علجية عيش.. حديث الجمعة.. الزندقة بين الدين و السياسة



استعمل الإسلاميون لفظ الزندقة كشكل من اشكال الخروج عن التعاليم الدينية في العصر الإسلامي المبكر على أولئك المسلمين الذين اعتنقوا الإسلام اسما لكنهم ظلوا يمجدون في الخفاء "المانوية" نسبة إلى مؤسسها النبي الفارسي ماني في القرن الثالث الميلادي في الإمبراطورية الساسانية و عرف أتباعها في العصر العباسي بالزنادقة و غيرها من الديانات الإيرانية القديمة، و نتيجة للمحنة التي عمّت في عهد الخلفاء العباسيين ( المنصور و المهدي و الهادي) توسع مفهوم الزندقة ليشمل جميع الناس و خاصة المفكرين الذي يدعون إلى أفكار غير تقليدية ، و في وقت لاحق ألصقت تهمة الزندقة بكل شخص يتبنى أفكارا نابعة من الحداثة، و كل من يدعو إلى إعادة قراءة النص الديني، و وصف مفكرٍ بأنه زنديق يعني أنه انشق عن جميع الأفكار الدينية، و بلغ الأمر إلى حد اتهامه بالإلحاد، و هكذا استعملت كلمة إلحاد مرادفة لكلمة زندقة في العهد العثماني، و تم توظيفها سياسيا من قبل الأصوليين.

فكلما يعرض النص الديني (القرآن) إلى القراءة هو بالنسبة لهم تأويل وصاحبه زنديق، كما استعمل الأصوليون لفظ زنديق سياسيا في محاربتهم أنصار المذاهب الشيعية و المدارس الصوفية، و في النقاش الإسلامي الحديث استعملت تهمة الإلحاد لقمع المنشقين دينيا ، حيث ارتبطت بالتكفير، و لعب مفهوم التكفير دورا كبيرا في الجدل الحاد الذي دار بين الوهابيين و الجماعات الإسلامية المتطرفة من جهة و خصومهم من جهة أخرى، أما في التشريع الإسلامي يُعَبّر مفهوم الانشقاق الديني بـ: "الردّة " حيث احتل مكان الصدارة، و هذا التعبير هو الأٌقرب لاستعمال كلمة منشق dissident، في تاريخ الفكر الأوروبي، لأنه يعبر عن الانشقاق الديني و الجماعة السياسية.

لم تكن الردّة تصرفا دينيا يعني الارتداد عن الإسلام فحسب ، بل وظفت سياسيا كذلك و هي تعني ترك المجتمع الإسلامي، أي فكّ الرابطة بين الشخص و جماعة إسلامية، و الردّة نشأت أيام الصحابي أبو بكر الصديق عندما انسحبت القبائل العربية من الحلف الذي أبرم مع النبي (ص) و مجتمع المدينة، أما الردّة في الوقت الحالي استعملها القانون ، حيث يسلط على المرتد حكم الإعدام و طبقت في بعض الدول العربية مثل السعودية و باكستان و السودان، و تجسدت كذلك في قضية سلمان رشدي، عكس المجتمع الغربي فالأمر عندهم بديهي، إلى أن تحول لفظ الزندقة قضية فكرية تناقش في الندوات و الملتقيات لمعرفة أو للتفريق بين ما هو الثابت و ما هو المتغير في الإسلام و ماتزال هذه المسألة موضع خلاف بين الباحثين خاصة ما تعلق بالقراءات الحداثية للنص الديني .

لقد حاول أصحاب التطور الفكري إزالة التناقضات بين التديّن الإسلامي و العقلانية العلمية الحديثة، أما في الجزائر فقد أصبحت كلمة زنديق على كل من يخالف الفكر و الرأي أو الخروج عن القديم حتى لو تعلق الأمر بقضايا أخرى خارج الدين، و إن دل هذا على شيئ، فإنما يدل على أن الفكر لم يعد يقنع بأن تظل حيث هو، أو حيث كان، أو أراد له البعض ان يكون من موقعٍ قدسِيٍّ، حتى لو كان غير حقيقي و هؤلاء هم خصوم العقل الذي أكرم به الله آدم و ذريته و فضّلهم على كل مخلوقاته ، و كأنهم يريدون إلغاء العقل ، ثم أن هناك من يريد طبعا أن تكون السياسة حاضرة في الفكر.

فهناك أكاديميات تسيّرها إطارات متحزبة ، و هناك من يسيّس الجامعة و لإقحامها في العمل السياسي ، و السياسة في مثل هذه الصيغة طرف ثابت في معادلة، طرفها الآخر يتغير بتغير أشكال الفكر و الكتابة، و بين الطرفين تعارض خفي ، فقد تجده يتعامل معك بطريقة قد تزعجك كلما ناقشته لإبعادك، فيدفعك إلى أن تبادر أنتَ بالانسحاب، لأن وجودك في نظره من أجل التشويش عليه ليس إلا، هي صورة من صور " إلغاء الآخر" المخالف و هو بذلك يسعى إلى تجريد العقل من التفكير .
علجية عيش

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...