إبراهيم محمود - موقعنا من اليوم العالمي للفلسفة ؟!




1
أيّ صلة قرابة بيننا" نحن هنا ممَّن ننتمي إلى مجتمعات، تكون الفلسفة فيها حتى مجرد التحدث بلسانها، فكيف بجعلها تنزل إلى الشارع! من الكبائر" وبين الفلسفة هذه التي أبصرت النور بلغة، ربما – حتى الآن- لم نحسن النظر في محتواها الفكري والبحثي، وأهمّ الأهم في وجود الموجود الذي تراهن عليه، ومنه وإليه يكون قوامها وديمومتها؟ حتى من جهة الفلسفة، كاسم، وقد جرى ولا يزال يجري التعامل مع الاسم هذا، وتعريبه، كمثال حي وصارخ بعويل حامله الفعلي" من نوع حب الحكمة ، دون المضيّ بالحكْمة العائدة إليها إلى ماوراء الكامن فيها، خلاف الجاري طبعاً والمعهود طبعاً، كأمثولة، كتجربة حياتية، وعْظية يتم تردادها هنا وهناك" وما يجعل الاسم المعضود والمنشود مفتاح وجود لا يصدأ ، وأبعد .
لهذا تكون كلمة " موقعنا " ذات الحمولة الجمعية، غير مستساغة، معلقة في فراغ غير مقدَّر بحقيقته، وبعيدة كثيراً عن هذه" الفلسفة ".
فإذا كانت الفلسفة صنيعة إنسانية، وتنعجن، وتنخبز بعرقه، ودمه، ومعاناته، وتحولات حياته، وفي سياق ما يتهجاه الإنسان قولاً، ويتدبره تفكيراً، ويتفاعل معه واقعاً، بداية ونهاية، كما كان" حكماء " الإغريق الفعليون ممَّن سبقوا سقراط نفسه " طاليس ، أناكسيمندر، هيراقليطس، فيثارغورس، بارمنيدس" أحيل هنا إلى كتاب غادامير: بداية الفلسفة "...إلخ، وما بعد سقراط: أفلاطون، أرسطو، أبيقور، زينون الرواقي..، مثلاً..في بحثهم عن الأصل " أرخيه " ودلالة الأصل ما يجعل للأرض حضوراً أكثر جدارة بالاهتمام، فذلك يعني التركيز على التعدد، على التنوع، على تقدير الآخر المختلف، باعتباره سراً، لأنه الآخر، بتعبير دريدا، فأي جدوى للحديث بالفلسفة احتفاء بها، كما لو " أننا " حيث تكون الحاكمية بمختلف أنظمتها عموماً، تجرد الأرض مما هو رحب واسع عميق ، بما يتناسب وسلطته المطلقة، على صورة الطاغية الرحالة في العصور حتى عهدة الذكاء الاصطناعي هنا وهناك، بما يتنافى ولو مجرد الهمس باسم هذه الجديرة بالتوقير والتقدير، حيث ينعدم إنسانها الفعلي ؟
2
أن نتحدث عن اليوم العالمي للفلسفة، ذلك يعني أنني نحيط، كما نُحاط علماً وجودياً بالزمان في سيرورته وصيرورته. أتساءل هنا: هل حاولنا التفكير مرة، وبنسبة كبرى، في المعتبرة جامعاتنا وعلى الملأ دون تردد: عما يعنيه الزمن بأبعاده في أروقة جامعاتنا ذات المكانة والرمزية ثقافياً، لنحسن النظر إلى أعمارنا ومتغيراتها، إلى عقولنا وتقلباتها وكيف تتفاعل مع الجاري والدائر بنا، حيث أنظارنا على الآتي، صحبة المأمول، والتحذير مما هو مخالف، حيث الماضي نصْب درْسنا النقدي المركَّب: نتعلَّم ونعلّم، دون خشية من عصا مرفوعة، أو سلطة طاغية أو صارمة موضوعة تحُول دون ذلك؟ هل لدينا الزمن الذي يكون بمثابة الحبل المشيمي للفلسفة، اللواقط الدقيقة التي تتسقط كل شاردة وواردة، وتعيش حيواتها، لتكون عبْر مخاضات مقدَّرة، خلاصة المأمول على وقع مكاشفات تتعدى كل إطار ؟
ماذا يعني التوقف في ظل يوم هكذا، وما له من " حرمة "، وليس له أي وجود محسوس، وخصوصاً في جملة الهزائم الساحقة لما هو عقلي، والمهلِكة لما هو روحي، والنابذة لما هو قيمي جدير بالرعاية والعناية في هذا الربع الأول من القرن الحادي والعشرين و" نيّف "؟ أليس الذي نعيشه في هذا الحيز الزمني" الحسابي " مخجلاً، وأكثر، نظير العار الذي يُسمّينا وإن لم يرفع صوته، وبأسمائنا، ومراتبنا، ومناصبنا، ومن هم أولو أمرنا، ومن ينافقون باسمها؟ إن اعترفنا، الاعتراف الذي لا بد منه، لكي تتنفس الفلسفة الصعداء، وتستطيع " تمالك نفسها المفتوحة، ولو لبعض الوقت " الاعتراف الذي يكون الإنسان شغل الفلسفة وشاغلها، وكل ما يتجاوزه مشدود إليه؟ فأين هو ذلك الإنسان الذي خرجت الفلسفة باسمه، منذ أكثر من خمسة وعشرين قرناً، بجملة عناصرها، وهي تحتفظ له بمكانته، لأنه تكلَّمن ما هو إنسان في كامل نسيجه الحيوي؟ هل لدينا الإنسان: الإنسان المراهَن عليه، الإنسان الذي يُراد له ومنه أن يكون " مواطن " فلسفة، صديقها، قرينها، وارثها الداعم للعالمي فيه؟
3
مخجل جداً، وأكثر من كونه مخجلاً، ولأنني أزعم أنني أحمل شهادة جامعية فلسفية، لأنني نشرت نصوصاً ذات دمغة فلسفية، دون أن أدّعي أنها كذلك، وترجمات ذات صلة بها، ومعايشة فلسفية، كما تقتضي، لتسجّل اعترافاً بوجود موجود لا يرتهن إلى موجود طاغية، جلاد إنسانية، مهلِك أمة أو شعب، أنه الوجود نفسه، مخجل أن أتحدث عن الفلسفة،وقد عشتها دون أن أرى، ولم أرى إلى الآن نبتاً يُراعى لها، لم أعش لحظة شاردة من الزمن، يتردد صدى صوتها العابر للتجنيس الجانبي والموصى عليه، وفي وسط مجتمعي، يعتبر الإشارة إليها تهديداً لأمن مجتمعي" المقصود: قطيعي "، وما في ذلك من اعتراف ضمني، بأن المكان بزمانه، أو بالعكس، ليسا على وفاق شبه تام، على الأقل وبشهاد عيانهما المحروسين، مع الفلسفة.
مخجل جداً، مراراً وتكراراً، أي حديث، أو قول نتفوه به عن الفلسفة، ونحن في غربة تتملكنا بعنفها المكاني- الزماني، وفي مشهد هزلي ما أشبهه بمن يكون مغروساً حتى خاصرته في مستنقع الواقع، وهو يلتهم بنهم " همبرغر " صنعة ما وراء البحار، و" الغرب " عولمياً، ونظره إلى النجوم، وهو في شرود بالغ الغرابة والاستهجان، ممن هم أولو أمر الفلسفة حقاً!

4
دون التقليل، أبداً، من جهود أولئك الذين حاولوا ذات يوم، وعلى مسئوليتهم، النظر بما هو فلسفي في واقعنا وفي منطقتنا، ومعاناتهم. دون التقليل أبداً من جهود الذين تعرفت عليهم قارئاً ومستمعاً لما يقولونه في عهدة الفلسفة في الجامعة وخارجها، وناقداً لكتاباتهم من على عتبة الفلسفة، وانطلاقاً من المعطيات وأي استحقاق يعطى للفلسفة، أتساءل ما إذا كنا طوال تاريخ طويل، أمكنّا من منح الفلسفة حضوراً يحفّزها على التجذر في تربتنا الاجتماعية، وترطيب مناخنا الروحي، وتحرير أدمغتنا من المطلقيات الماورائية، لنتخرج قرّاء فلسفة، ومجازين فيها، وقادرين على التحدث في الهواء الطلق، وفي مؤسسات تحمل إشارات فلسفية وفكرية، وتراهن على الإنسان أولاً وأخيراً، وليكون لنا حضور محتفى به، وقد برعوا كآخرين ممن نشير إليهم، وكأنهم يقيمون معنا في غرفنا، مطابخنا، مجالسنا الخاصة ذات الصلة، كأنهم أحياء، لأن ما طرحوه فكرياً وبلسان الفلسفة المجنح، أمَّم لهم ذلك الزمن الذي صيَّرهم أرواحاً طليقة بأفكارها ، يمكن لأي كان، إن امتلك استعداد التنور بها الآن وتالياً.
أتساءل ما إذا كان الذين يجري كيل المديح لهم، وتكريمهم كذلك، على أعلى مستوى، أو من يكونون في دائرة " الفلسفة العربية- الإسلامية " ومن يتهجون الفلسفة، ويدرّسونها، ويحترفونها حديثاً وكتابة، نقاشاً وسجالاً وحواراً، بدءاً بالكندي، وليس انتهاء بالذين يُعرفون في ساحنا الثقافية أصحاب فكر وفلسفة، حيث طغيان النظام المانع لكل اختلاف مرعب حقاً؟
أتحدث ما إذا كان في مقدور أي ناظر في الفكر" الأصعب في مفهومه ومعلومه، من الفلسفة، كمعنى ومبنى" والفلسفة، في محيطنا، أن يُسمي أياً من هؤلاء: الكندي، الفارابي، ابن سينا، ابن طفيل، ابن رشد...إلخ دون استدعاء من يقيمون في جزر تحيط بها المياه العميقة والسماء الرحبة يونانياً؟
أتساءل عن هذا الاهتمام بالفلسفة في تاريخنا، والتركيز على قائمة أسماء كالذين أشيرَ إليهم، دون حساب رد الفعل من مدى حضور الفلسفة الأوربية" الغربية " وفي ضوئها، وبمسوغات مختلفة، لنكون هناك مقاضاة لا تخفى، ودفاع عن النفس وتبرئتها، ومنحها قيمة اعتبارية فلسفياً أكثر ممن يُعتبَرون المرجع، في رهانهم على الغزالي" وفيه من الفلسفة الممحوقة، ما فيه من الشرع الماحق لسواه إسلامياً "، والكندي، وابن سينا، وابن رشد، وحتى من مزجوا ما هو فلسفي بما هو أدبي" أبو العلاء المعرّي والتوحيدي"، وما يكون تصوفياً " حال ابن عربي"...إلخ، دون أي ضبط للغة، دون احتساب للمسافة وقابلية الهضم للمسطور، ومعطى الواقع المعيش نفسه ، وما هو مشرَّع باسم السلطة، وخاصية التعليم، ومكانة الإنسان في كل ذلك .
أتساءل هنا مجدداً، عن مغزى الرهان المحموم والذي نتلمسه في أصوات منشغلة بما هو فلسفي عربياً، على أسماء غابرة، بدعوى قدرتها على تقديم الممكن في المستحيل المتروس هنا وهناك، لوجود القوى الكامنة القادرة على تفجير كل صخر " جلمود " وفتح كل عقل " مسدود " وملغوم نقيضاً لأي تنوير، حال التوحيدي، المعري، ابن عربي، ابن رشد...إلخ، ودون أن أشير إلى قائمة أسماء متحمسة بشكل لافت لهذا، فلا أسهل من التوقف عندها، وتحرّي أصول القول في كتاباتها.
5
نعم، لا أسهل من أن أقرأ ما هو فلسفي، أو ما يكون فلسفياً، وفي أيامنا هذه، جرّاء توافر أجهزة، ووسائل تعينني على كل ذلك، وبلغات مختلفة، إنما السؤال المفصلي: هل تكفي القراءة، ومن باب الاطلاع وحدها حقاً، للتعريف بي، على أنني قارىء فلسفة، وأنني مؤهل لأن أصبح فيلسوفاً، في مجتمع ينظر بعين الريبة إلى كل من يأتي على ذكر اسمها عملياً، أو يحاول الاستشهاد بها وهو يحاول تشخيص واقعه، فما بالك إذا حاول تعريته، وترقب الحالة المأساوية التي تنتظره، وهو يُعرّى، ويطوّح به بعيداً بصيغ شتى؟ فأي ميراث جرى تداوله أو الاشتغال عليه، وتفعيله اسماً ومسمى واقعاً إلى الآن، لنقول أن الإمكان كتابة تاريخ للفلسفة في حلقات مترابطة، وليس أن تكون متقطعة أو متباعدة عن بعضها بعضاً. ولأن ليس من شيء يجري التنويه إليه، باعتباره رصيداً لما بعده، إن لم يجر الاشتغال عليه، وتلوينه، ليكون نهرياً. ولا أرى ما يفصح عن علاقة زمكانية كهذه. بالعكس، هناك تصحرات تضيق الخناق أكثر فأكثر حتى على الهامش المحدود جداً لما هو فلسفي، كما لو أن تناول هذا الهامش، كما لو أن تخصيص حلقات فلسفية، أو إحداث قسم للفلسفة، أو افتتاح كلية لها، برهان دامغ على أن مجتمعاتنا فيها ما للفلسفة مكانة ما لغيرها كالفقه والأدب مثلاً. وما يترتب على إجراء كهذا من مشهديات كاريكاتيرية تطرح الفلسفة اسماً، وتطيح بها مسمَّى، كما في متابعة متواضعة لي، مثلاً، في كتابي" ركلات فلسفية ليست إلا ! الدكتور عبدالله الغذامي وحديث الفلسفة : " دراسة نقدية " والصادر عن دار " أروقة " القاهرية، لعام " 2024 " .
6
ما يهمني في هذا المضمار، هو أن أشير إلى المسافة النوعية التي قطعتها الفلسفة في " دارها " الحصينة غربياً، المسافة التي تعلِمنا كيف أنها هي نفسها لم تعد كما هو اسمها، من خلال تلك الأسماء التي تعرفها جيداً " أي الفلسفة " دون أن تُسمّى بها. أي بوصفها أسماء لا ترغب في أن تكون أسماء فلاسفة، وما يتردد هنا وهناك " عندنا " من أن في ذلك ما يؤكد على لا نجاعة الفلسفة. يا له من بؤس تفكير.
تجاوز الفلسفة، عدم الاعتراف بالفلسفة في بنية هذا الاسم أو خلافه، لا يعدو أن يكون تعبيراً عن لاحدوديتها. عن قابليتها لأن تكون، لأن تُقرأ ولو بصيغة أخرى، بما أنها سؤال الموجود عن الوجود. إن لاكان" المجدد الفرويدي"، ميشيل فوكو، جاك دريدا، وجيل دولوز..إلخ، الذين لا يعرّفون بأنفسهم فلاسفة، لا يقصيهم عن الفلسفة، لأن الكثير مما يطرحونه يمنح الفلسفة قدرة على البقاء والتنوع بصورة أفضل، لأن ثمة استماتة حضور، وجسارة حضور بلون آخر، وصوت آخر، حيث يستحيل امحاء الفلسفة كوجود بمثل هذه البساطة، وفي مجتمعات أدركت الكثير مما يخصها نشأة وتكويناً وتألقاً ثقافياً باسمها بذكورها وإناثها، وبالعكس كذلك.
في ضوء هذا، لنتصور المدى اللامتناهي المنتظَر للفلسفة، وإنسان الفلسفة وجودياً. بصيغة أخرى: لنحاول التفكير حسابياً في المسافة الفاصلة بيينا، ومن خلال ما يجري إنتاجه عملياً، ورفدنا به من " هناك " وما يجري طرحه وإعادة طرحه إنتاجاً من نوع آخر، جهة عمانا " وتقليعة " مبدأنا " الثابت، ونحن نتحرك دون وعي منا، ودون إشعار يستغرقنا كوننا في عهدة الآخر الذي نكفّره ونلوذ به، لنشكل على أنفسنا بأنفسنا !
ولازلنا نضرب أخماسنا بأسداسنا، إن جاز التصوير/ التعبير، عمّا يصلنا بالفلسفة، أو ما يبعدنا عنها، أو ما يمنحنا نخوة خاصة، دورية، كاليوم العالمي للفلسفة، لأن " نعلن " لأنفسنا، وفي ظل من يقمعون أشد القمع حتى مجرد المختزَل فلسفياً هنا وهناك، ولمن يتنفسون الفلسفة على طريقتهم المختلفة" هناك"، أننا مثلهم تماماً، وكوننا أهل فلسفة، كوننا منتجي فلسفة، وكوننا دعاة فلسفة، نحتفل باليوم العالمي للفلسفة.. يا للجريمة النكراء بحق الفلسفة !

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...