وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا… إلى آخِرِ الآية

عنوان هذه المقالة، هو الآية رقم 103 من سورة آل عمران. والآية كاملة، هذا هو نصُّها : "وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ".

هذه الآية الكريمة تعبير إلهي يبيِّن لنا، بوضوح، على أن اللهَ، سبحانه وتعالى، يريد الخيرَ لعبادِه. "وَاعْتَصِمُوا" تعني تمسَّكوا. و"حبلُ" الله يمكن أن يكونَ القرآن الكريم ويمكن أن يكونَ دينَ الله الذي أراده، سبحانه وتعالى، للناس جميعاً، والذي هو الإسلام. والاعتصام بحبل الله يمكن أن يكون تمسُّكاً إما بالقرآن الكريم أو بدينِه الذي هو الإسلام أو بهما معا.

وحتى إن كانت هذه الآية موجهة للأوس والخزرج، بصفة خاصة، فلا شيءَ يمنع لتكونَ موجهةً لجميع المسلمين المؤمنين. وحتى إن كانت موجهة للمسلمين فقط، ففيها حكمة تهم الناس أجمعين، وهي الاعتصام بحبل الله، أي التَّمسُّك بالقرآن وبالإسلام. وما يزكِّي أن كلامَ الله، سبحانه وتعالى، موجَّهٌ، في هذا الجزء من الآية، للناس أجمعين، هو أنه، سبحانه وتعالى، لم يُحدِّد مَن هي الفئة الموجه لها الكلام.

ولهذا، ما دام كلامُ الله فيه حكمة، فالأرجح هو أن يكونَ موجَّهاً للناس أجمعين. لماذا؟ لأن الله، سبحانه وتعالى، يريد الخيرَ للبشرية جمعاء، وليس لفئةٍ من الناس دون أخرى. والتَّمسُّك بالقرآن وبدينه فيه فوائدٌ للناس أجمعين. ومن ضمن هذه الفوائد، يأتي التَّقرُّب من الله، سبحانه وتعالى. فما هي أهداف الاعتصام بحبل الله؟

الأهداف التي سعى ويسعى، سبحانه وتعالى، لتحقيقها، من خلال الاعتصام بحبله، أذكرُ من بينها ما يلي :

1.الهدف الرئيسي هو أن الإرادةَ الإلهية، واضحةٌ وضوحَ الشمس في القرآن، أي أن الاعتصامَ بالقرآن وبالإسلام، فيهما منفعة مادية ومعنوية، وخيرٌ لجميع الناس.

2.الاعتصام بحبل الله فيه هدايةٌ لجميع الناس. والهداية تقتضي، حسب ما نصَّ عليه القرآن الكريم، حرية الاختيار بين الصراط المستقيم والضلال. لماذا؟ لأن حريةَ الاختيار تعني أن الشخصَ الذي يختار، يتحمَّل مسؤوليةَ اختياره.

3.الاعتصام بحبل الله يجعل الناسَ ينبذون التفرقة، أي يوحِّد بينهم التشبُّث بالقرآن وبالإسلام، وخصوصا، ترك النزاعات والحروب.

4.الاعتصام بحبل الله يعني الميول إلى السلم la paix وتغذية أو تحويل النفس البشرية من حسنٍ إلى أحسن وتجاوز ما هو صعب وإدراك الإرادة الإلهية التي تريد الخيرَ للناس والابتعاد عن كل ما من شأنِه أن يدفعَ النفسَ البشريةَ لارتكاب المعاصي… فهل، فعلا، الناسُ (البشرية) ومن ضمنهم، المسلمون، مُعتصمون بحبل الله؟

لا، ثم لا، ولاشيءَ غير لا! البشرية متفرِّقةٌ أكثر من أي وقتٍ مضى، ولا ترى في علاقاتها مع البشر الآخرين إلا مصالحها الخاصة، وإن عادت هذه التَّفرِقة على وسط العيش، بما ليس فيه خيرٌ للبلاد والعباد. ويبدو أن هذه التفرقة مُلازمة للناس منذ ظهور الإنسان العاقل على وجه الأرض. والدليل على ذلك أن انبياءَ ورسُلَ الله الذين أرسلهم الله لعبادِه لهدايتهم، عانَوا من الصِّعاب ما هو قاسي، أي ما هو صعبٌ تحَمُّلُه. وعلى رأس هذه الصِّعاب المقاومة الشَّرِسة أو الرفض لِما أمرهم الله بتبليغِه للناس. فضلا عن التَّكذيب le démenti والمضايقات les persécutions التي اشتكوا منها.

أما آخر الرسل والأنبياء، محمد (ص)، فقد اشتكى إلى الله، سبحانه وتعالى، أن الناسَ الذين آمنوا برسالتِه. هجروا القرآنَ، أي لم يعد بالنسبة لهم مرجِعاً للحياة. وقد قال، في شأن هذا الهجر، في الآية رقم 30 من سورة الفرقان : "وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَـٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا".

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...