يحدث كقرار مؤسسي مباشر، بل كمسار صراعي داخل بنية متعددة المراكز، حيث تتنافس فواعل سياسية وتنظيمية وأمنية ومجتمعية على تعريف مصدر الشرعية وحدودها . وتتحقق إعادة التوزيع فعليا فقط حين تنجح قوى اجتماعية وتنظيمية في خلق توازن ضغط مزدوج من داخل البنية وخارجها، بما يفرض إعادة تعريف العلاقة بين القرار السياسي ومصدر إنتاجه.

حادي عشر: هل يمكن العودة إلى فتح الأولى؟
لا يمكن العودة إلى الماضي، فالحركات السياسية لا تعود إلى لحظاتها التأسيسية الأولى، لأنها تتغير مع تغير السياق التاريخي والبنية التي تعمل داخلها.
لكن هذا لا يعني الانقطاع الكامل عن البدايات، بل يعني أن ما يمكن استعادته ليس “الزمن الأول”، بل القدرة على إعادة تعريف الذات في ضوء شروط تاريخية جديدة.
فالعودة هنا ليست استعادة مرحلة مضت، بل إعادة إنتاج وظيفة سياسية مختلفة، تستجيب لتحولات الواقع بدل أن تستنسخ لحظة تاريخية لم تعد قائمة.

ثاني عشر: هل ما تزال حركة فتح تملك مشروعا تحرريا؟
لا يتمثل السؤال الحقيقي اليوم فيما إذا كانت حركة فتح ما تزال قائمة بوصفها تنظيما سياسيا، بل فيما إذا كانت ما تزال تمتلك مشروعا يتجاوز مجرد الاستمرار والبقاء. فالمؤسسات يمكن أن تستمر زمنا طويلا حتى في غياب المعنى، لكن المشروع السياسي لا يُقاس بالاستمرارية، بل بالقدرة على إنتاج معنى تاريخي.
حين تصبح الأولوية محصورة في حماية البنية القائمة، وإدارة التوازنات الداخلية، وتأجيل الأسئلة الكبرى المتعلقة بالمستقبل، فإن الحركة تتحول تدريجيا إلى ما يمكن وصفه بـ“مؤسسة بقاء”، أي كيان يضمن الاستمرار دون أن يعيد إنتاج غايته السياسية الأصلية.
أما في المقابل، فإن إمكانية استعادة المعنى لا تتعلق بالعودة إلى الماضي، بل بقدرة الحركة على إعادة تعريف علاقاتها التأسيسية: مع السلطة، ومع الشتات، ومع الفعل المقاوم، ومع المنظمة ، بما يسمح بإعادة صياغة موقعها داخل المشروع الوطني بدل الاكتفاء بإدارته بصيغته القائمة.

ثالث عشر: ما الذي يجب أن يناقشه المؤتمر الثامن؟
لا ينبغي أن ينحصر جدول أعمال المؤتمر في النقاش حول الأسماء والمواقع التنظيمية وتوزيع اللجان والانتخابات الداخلية للجنة المركزية والمجلس الثوري، بل يفترض أن يتجه نحو أسئلة أكثر تأسيسية تتعلق بطبيعة الحركة وموقعها ووظيفتها التاريخية. وفي هذا السياق، يمكن صياغة عدد من الأسئلة المركزية:
أ. ما تعريف حركة فتح اليوم؟
هل ما تزال حركة تحرر، أم أنها تحولت إلى حزب سلطة، أم أنها باتت إطارا تمثيليا، أم أنها تحاول إعادة تموضعها بوصفها حاملا وطنيا؟
ب. من تمثل الحركة؟
هل يقتصر تمثيلها على سكان مناطق السلطة، أم أنها ما تزال تدّعي تمثيل الشعب الفلسطيني في كامل أماكن وجوده؟
ج. ما طبيعة علاقتها بالسلطة؟
هل ما تزال السلطة أداة في مشروع سياسي أوسع، أم أنها تحولت إلى مركز الفعل السياسي ذاته بما يعيد تعريف موقع الحركة ووظيفتها.

رابع عشر: من سؤال الإصلاح إلى سؤال الوظيفة
لا تكفي الدعوة إلى الإصلاح، فالإصلاح يفترض إمكانية ترميم البنية القائمة دون المساس بأسسها العميقة، بينما تشير الحالة الفلسطينية إلى أن الأزمة أعمق من ذلك، إذ تتعلق بطبيعة الوظيفة التاريخية نفسها.
عند هذا المستوى، لا يعود السؤال: كيف نصلح حركة فتح؟ بل: لماذا وُجدت حركة فتح أصلا، وما الذي يُفترض أن تكونه في اللحظة الراهنة؟
في هذا الإطار، لا يكتسب المؤتمر الثامن أهميته من كونه حدثا تنظيميا، بل من كونه لحظة قد تُعيد تعريف موقع الحركة داخل المشروع الوطني: هل ستواصل الدفاع عن معنى تاريخي استنفد شروطه، أم ستنجح في إنتاج معنى جديد لوجودها السياسي؟ وهو سؤال لا يتعلق بفتح وحدها، بل بحماس وجميع الفصائل والحركات، وببنية السياسة الفلسطينية كلها.
غير أن هذا الطرح، رغم وجاهته العملية، يواجه إشكالا أعمق يتجاوز مسألة إعادة توزيع الوظائف داخل البنية القائمة، إلى مساءلة إمكانية استمرار هذه الوظائف أصلا ضمن السياق البنيوي القائم.
فوجود سلطة تعمل تحت الاحتلال، لا بعده، يخلق وضعا بنيويا تصبح فيه أي محاولة للفصل الصارم بين “التحرر” و“الإدارة” عرضة لإعادة إنتاج التداخل ذاته بأشكال مختلفة، لأن السلطة، بحكم شروطها الموضوعية (التمويل، الأمن، الجغرافيا، المصالح، والتنسيق)، تتحول إلى آلية لإعادة إنتاج تقييد الفعل السياسي حتى عندما تُدار داخل بنيات موازية لها.
وهنا لا يعود السؤال محصورا في كيفية إعادة توزيع الوظائف، بل يتجه إلى مستوى أعمق: هل يسمح هذا السياق البنيوي أصلا بإعادة إنتاج حركة تحرر داخل نظام وظيفته الأساسية إدارة واقع غير مكتمل السيادة؟

خامس عشر: ما بعد الثورة والسلطة: سؤال إعادة التأسيس
لا تعود الأزمة الفلسطينية، في جوهرها، إلى خلل في الأداء أو انحراف أو قصور في القيادة فحسب، بل إلى انقطاع في وظيفة السياسة نفسها داخل بنية استعمارية استيطانية احلالية مستمرة. وفي هذا السياق، لم تعد حركة فتح - كما بقية الفاعلين - تواجه سؤال “كيف تُدار السلطة؟”، بل سؤالا أعمق: هل ما تزال السياسة الفلسطينية تُنتج مشروعا للتحرر، أم أنها تدير استمرارية واقع فقد شروط تحوله؟
إن ما انتهت إليه هذه الورقة هو أن الإشكال لم يعد قابلا للحل داخل حدود إعادة توزيع الأدوار بين الثورة والسلطة، لأن هذه الثنائية نفسها فقدت قدرتها التفسيرية الكاملة في السياق الفلسطيني. فالبنية القائمة لا تنتج سلطة مكتملة، ولا حركة تحرر مكتملة، بل حالة هجينة تُعيد إنتاج الانفصال بين الفعل والتمثيل، وبين الشرعية ومصادرها.
وعليه، فإن أي استعادة للمعنى السياسي لا تمر عبر “إصلاح” البنية القائمة، بل عبر إعادة تعريف شروط السياسة ذاتها: من مركزية الاحتكار إلى تعددية الفعل، ومن تمثيل مغلق إلى تمثيل مفتوح، ومن إدارة الواقع إلى إعادة إنتاج القدرة على تغييره.
بهذا المعنى، لا يتعلق مستقبل حركة فتح - ولا النظام السياسي الفلسطيني عموما – بقدرة الحركة على التكيف مع الواقع القائم، بل بقدرتها على طرح سؤال جديد جذري: هل ما تزال السياسة الفلسطينية أداة لتحرير ممكن، أم أنها أصبحت إطارا لإدارة استعمار مستمر بأشكال سياسية محلية؟
الإجابة عن هذا السؤال ليست نظرية فقط، بل هي ما سيحدد إن كانت المرحلة المقبلة ستشهد إعادة تأسيس للمشروع الوطني، أم استمرارا لتآكل شروطه التاريخية.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...