عصري فياض - ترامب... حالة انهيار في القيم الانسانية

الحرب الامريكية "الإسرائيلية" على ايران تحتل القسم الأكبر من المشهد الدولي منذ اكثر من ستين يوما،وهذا الحال دفع وباهتمام بالغ في متابعة ما يصدر عن الطرف الأمريكي والايراني من خطابات وتصريحات او تغريدات أو رسائل،ما يصدر عن ايران لا يثير التعجب،ولا يدخلك في متاهة التحليل،اما ما يصدر عن الولايات المتحدة الامريكية والتي يحتكره غالبا الرئيس الأمريكي دولاند ترامب ضمن ضخ غير مسبوق من التصريحات وبمعدل شبه يومي تجبر المتابع والمراقب والمحلل السياسي والإعلامي والمهتم في التدقيق في كل كلمة وكل تصريح يخرج عنه كزعيم اكبر دولة على وجه الكوكب،واكاد أجمع أن حالة الصديق والعدو والمحايد الذي يتمسمر أمام شاشات القنوات التلفازية يصاب بتضاغت وتخلخل في الانفعالات الداخلية،واسترخائها صعودا وهبوطا في الدقيقة الواحدة،وأيضا تتطاير الشرر من على سطح دماغه المتابع التي تنعكس نزولا على خلايا المخ لتكسيه بلون الحيرة والمتاهه،فيعمد على هز راسه يسارا ويمينا بسرعة عدة مرات لعله يتخلص من هذا الشعور،اما بالنسبة للمعدة فحدث ولا حرج،فالغثيان حالة استيطانية في تلك الدقائق او الساعات،وما بعدها من تفكير تخلقه تلك الاقوال على شكل خيال متعارك...
انا لن اتحدث عن الموقف ونقيضه في نفس السطر،ولا عن جمع الاضاد في جملة واحدة،ولا عن الحركات التي يبدأ به الخطاب سواء الرقصة بلكمات اليدين المقبوضين او الإشارة المفاجئة بالاصبع نحو احد الحاضرين من مدعويين كبار او صحفيين،او التحرك يمينا ويسارا ليس بالجسد فقط،بل بليّ الفم المرافق بالحركة اما مع اما عكس، او مسك المنتضدة امامه مرة وتركها مرة ثانية،او الالتفات المفاجئ للخلف مع تلعيق او سخرية بأحد الحاضرين،او عن تركه المكان الذي يتحدث فيه وترك ظهره لمن كانوا يصغون له قبل قليل مهما كانت مناصبهم او مكانتهم دون اكتراث... لا فهذه الحركات،نابعة من النرجسية التي عززتها فيه ربما لعبة المصارعة الحرة التي طالما كانت هوايته وممارسته عندما كان في سن الشباب... انا اريد أن اتحدث عن محركاته الباطنية التي تدفع به الى اتخاذ المواقف بطعم الاستعلاء والتكبر والاستخفاف بالاخرين،بل اهانتهم مهما قدموا له وانطووا تحت لواءه بالفاظ مشينة،او من كانوا ضمن مكتبه المقرب،او من كانوا في الحزب الاخر المنافس له سواء من حكموا ورحلوا او من بقي على قيد الحياة...
هذه المحركات الباطنية التي تطلق لسانه قادمة من كونه تاجر رضع من شوائب مدرسة الصفقات،وكأن الشعوب والأمم بضائع ممكن تطويعها وبيعها وشراؤها او شراء مواقفها وتبعيتها،صفقات تجعل من الإنسانية امامه جسدا بلا أرواح،شهية واسعة الشدقين تريد التهام كل ما هو على الطاولة،والطاولة هنا الكرة الارضية...ينظر للمجتمعات كأنها لحم مشويّ دس في سيخ وقُلِّبَ على نار هادئة... شهية فظيعة لجمع الأموال من على طاولة قمار المراهنات التي تحلل له كل مقدرات،وتحرمها على غيره،وربما كان من حقه في المشاركة فيها وتقاسم مقدرات الغير دون وجه حق...
وكأن دوافعه الداخلية تقول : "خلقتم من أجلي،وتحت ظلالي تعيشون،ولا عيش لكم الا في رضائي...دافع يشابه فيها فرعون
وما يكرره دائما " السلام بالقوة "،وكانه يهدد بقنبلة "نووية" فيها السلام كقطب موجب والقوة كقطب سالب...فالويل كلُّ الويل لما لا يرضخ....
عندما شن هجومه السريع على فنزويلا خرج في خطاب طويل ليمدح جيشه وما فعل في العدوان على فنزويلا،وبعد عملية تخليص الطيار الأمريكي الثاني من على الارض الإيرانية جمع طاقمه أمام الشاشات ،واشبع الحديث الطويل اطراءً كثرت فيها كلامات " رائعون ... مذهلون...شجعان ... الجيش الأقوى والاكبر ... قدراتنا ساحقة... نستطيع مسح وتمدير حضارة بالكامل..."
واعتقد أن الاطباء النفسيين هم اقدر مني في تحليل نفسية قائد وزعيم اكبر دولة على الكوكب،ربما يكتشفون ان مزجا وخليطا من النرجسية والسادية والغرور تسكن هذه النفسية،وهذه الحالة لا تشكل خطر على حاملها بل هي خطر على غيره ممكن هم حوله امتداد لكل من يشاركه السكن على هذا الكوكب...
إن هذه التصرفات الغير منضبطة والمنفلته والقادمة من اسفل قيم الرأسمالية المتوحشة تحتاج للتوقف والدراسة والتحليل،لان كثير من القيم تنهار امام هذه الحالة،وانه اصبح من الضروري على المشرع الأمريكي سن قانون او الغاء قانون يتيح منع كلّ من يريد ان يرشح نفسه لقيادة الأحزاب الامريكية تمهيدا ليكون رئيسا لهذه الدولة القوية والمقتدرة بوضع ضوابط تحول دون وصول مثل هذه الحالات لقيادة البلاد التي تجلس على قوة عسكرية تقليدية ونووية كبيرة وان دول على نقيض معاكس له في العالم تملك اسنانا نووية وقوة عسكرية هائلة أيضا،وبالتالي يكون حبس الانفاس في الكرة الأرضية أطول من لحظات،بل يبقى تهديدا للسلم العالمي سنوات وعقود.
واللوم يقع أيضا على الناخب الأمريكي الذي يقدم حالته الاقتصادية الداخلية على كل الاعتبارات الأخرى عندما يدلي بصوته في الانتخابات العامة،ولا يراعي الحالة العالمية واهمية انتخاب من يؤمن لهم امنا خارجيا أيضا وإيقاف الحروب وسفك الدماء في العالم حتى لا تطال النار أبنائهم الذين ينفذون سياسات مجنونة في كل رقاع الأرض.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...