عباس علي رضي العكري - من الواقعية الرمزية إلى النقد الاجتماعي موقع قصة "دنيا فانية" للكاتب البحريني جعفر الديري في القصة الخليجية

كتب - عباس علي رضي العكري: كلية التربية والآداب - جامعة البحرين.




دنيا فانية

قصة قصيرة – جعفر الديري:

مَاذا أصَاب جدَّه وقتها؟ جنونٌ ، مسُّ من الشيطان ، هجس في نفسه أنّ معونة البائس الفقير، واجبة ولو على حساب الأبناء ؟! الأمر المؤكَّد الآن ، أنَّ الأرض ذهبت إلى الرجل الغريب ، دون أن يدفع مقابلها فلسا واحدا ، ورثها عنه أبناؤه ، وأورثوها لأحفادهم ، فحوَّلوها لمُجمِّع ضخم ، يدرُّ إيجار محلّ واحد منه ، ما يعجز عن جمعه في عام كامل.

مجمَّع يقف اليوم حارسا عند بوّابته ، يصْهره الفقر والضَّنك والحاجة ، وتشعله تلك الخيالات البعيدة ، التي صنعتها أمّه وهي تحكي عن جدِّه ، كيف كان الرجل الأعرج ، لا يفارقه ليل نهار ، يصنع له القهوة ، ويقدِّمها له ولزوُّاره ، يتباكى عنده ، شاكياً فقره ، وانغلاق الأبواب في وجهه ، يتحدُّث عن أبنائه الإثني عشر ، وعن الزوجة المريضة التي لا يستطيع توفير الدواء لعلاجها ، وفجأة ودون استشارة أحد ، يخبرهم الجدُّ العظيم ، أنَّه وهب أرضه الكبيرة للرجل الفقير ، قربة لله تعالى.

هل حدث ذلك حقّاً ؟! أجل ، والحقُّ أن أباه وأعمامه احتجُّوا ، بل ان عمَّاته أيضا أبدين جرأة غير متوقعة ، لكن جدَّه أمضى أمره ، ثمَّ مات بعدها بوقت قصير ، وكلُّ ما تلطَّف به أن طالع أبناءه وقال عاتباً عليهم :

- كلُّ هذا من أجل دنيا فانية !.

دنيا فانية ! ليته يبعث من قبره ليشاهد حال أحفاده اليوم ، وما هم فيه من فقر وحاجة ؛ البيت معرّض للسقوط في أيَّة لحظة ، والكهرباء بلغت فواتيرها حدّا لا يحتمل المزيد ، والأحفاد يتكدّسون في غرفتين صغيرتين ، محرمون حتى من مساحة ضيِّقة يخلون فيها مع أنفسهم ، هو نفسه ينفق معظم راتبه على هذه الأسرة الشقيِّة ، فلا يتبقّ شيء من راتبه الضعيف ، ليفكّر حتى مجرد تفكير في الخطوبة والزواج .

حال صعبة ، تدفع حتى كومار الآسيوي زميله حتى الأمس ، لمخاطبته بالقول راثياً أو ساخراً :

- تخلّيت عن العمل من أجلك ، فأنت أشدّ حاجة منّي إليه .

ثمّ ينصرف إلى عمله الجديد محاسبا في إحدى الشركات ، بينما يستمرّ هو للعام الخامس ، حارس أمن ، عمل طالما مدَّده مرغما لست عشرة ساعة ، تنتهي عند السادسة صباحا ، حيث يشاهد التجُّار يتقدّمون إلى محلَّاتهم فرحين مستبشرين بالرزق الوفير ، بينما يقاسي واخوته الحرمان حتَّى من أبسط مقوّمات الحياة.
تمت
-------------------------------------

يشهد الأدب العربي المعاصر تحولات عميقة في بنيته الجمالية والدلالية، جعلت من القصة القصيرة جنسًا فنيًا قادرًا على التقاط التناقضات اليومية وتكثيفها في نصوص موجزة لكنها مشحونة بالرموز. وفي السياق الخليجي، حيث تتقاطع التحولات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، تصبح القصة القصيرة أداة كاشفة لجدلية الفقر والثراء، ولتوزيع السلطة داخل الحقل الاجتماعي.

يظهر جعفر الديري في «دنيا فانية» ككاتبٍ يُجيد بناء واقعيةٍ رمزيةٍ مقتصدة تُحسن التقاط التناقضات الاجتماعية عبر جُمل قصيرة محمّلة بالدلالة، فيحوّل الحكاية العائلية المحدودة إلى مرآةٍ واسعة لبنية الفقر والهيمنة في المجال الخليجي.

يتكئ أسلوبه على جمالية التكثيف لا بوصفها مهارة لغوية فحسب، بل كخيارٍ معرفي يضغط الزمن السردي في لقطتين تأسيسيتين—فعل التنازل القديم ونتيجته الراهنة—ويملأ ما بينهما بإيحاءاتٍ تُسندها شبكة رمزية متقنة، تتصدّرها ثلاثية المكان (الأرض/البيت/المجمّع) بوصفها جهازًا دلاليًا لإعادة توزيع الانتماء والاغتراب.

ومن خلال مفارقةٍ سرديةٍ حادّة—حفيدٌ يحرس بوابة الثراء المشيّد على خسارته—يُعرّي الديري اشتغال «العنف الرمزي» حين تُشرعن صيغةُ الزهد حرمانًا متوارثًا وتُحوّل القناعة الأخلاقية إلى «حسٍّ عام» ضاغط، فتغدو الطاعة امتثالًا داخليًا لا قسرًا خارجيًا.

في البناء النفسي، يكتب الديري شخصية الحفيد بؤرةً للوعي الممزّق بين «أنا أعلى» مورَّثة من سلطة الجدّ الأرشيتايبية ورغبات «هو» مؤجلة، ويجعل حضور الجدّ بعد موته أثرًا ثقيلًا في الذاكرة الجمعية، بما يقارب اشتغال الأرشيتايب الأبوي الظِّلّي الذي يقيّد الاختيار ويؤبّد الذنب.

على المستوى الأسلوبي، يزاوج بين اقتصاد العبارة وإيقاع التكرار الدالّ، ويستثمر المنظور الداخلي والفراغات التأويلية ليحوّل القارئ من متلقٍّ إلى مُنتِج للمعنى؛ أمّا على المستوى الثقافي فيفتح السرد قنواتٍ حوارية مع الخطاب الديني–الأخلاقي من غير مباشرة خطابية، مكتفيًا بإبراز تناقض نتائجه الاجتماعية عبر صورٍ محسوسة لا شعارات.

ويُسجَّل للديري كذلك حساسيةٌ نسوية رصينة: إذ يضع الأمّ والعمّات في موقع حافظات الذاكرة ومُنتِجات السرد، بحيث يُصان تاريخ العائلة بصوتٍ أنثويٍّ يواجه المحو ويُعيد وصل الماضي بالحاضر. بهذه العناصر مجتمعةً—اقتصادٌ لغوي، هندسةٌ مكانيةٌ دالّة، دراما نفسية مكبوتة، وإضاءة نسوية غير صاخبة—يرسّخ الديري كتابةً تُجيد تحويل «الجزئي» إلى «كوني»، وتُبرهن أن القصة القصيرة قادرة، حين تُصاغ بهذه الحرفية، على كشف البنى العميقة للعلاقات بين المكان والذاكرة والسلطة.

ومن بين هذه النصوص تبرز قصة «دنيا فانية» بوصفها نموذجًا مكثفًا يدمج بين الواقعية الرمزية والبنية الاجتماعية النقدية، إذ يتخذ النص من حادثة «هبة الأرض» من الجد إلى رجل فقير نقطة انطلاق لبناء سردية عائلية ممتدة تكشف أثر هذا القرار على الأبناء والأحفاد، حيث يتحولون من أصحاب أرض إلى حراس على بوابة المجمّع التجاري الذي شُيّد فوقها.

فحكاية الجد الذي تبرع بأرضه "قربة لله" ثم عانى أحفاده من الفقر المدقع، تمثل نموذجاً لتلك "القصص الإنسانية" المتكررة التي تشغل البشر عبر العصور. إنها قصة الصراع الأبدي بين المثالية والواقع، وبين التضحية والمسؤولية، وبين القيم الروحية والاحتياجات المادية. القصة تطرح أسئلة وجودية عميقة حول حدود العطاء، وطبيعة التضحية الحقيقية، والعلاقة بين النوايا الطيبة والعواقب غير المقصودة.

وهكذا، فإن قصة "دنيا فانية" ليست مجرد حكاية عائلية محلية، بل هي تجسيد لتلك الحكاية الإنسانية العالمية التي لا يتوقف البشر عن سردها ومناقشتها. إنها تعيد إنتاج المأساة الإنسانية القديمة المتعلقة بالفجوة بين النيات والنتائج، وبين المبادئ المجردة وضرورات الحياة العملية.

قصة "دنيا فانية" من خلال المبدأ الأدبي الأساسي الذي اشتهر به همنغواي بنظرية الجبل الجليدي "المباشر الخالي من الزخارف" (plainspoken no-frills writing style). هذا الأسلوب يعتمد على تقديم أحداث وشخصيات بسيطة وواقعية على السطح، بينما تخفي تحتها طبقات عميقة من المعاني العالمية حول الطبيعة البشرية، والصمود، والصراع، والكرامة في وجه الهزيمة. هذه هي "نظرية الجبل الجليدي" – حيث يكون معظم المعنى مخفيًا تحت السطح. قصة "دنيا فانية" تطبق هذا المبدأ نفسه. على السطح، هي قصة بسيطة عن جد يتبرع بأرضه ثم يعاني أحفاده من الفقر.

ولكن تحت السطح، تثير القيمة أسئلة عالمية عميقة: الصراع بين المثالية والواقع، طبيعة التضحية وحدودها: متى تتحول إلى ظلم؟ والصمود في وجه القرارات المصيرية التي يتحكم فيها الآخرون (مثل صمود الأحفاد في وجه فقرهم). السخرية المأساوية للحياة، حيث يؤدي العمل النبيل إلى نتائج مؤسفة. وبالتالي فقصة "دنيا فانية" – تشارك التقاليد الأدبية التي تفضل الاقتصاد في الكلمات، والواقعية، واستخلاص حقائق إنسانية عميقة من خلال حكاية بسيطة على السطح، وتكون مثالًا على تأثير الأسلوب الهمنغوايى في الكتابة القصصية.

تتجلى نظرية هامون في تحليل شخصية "الجد" في القصة، والتي تُبنى عبر علامات دالة متقطعة: "الأعرج"، "يصنع له القهوة"، "يتباكى"، "الرجل الفقير". هذه العلامات تشكل نظامًا دلاليًا يخلق "تأثير الواقع" (هامون، 1977) ويحدد قيمة الشخصية الأخلاقية (الكرم والتقوى) في مقابل الشخصيات الأخرى. كما يذكر هامون أن الشخصية تُعرّف من خلال "حزمة من علاقات التشابه والتناقض"، وهو ما يتجلى في التقابل بين الجد (التضحية والتقوى) وأحفاده (الأنانية والتركيز على الدنيا)، مما يعمق الدلالة الأخلاقية للقصة ويثير التساؤل حول معنى "الدنيا الفانية" الحقيقي.

تكشف القصة أنّ فعل الجد، الذي انطلق من قناعة دينية وأخلاقية، قد تحوّل مع مرور الزمن إلى ممارسة رمزية أعادت إنتاج الفقر وأدخلت الأجيال اللاحقة في حلقة حرمان متوارث.

تمثل القصة نموذجًا واضحًا لـ"إعادة الكتابة" كما تعرفها جينو (2006)، حيث تعيد صياغة الخطاب الديني التقليدي حول "الزهد" و"الدنيا الفانية" ولكن في سياق اجتماعي-اقتصادي حديث. فالعبارة الدينية "قربة لله تعالى" و"دنيا فانية" تُستعادان وتُعيدان كتابتهما في سياق صراع طبقي مرير، حيث يصبح "الفقر والضنك والحاجة" نتيجة مباشرة لهذه "القربة". هذه الإعادة الكتابية تمتاز بأنها "متعمدة وضخمة" (جينو، 2006)، حيث لا تكتفي باستدعاء الخطاب الديني بل تفككه وتعيد تشكيله نقديًا، لتكشف عن التناقض بين المثالية الدينية وواقع العواقب الاقتصادية المدمرة على الأجيال اللاحقة.

وهنا تتضح قيمة مفاهيم العنف الرمزي كما طرحها بورديو، حيث تُشرعن الخطابات الدينية–الأخلاقية التفاوت الطبقي، وتجعل من قبول الحرمان أمرًا طبيعيًا، وكذلك مفهوم الهيمنة الثقافية عند غرامشي، الذي يفسر كيف تتحول رؤية الطبقة المهيمنة إلى «حس عام» يتبناه الجميع دون مقاومة. ومن خلال هذه المفاهيم يتضح أنّ القصة ليست مجرد حكاية عائلية، بل هي صورة مصغرة لآليات السيطرة وإعادة الإنتاج الاجتماعي.

على المستوى النفسي، يرسم النص صورة الحفيد كذاتٍ منقسمة تعيش تحت وطأة الأنا الأعلى الذي ورثه عن الجدّ «الزاهد» وما يمثله من سلطة قيمية قاهرة، في مقابل رغبات الهو التي تدفعه نحو التطلع إلى حياة طبيعية أكثر حرية. ويمكن فهم حضور الجد في الذاكرة الجماعية بوصفه أرشيتايبًا أبويًا يثقل الحاضر ويقيّد خيارات الأجيال اللاحقة، وهو ما يتقاطع مع ما طرحه يونغ عن اللاوعي الجمعي. أمّا على مستوى المكان، فإن النص يعكس بوضوح أنّ الفضاء ليس محايدًا، بل هو حامل للذاكرة والهوية.

فالأرض التي وُهبت تمثل الفقد والاقتلاع، والبيت المتداعي يجسد انهيار الحميمية العائلية، بينما المجمّع التجاري يُجسّد الرأسمالية التي تصادر المكان وتحوله إلى فضاء اغتراب، وهو ما يتفق مع رؤية باشلار عن شعرية المكان ومع طرح ريكور حول الذاكرة والهوية السردية، كما ينسجم مع مقولة لوفيفر عن أنّ المكان يُنتَج اجتماعيًا عبر علاقات القوة.

ومن منظور نسوي، يكشف النص عن مركزية دور الأم والعمّات بوصفهن حافظات للسرد العائلي، حيث يُعيدن عبر رواياتهن وصل الماضي بالحاضر ويضمنَّ استمرارية الذاكرة. هذا الحضور النسوي، وإن بدا في الهامش من حيث القرار الاقتصادي، إلا أنّه في الحقيقة يمارس دورًا محوريًا في حفظ الهوية العائلية ومقاومة المحو. وهو ما ينسجم مع طروحات شوالتر التي تؤكد قيمة الأدب النسوي في صون الهوية، ومع ما طرحته بوفوار وبتلر من نقد للبُنى الأبوية التي تحاول إقصاء صوت المرأة من السرد التاريخي.

وعليه، فإن دراسة «دنيا فانية» من منظور تكاملي يجمع بين السوسيولوجيا والتحليل النفسي والسيميائيات والنسوية تتيح قراءة معمقة للنص، تكشف عن شبكة العلاقات المتداخلة بين الفقر والهيمنة من جهة، والذاكرة والمكان من جهة أخرى، بما يمنح القصة بعدًا يتجاوز خصوصيتها المحلية ليصبح نموذجًا قابلاً للتأويل في ضوء التحولات الاجتماعية والثقافية في الخليج.

القصة الخليجية، على الرغم من غناها بالرموز الاجتماعية والنفسية والنسوية، لم تُقرأ بعد بالعمق الكافي من منظور تكاملي يجمع بين السوسيولوجي والنفسي والسيميائي والنسوي. فقد جرت العادة أن تُقرأ النصوص السردية من زاوية واحدة، فتارة يتم التركيز على البنية الفنية والشكلية، وتارة أخرى ينصرف الاهتمام إلى الجانب النفسي للشخصيات، أو إلى البعد النسوي الذي يتناول صورة المرأة وموقعها في النص.

غير أنّ هذا التجزيء يُفوّت على الباحث الإمساك بالجدلية الكاملة التي تشكّل قلب النصوص القصيرة المكثّفة مثل «دنيا فانية». ففي هذه القصة، لا يقتصر الأمر على فعل الجدّ الذي تبرع بالأرض «قُربةً لله»، بل يتجاوز ذلك إلى شبكة كاملة من الرموز والفضاءات والعلاقات التي أعادت إنتاج الفقر وكرّست التفاوت الطبقي عبر آليات رمزية، وهو ما يدخل في باب العنف الرمزي عند بورديو. كما أنّ قبول العائلة لقرار الجدّ مع مرور الزمن، رغم الاحتجاج الأولي، يكشف عن كيفية تحوّل هذا القرار الفردي إلى «حس عام» ملزم بالمعنى الغرامشي، أي إلى هيمنة ثقافية تُقيّد وعي الأبناء والأحفاد وتطبعهم على الامتثال للحرمان.

نلاحظ أنّ النص يعكس أيضًا صراعًا نفسيًا داخليًا لدى الحفيد، صراعًا يتأرجح بين ميراث الجدّ بما يحمله من ثقل قيميّ وقيود أخلاقية تمثل الأنا الأعلى، وبين رغبات الهو التي تتوق إلى حياة طبيعية أكثر حرية. هذا التمزق الداخلي لا ينفصل عن البُعد الاجتماعي–الطبقي، بل هو انعكاس له على مستوى الذات الفردية، الأمر الذي يجعل من الضروري الجمع بين التحليل النفسي والسوسيولوجي لفهم النص. كما أنّ المكان، بثلاثيته المركزية (الأرض/البيت/المجمّع)، لا يظهر هنا كخلفية محايدة، بل كبنية منتِجة للمعنى، حيث يتجلى الفقد والاغتراب في صورة حسية ملموسة.

وأخيرًا، فإن الصوت النسوي الذي تمثله الأم والعمّات يكتسب قيمة مضاعفة، إذ يمارس دور الحافظة للذاكرة والساردة للتاريخ العائلي، وبذلك يواجه محوًا يتهدد الهوية، الأمر الذي يجعل من حضور المرأة في النص حضورًا تأويليًا لا يمكن تجاوزه.

من ثمّ، كيف تجسد قصة «دنيا فانية» جدلية الفقر والهيمنة من جهة، والذاكرة والمكان من جهة أخرى، عبر بنيتها السوسيولوجية والنفسية والسيميائية والنسوية؟

مفاتيح الدخول إلى النص

نسعى إلى استكشاف أعماق النص وتحليل بنياته الدلالية. والسؤال الرئيس الذي يوجّه البحث هو: كيف تُجسّد قصة «دنيا فانية» جدلية الفقر والهيمنة والذاكرة والمكان من خلال بنيتها السوسيولوجية والنفسية والسيميائية بإضاءة نسوية؟

ويتفرع عن هذا السؤال المركزي أسئلة أخرى أكثر تحديدًا، من بينها:

ما طبيعة تمثيل خطاب الزهد في النص، وكيف يمارس هذا الخطاب وظيفة رمزية تؤدي إلى إعادة إنتاج الفقر والهيمنة الاجتماعية؟

وكيف يتجلى الصراع النفسي–الوجودي للحفيد بين ميراث الجدّ «الزاهد» وما يمثله من سلطة قيمية وأرشيتايب أبوي، وبين مقتضيات الواقع القاسية التي تثير رغبات الهو؟

وما دلالات الرموز المكانية في النص، وكيف تسهم الأرض والبيت والمجمّع التجاري في صياغة شبكة دلالية معقدة تربط بين الفقد، والاغتراب، والهوية، والذاكرة؟

ثم ما الدور الذي تؤديه المرأة – ممثلة في الأم والعمّات – في حفظ الحكاية وصياغة التاريخ العائلي، وكيف يمكن قراءة هذا الدور في ضوء النقد النسوي الذي يمنح المرأة صوتًا في مواجهة السرد الذكوري؟

وأخيرًا، كيف يسهم توظيف المناهج النقدية المتعددة في الكشف عن البُنى العميقة للنص وإبراز طاقته الرمزية والاجتماعية؟

هذه الأسئلة لا تُطرح لمجرد الفحص النظري، بل لأنها تمثل مفاتيح الدخول إلى النص وتتيح للباحث تفكيك طبقاته المتعددة وربطها بسياقاتها الاجتماعية والثقافية والنفسية.

المصطلحات

تقوم هذه الدراسة على مجموعة من المفاهيم المركزية التي تُشكل مفاتيح الدخول إلى النص، وأول هذه المفاهيم هو العنف الرمزي، الذي عرّفه بورديو بوصفه شكلًا خفيًا من السيطرة تمارسه الطبقات المهيمنة عبر الرموز والقيم والمعايير الثقافية، بحيث يُعاد إنتاج التفاوت الاجتماعي في صورة تبدو طبيعية ومقبولة. وبالنسبة لهذه الدراسة، يُقصد به الطريقة التي يُشرعن بها خطاب الزهد الفقر باعتباره فضيلة، بحيث يتم إخفاء علاقات التفاوت الاقتصادي تحت غطاء أخلاقي–ديني، وهو ما يتجسد في قرار الجدّ الذي تنازل عن الأرض قُربةً لله.

أما المفهوم الثاني فهو الهيمنة الثقافية، الذي صاغه غرامشي ليدل على قدرة الطبقة المهيمنة على فرض رؤيتها للعالم عبر الثقافة والدين والتعليم، بحيث تتحول هذه الرؤية إلى «حس عام» يتبناه الجميع. وفي سياق «دنيا فانية» تعني الهيمنة الثقافية نجاح الخطاب الديني–الاجتماعي في تحويل قرار الجد إلى قيمة جمعية مُلزمة للأبناء والأحفاد، حتى مع ما ترتب عليه من فقر وحرمان.

أما المفهوم الثالث فهو اللاوعي الجمعي كما طرحه يونغ، وهو المستودع الذي يضم الصور البدئية أو الأرشيتايبات المشتركة بين البشر جميعًا، وتؤثر في سلوكهم وتصوراتهم. وفي النص يظهر الجدّ كأرشيتايب أبوي يثقل على الحفيد، مولّدًا شعورًا بالذنب والتضحية يستمر أثره عبر الأجيال.

ويأتي بعد ذلك مفهوم شعرية المكان الذي بلوره باشلار، حيث يرى أن البيت هو طبوغرافيا الكيان الحميم، أي أن المكان يحتفظ بالذاكرة والعاطفة والهوية. وفي هذه الدراسة يرمز المكان إلى ثلاثية الأرض والبيت والمجمّع، إذ تجسد الأرض الفقد والاقتلاع، بينما يرمز البيت إلى الحميمية المتداعية، ويظهر المجمّع كاستعارة للهيمنة الرأسمالية.

ويتصل بالمكان مفهوم الذاكرة والهوية السردية عند ريكور، الذي يؤكد أن الهوية الإنسانية تُبنى عبر السرد، وأن الزمن لا يصير إنسانيًا إلا بقدر ما يُروى سرديًا. وبالنسبة لهذا النص، فإن ذاكرة الأسرة لا تحفظها إلا الأم والعمّات، اللواتي يعملن كوسيط يعيد وصل الماضي بالحاضر وصياغة الهوية الجماعية.

يقول فوكو: «اليوتوبيا أماكن بلا موقع حقيقي… أما الهتروتوبيا فهي أماكن حقيقية تمثل وتناقض وتعكس بقية الأمكنة» (Foucault, 1986) . المجمع التجاري في القصة يُقرأ كهتروتوبيا: فضاء واقعي يعكس كل التناقضات بين الفقر والثراء، الماضي والحاضر.

ويأتي هنا أيضًا مفهوم الصوت النسوي كما طرحته شوالتر ووسعته بوفوار وبتلر، حيث إن الأدب النسوي يمنح المرأة صوتًا في مواجهة السرد الذكوري ويعيد تأويل حضورها في التاريخ والثقافة. وفي «دنيا فانية» يتجسد هذا المفهوم في حضور الأم والعمّات كحارسات للذاكرة ومُنقذات للحكاية من النسيان، وبذلك يظهر دور المرأة كفاعل منتج للمعنى لا مجرد متلقٍ له.

وأخيرًا، يأتي مفهوم الرمز كما شرحه بارت، الذي يرى أن العلامة تنفتح على مستويات متعددة من الدلالة. وفي النص، تُستخدم الأرض والبيت والمجمّع كرموز تتجاوز معناها المباشر لتُكوّن شبكة ثقافية من المعاني تفسّر التفاوت الاجتماعي والفقد والاغتراب.

تحليل الشخصيات

يُعد تحليل فيليب هامون السيميائي للشخصية، كما ورد في مقاله "من أجل وضع سيميائي للشخصية" (1977)، إطارًا نظريًا ثريًا لفهم كيفية بناء الشخصية في النص الأدبي وتأثيرها في توليد الدلالة. فحسب هامون، فإن الشخصية ليست كيانًا ثابتًا أو نفسيًا بقدر ما هي "بنية علاماتية" قائمة على علاقات الاختلاف والتشابه والتسلسل الهرمي داخل النص.

وهذا يتجلى بوضوح في قصة "دنيا فانية"، حيث تُبنى الشخصيات من خلال حزمة من العلامات المتقطعة — الأسماء، الأوصاف، الأفعال، والسياقات — التي تشكل معًا دلالة متعددة الأبعاد. على سبيل المثال، يمكن تحليل شخصية البطل أو البطلة من خلال تتبع العلامات المرجعية (مثل البيئة الاجتماعية أو التاريخية)، والعلامات التضمينية (مثل التكرار الرمزي أو الإيحاءات الثقافية)، والعلامات التناصية التي تربطها بنماذج سردية سابقة.

وهكذا، فإن الشخصية في "دنيا فانية" لا تُفهم بمعزل عن السياق النصي والثقافي، بل من خلال شبكة العلاقات التي تنسجها مع العناصر الأخرى في القصة، مما يعزز تأثير الواقعية ويعمق من غنى الدلالة الأخلاقية أو الاجتماعية التي تطرحها القصة.

يقدم إي. إم. فورستر (E. M. Forster) في هذا الاقتباس تعريفه الأساسي للشخصية "المسطحة" (Flat character)، وهي الشخصية التي يمكن اختصارها في جملة واحدة أو فكرة واحدة مهيمنة، وتتصرف بطريقة متسقة ومتوقعة طوال القصة. تطبقًا على قصة "دنيا فانية" لجعفر الديري، يمكن تحليل شخصية "الجد" على أنها شخصية مسطحة بهذا المعنى.

جملته الأساسية، التي تُختصر بها سيرته وتُحدد فعله المحوري في القصة، هي: "كلُّ هذا من أجل دنيا فانية!" أو الفكرة التي تجسدها: "التضحية بكل شيء في سبيل الآخرة". قراره بالتنازل عن الأرض "قربة لله تعالى" هو تجسيد كامل ومتسق لهذه الفكرة الواحدة. مثل السيدة ميكابر، يقول الجد شيئًا (يستهين بالدنيا) ويفعل شيئًا (يتخلى عن ملك أسرته) وهو مخلص تمامًا لهذه الفكرة، دون أي تطور أو تعقيد داخلي يظهره النص. وظيفته في الحبكة هي أن يكون محركًا للحدث وممثلًا لفكرة الزهد المطلق، تمامًا كما تحرك الشخصيات المسطحة الحبكة في روايات ديكنز من خلال فكرة واحدة ثابتة.

وبينما يبني فورستر (Forster, 1927/2002) عالمه السردي على مزيج من الشخصيات المسطحة والمستديرة، فإن شخصية الجد المسطحة في "دنيا فانية" تخلق تناقضًا دراميًا حادًا مع عواقب فعلها، التي تُصيب الشخصيات "المستديرة" الأكثر تعقيدًا مثل الحفيد، الذي يعيش صراعًا داخليًا بين إرث جده الأخلاقي وواقعه المادي المزري.

وهكذا، فإن تطبيق مفهوم فورستر على القصة لا يساعد فقط في تصنيف الشخصيات، بل يكشف عن البنية الدرامية التي تقوم على صدام بين فكرة ثابتة (شخصية مسطحة) وواقع إنساني معقد (شخصية مستديرة).

تتصدّر الحفيد شخصية القصة بوصفه الراوي ومركز الوعي السردي. إنّه حارس أمن يقف عند بوابة المجمّع التجاري المشيّد على أرض الجدّ التي أُوهبت يومًا باسم الزهد. يحمل هذا الحفيد عبء الماضي ووطأة الحرمان، ويعيش في الوقت نفسه معاناة الحاضر بكل ما فيه من فقر وضيق. يتجسد فيه التمزّق النفسي–الوجودي بين ميراث الأنا الأعلى الذي ورثه عن الجد «الزاهد» وبين رغبات الهو التي تتوق إلى حياة كريمة.

يمكن تحليل الهواجس التي تسيطر على الراوي من منظور التحليل النفسي، حيث تمثل ذكريات الجد وأفعاله "الرغبات المكبوتة" للراوي. كرهه للفقر وحال أسرته "الشقية" (كما يصفها) يصطدم مع المثال الأخلاقي الذي يمثله الجد. هذا الصراع النفسي بين "الهو" (الرغبة في الثروة والاستقرار) و"الأنا الأعلى" (القيم الدينية والأخلاقية الموروثة) يخلق حالة من الإحباط والاستياء، تجعله يتخيل بطريقة أشبه بالحلم: "ليته يبعث من قبره ليشاهد حال أحفاده اليوم". هذه التخيلات هي "انعكاس للرغبات والدفعات اللاواعية" (بهادور وزوهدي، 2015) للحصول على اعتراف بأن تضحية الجد كانت خطأ، لتخفيف الشعور بالذنب تجاه استيائه من فعلة الجد.

ومن خلال مقارناته المستمرة بين واقعه وما يدرّه المجمّع من أرباح طائلة، ينكشف لنا وعيه المأزوم بالظلم الاجتماعي، غير أنّه يظل عاجزًا عن الانفلات من قيود الخطاب الأخلاقي الذي صاغ مصيره. بهذا المعنى، يمثل الحفيد تجسيدًا مباشرًا لنتائج العنف الرمزي، حيث يتحوّل الامتثال القسري إلى قناعة باطنية، ويغدو الحرمان قدرًا طبيعيًا.

"لا تكتمل مقومات الحبكة الفنية دون شخصيات مستديرة قادرة على حمل أعبائها الدرامية، وهو ما توفره قصة 'دنيا فانية' في شخصية الحفيد بامتياز. فكما يحدد إي. إم. فورستر المعيار الأساسي للشخصية المستديرة بأنها 'قادرة على الإدهاش بطريقة مقنعة' (فورستر، 2002)، نجد أن الحفيد ليس مجرد حارس سلبي، بل هو وعي ممزق يدهش القارئ بقدرته على استيعاب تناقضات وضعه. إنه مقتنع في لحظة بقيمة الزهد الموروث، ثم ينهار في لحظة تالية تحت وطأة الحاجة والظلم الاجتماعي، مقنعًا القارئ بهذا التذبذب لأنه انعكاس لصراع إنساني حقيقي بين القيم المثلى والواقع المادي.

هذه 'اللاتوقعية' التي تشبه الحياة، كما يسميها فورستر، هي ما يجعل من الحفيد شخصية فنية عميقة تتجاوز كونها مجرد أداة سردية لتتحول إلى نموذج لإنسان الخليج العالق بين ماضٍ ثقيل وحاضر قاسٍ."

أما الجد، فهو الشخصية المؤسسة التي، وإن غابت جسديًا بعد موته، فإنها تظل حاضرة بوصفها «أرشيتايبًا أبويًا» يُلقي بظلاله على الأجيال اللاحقة. لقد قام بقرار التنازل عن الأرض قُربةً لله، فحوّل إرث العائلة إلى رمز للفقد والحرمان. وهو في نظر أحفاده ليس مجرد شخصية تاريخية، بل صورة قاهرة تختزن السلطة القيمية وتُلزمهم بقبول الحرمان. تُجسّد عبارته الشهيرة «كل هذا من أجل دنيا فانية!» سلطة الخطاب الزهدي الذي يطبع الوعي ويُعيد إنتاج الهيمنة.

وفي هذا المستوى، يصبح الجد بمثابة بنية رمزية أكثر منه شخصية سردية، لأنه يواصل التأثير حتى بعد رحيله، محوّلًا الموت إلى حضور رمزي لا يقل ثِقلًا عن الوجود الفعلي.

وتبرز الأم بوصفها ذاكرة الأسرة، فهي التي تحكي للحفيد قصة الجد وتعيد صياغة الأحداث بوعي نسويٍّ خفي. حضورها لا يقتصر على ترديد الحكاية، بل يتجاوز ذلك إلى حفظ السرد العائلي من التلاشي، وإلى نقل الهوية عبر الأجيال.

إنّها الصوت النسوي الذي يمنح القصة بعدها التأويلي، ويؤكد أنّ المرأة ليست هامشًا في النص، بل فاعلة في صياغة معناه. وبالمثل، تشارك العمّات في هذا الدور، فقد أبدين في لحظة القرار جرأة غير متوقعة بالاعتراض على الجد، وهو ما يجعل من أصواتهنّ علامة مبكرة على مقاومة الهيمنة الأبوية.

وبذلك يتجسد في الأم والعمّات نموذج الصوت النسوي الذي يحفظ الذاكرة ويعيد إنتاج الهوية، كما أشارت شوالتر إلى أهمية هذا الحضور النسوي في مقاومة السرد الذكوري.

أما الأب والأعمام، فيمثلون جيلًا وسيطًا بين الجد والأحفاد. فقد احتجوا في البداية على قرار التنازل عن الأرض، لكن اعتراضهم تلاشى مع مرور الوقت تحت ضغط الهيمنة الثقافية. إنهم يشهدون بذلك على الكيفية التي يتحوّل بها موقف فردي إلى «حس عام»، حيث يخضعون تدريجيًا للمنطق الجمعي الذي يفرض الامتثال.

ومن خلال هذا التدرج يكشف النص عن دينامية الهيمنة، وكيف تعمل الثقافة على إعادة إنتاج القيم حتى في مواجهة الاعتراض.

ويحضر الرجل الأعرج – المستفيد المباشر من هبة الأرض – كشخصية ثانوية لكنها محورية في بناء الحدث. فهو الذي مثّل في البداية رمز البؤس والفقر، غير أنّه بفضل هبة الجد تحوّل إلى رمز للتمكين الاقتصادي، إذ ورث أبناؤه الأرض وحوّلوها إلى مجمّع ضخم يدرّ أرباحًا هائلة. وجوده يُظهر مفارقة التحوّل من الاستعطاف إلى الثراء، ويعكس التناقض بين نية التضحية ونتائجها الطبقية.

ومن خلال جوهر التحليل البنيوي تعتبر لحظة "الأذى" (Villainy) التي أشار إليها بروب (1968)، كمحور أساسي تنطلق منه حركة الحبكة وتتطور نحو الذروة. في قصة "دنيا فانية"، يمكن اعتبار قرار الجد التبرع بأرضه للرجل الأعرج هو لحظة "الأذى" (A) التي تشكل نقطة التحول المأساوية في القصة. هذا القرار، الذي يبدو في ظاهره عملًا أخلاقيًا (قربة لله)، يتحول في عواقبه إلى فعل إيذاء (Villainy) بحق العائلة، مما يؤدي إلى حرمان الأجيال اللاحقة ويشكل "بداية التعقيد" في الحبكة (بروب، 1968). حيث يتسبب في حرمان الأبناء والأحفاد من ميراثهم ويقلب حياتهم إلى فقر وضنك. يحلل بروب هذه اللحظة على أنها "بداية التعقيد" (the complication is begun)، وهو ما ينطبق تمامًا على القصة، حيث إن هذا التبرع هو الشرارة التي تبدأ منها كل الأحداث اللاحقة من فقر، ومعاناة، وصراع نفسي، واجتماعي. الوظائف السابقة في القصة (مثل غياب التهديد المباشر، وصورة الرجل الأعرج المتسول) تعمل كإعداد وتحضير (preparatory part) لهذه اللحظة المحورية.

وتؤدي شخصية «كومار» الآسيوي وظيفة مرآوية، فهو زميل الحفيد الذي يترك عمله حارسًا ليصبح محاسبًا، فيكشف بذلك هشاشة موقع الحفيد حتى أمام المهاجرين الأقل امتيازًا. وجود «كومار» يضعف وهم الاستقرار الذي يعيش فيه الحفيد، ويؤكد أنّ الفقر ليس قدرًا طبيعيًا، بل نتيجة علاقات قوة غير متكافئة.

وأخيرًا، يظهر المجمّع التجاري نفسه بوصفه شخصية غير بشرية، أو بنية فاعلة تشارك في تشكيل المعنى. فهو ليس مجرد فضاء عمراني، بل رمز للرأسمالية التي صادرت الأرض والذاكرة، وحوّلتها إلى مصدر ربح واغتراب. في داخله يتوزع التجار، وفي خارجه يقف الحفيد حارسًا، لتكتمل بذلك الصورة الرمزية للفقد والهيمنة.

تحليل الأحداث والحبكة

تقوم حبكة «دنيا فانية» على سرد متدرّج ينطلق من حدث ماضٍ مؤسس هو قرار الجدّ التنازل عن الأرض قُربةً لله، لينتج سلسلة من التداعيات تمتد أثرها إلى الحاضر. يبدأ النص بمقدمة تستعرض فعل الجدّ، وتصف الحيرة والدهشة التي أصابت المحيطين به وهم يرون أرضًا واسعة تُمنح لرجل فقير دون مقابل، لتُفتتح بذلك لحظة التوتر الأولى. هذا القرار يشكّل العقدة المركزية التي ستظل تلقي بظلالها على الأجيال اللاحقة، ويكشف في الوقت نفسه عن المفارقة الأخلاقية والاجتماعية: نية التضحية مقابل نتائج الإفقار.

تتصاعد الأحداث مع انتقال السرد إلى الحاضر، حيث يقف الحفيد حارسًا عند بوابة المجمّع المشيّد على تلك الأرض، لتتحول صورة المكان من فضاء زراعي وعائلي إلى فضاء رأسمالي استهلاكي. هنا يظهر التناقض الصارخ بين الحلم والواقع: فبينما يدرّ المجمّع أرباحًا طائلة، يعيش الحفيد وأسرته في بيت آيل للسقوط ويقاسون الحرمان.

تتجسد الذروة في لحظة الوعي المرير، حين يواجه الحفيد حقيقة أنّ حياته اليومية بكل تفاصيلها – فواتير الكهرباء، ضيق المسكن، حرمان الزواج – ما هي إلا نتيجة مباشرة لذلك القرار الرمزي الذي اتخذه الجد. ومن خلال هذه الذروة، يبرز الصراع الوجودي للحفيد بين الانصياع للخطاب الأخلاقي وبين الرغبة في رفضه.

أما النهاية فتتخذ طابعًا مفتوحًا، إذ لا يقدّم النص حلًا تقليديًا أو خلاصًا سرديًا، بل يترك القارئ في مواجهة مفارقة مستمرة: الماضي يثقل الحاضر، والجدّ الغائب يحضر كظل قيمي، والحفيد يقف على العتبة بين الداخل والخارج. بهذا المعنى، لا تنغلق الحبكة على نفسها، بل تظل دائرة مفتوحة تعيد إنتاج سؤال الفقد والحرمان جيلاً بعد جيل.

الرموز والموضوعات

تتوزع الرموز في القصة لتكوّن شبكة دلالية متكاملة. فالرمز الأول والأكثر مركزية هو الأرض، التي تتحول من مصدر رزق وعلامة انتماء إلى علامة فقد واقتلاع.

الأرض هنا ليست مجرد ملكية مادية، بل ذاكرة وهوية، ولذلك فإن فقدانها يعني فقدان رابط جوهري مع الماضي والجماعة.

أما البيت، فيظهر كرمز للحميمية المتداعية، إذ يتكدّس فيه الأبناء والأحفاد في غرف ضيقة، ويصبح مهددًا بالسقوط في أي لحظة، ليجسّد بذلك انهيار البنية العائلية وتصدّع الأمان الجماعي. يؤكد باشلار أنّ «البيت يتيح لنا أن نحلم بسلام» (Bachelard, 1961). لكن في القصة، يغيب هذا الدور؛ فالبيت المتداعي لا يسمح للأحفاد بالراحة أو الحلم، بل يضاعف قسوة الواقع اليومي، ويحول المكان من فضاء حميم إلى مصدر ضغط واغتراب.

وفي المقابل، يتجسد المجمّع التجاري كرمز للرأسمالية الحديثة التي تصادر الأرض وتعيد إنتاجها في شكل فضاء استهلاكي يدرّ الأرباح لأصحاب النفوذ. هذا المجمّع لا يظهر كخلفية محايدة، بل كبنية رمزية تشخصن الهيمنة، إذ يقف الحفيد عند بوابته حارسًا، في حين يعبر التجار إلى محلاتهم في صورة فاضحة للتفاوت الاجتماعي.

يمثل "المجمع الضخم" في القصة تجسيدًا ملموسًا للهيمنة الطبقية كما يحللها لوفيفر (1969). فهو ليس مجرد مبنى، بل هو "فضاء اجتماعي" reproduced علاقات القوة. يقف الحارس (الراوي) عند بوابته، وهو سليل المالك الأصلي، بينما يدخل إليه الأغنياء.

هذه الجغرافيا الطبقية الجديدة – حيث يحرس الفقير ممتلكات الغني التي بُنيت على أرضه المسلوبة – هي ذروة الهيمنة الرمزية. كما يذكر بهادور وآخرون (2018)، فإن الفضاء هو "وسيلة للسيطرة، وبالتالي الهيمنة، السلطة". المشهد الذي يشاهد فيه الراوي "التجار يتقدمون إلى محلاتهم فرحين مستبشرين بالرزق الوفير" بينما هو في "فقر وحاجة" يوضح كيف يصبح الفضاء أداة للإذلال اليومي وإعادة إنتاج عدم المساواة، مما يجعل "الهروب" من هذه الدائرة يبدو مستحيلاً، ويحول حلم الاسترداد إلى مجرد "سراب" (mirage).

إلى جانب هذه الرموز المكانية، تبرز لازمة الزهد في العبارة الشهيرة «كل هذا من أجل دنيا فانية!»، وهي لازمة تتحول إلى شعار أخلاقي يُطبع في الوعي الجمعي. هذه العبارة تمثل عنفًا رمزيًا بامتياز، لأنها تبرّر الحرمان وتمنحه مشروعية أخلاقية ودينية.

كما يحضر الأرشيتايب الأبوي في صورة الجد، الذي يصبح رمزًا للسلطة القيمية القاهرة التي تُلقي بظلالها على الأجيال اللاحقة، مولدة شعورًا مستمرًا بالذنب والرغبة المقموعة. وإلى جانب ذلك، يتمثل الموضوع الرئيس للنص في جدلية الفقر والهيمنة، غير أنّه يتقاطع مع موضوعات أخرى مثل الذاكرة والاغتراب والهوية. فالذاكرة تُحفظ عبر السرد النسوي، والاغتراب يتجسد في التحوّل من فضاء زراعي إلى فضاء استهلاكي، والهوية تعاد صياغتها باستمرار بين الماضي والحاضر.

الأسلوب واللغة

تُكتب القصة بلغة مكثفة واقتصادية، تتجنّب الإسهاب وتلجأ إلى الجمل القصيرة والصور المركّزة. يعتمد السرد على منظور داخلي من خلال الحفيد، بما يمنح النص بُعدًا ذاتيًا يكشف الصراع النفسي والوجودي من الداخل. وفي الوقت نفسه، يتناوب السرد بين استدعاء الماضي بصوت الأم والعمّات، وبين وصف الحاضر بوعي الحفيد، مما يخلق تنوعًا في الأصوات ويمنح النص بعدًا تعدديًا. هذه التقنية السردية تعزز حضور الصوت النسوي الذي يعيد رواية القصة ويمنع محوها.

أما لغة النص، فهي لغة رمزية تحمل كثافة شعرية، خصوصًا في توظيف المكان كعلامة دلالية. فالمكان لا يُوصف وصفًا تقريريًا، بل يُستدعى كفضاء حميم أو كرمز اغتراب، وفقًا لرؤية باشلار وريكور عن المكان والذاكرة. كما يلاحظ أنّ النص يوظّف المفارقة كأسلوب فني، حيث تتقابل التضحية مع الحرمان، والفضيلة مع الفقد، والذاكرة مع الاغتراب، ليُنتج بذلك توترًا دائمًا يعكس عمق التجربة الإنسانية. هذا الأسلوب المكثف يعيد تشكيل الذاكرة الجماعية، ويؤكد أنّ القصة ليست مجرد تسلسل أحداث، بل بنية رمزية تنفتح على مستويات متعددة من القراءة.

النص يعكس آليات معقدة لإعادة إنتاج الفقر والهيمنة في المجتمع الخليجي، من خلال خطاب زُهدي يتحوّل إلى أداة للسيطرة، ومن خلال هيمنة ثقافية تجعل من التضحية قيمة جمعية. كما أنّه يكشف عن أثر الأرشيتايب الأبوي في تكوين الهوية الفردية، وعن دور المكان بوصفه فاعلًا دلاليًا يختزن الذاكرة ويجسد الاغتراب. وفي مواجهة هذه البُنى، يبرز الصوت النسوي كوسيط يحفظ الحكاية من النسيان، ويعيد إنتاج الهوية من منظور بديل.

تقدم القصة مقولتين جاهضتين (doxa) متصارعتين: المقولة الدينية ("القربة لله"، "الدنيا الفانية") والمقولة المادية الحديثة (قيمة الملكية، التخطيط الاقتصادي، الفقر المدقع). يعمل السرد على "محو الذات المتكلم" (بروفينزانو، 2010) حيث يعرض كلا المقولتين دون حكم مباشر، تاركًا الصراع بينهما ليحدث في ذهن القارئ. العبارة الأخيرة للجد – "كل هذا من أجل دنيا فانية!" – تُقدم كحقيقة مطلقة (doxa) داخل عالم القصة، ولكن السرد يعيد فتحها للنقاش من خلال العواقب المادية المدمرة التي يعيشها الأحفاد. هذا الصدام يكشف كيف تتحول المقولات الجاهزة إلى أدوات هيمنة، حيث تستخدمها الأجيال السابقة لتبرير أفعالها، بينما تتحمل الأجيال اللاحقة تبعاتها المادية.

وهكذا يثبت النص أنّ الأدب قادر على كشف تناقضات البنى الاجتماعية والثقافية، وأن القصة القصيرة، رغم إيجازها، يمكن أن تكون مساحة خصبة لتحليل جدليات المكان والذاكرة والسلطة.

قصة «دنيا فانية» ليست مجرد حكاية عن قرار فردي بالزهد، بل نص أدبي يدمج بين الاجتماعي والنفسي والرمزي والنسوي ليقدّم قراءة معمقة للتحولات التي يشهدها المجتمع الخليجي.

فقد نجح النص في أن يكون مرآة للفقر والهيمنة، وأن يكشف عن أثر المكان والذاكرة في تشكيل الهوية، وأن يمنح المرأة دورًا تأويليًا يعيد إنتاج المعنى.

وبذلك، فإن القصة تقدم نموذجًا يُظهر كيف يشتبك الأدب مع الواقع، وكيف يمكن للقراءة الأكاديمية المتعددة التخصصات أن تكشف عن طبقات الدلالة التي يتوارى خلفها النص.

قائمة المراجع

Bachelard, G. (1961). La poétique de l’espace (3e éd.). Paris: Presses Universitaires de France. (Ouvrage original publié en 1957).

Bahador, R., & Zohdi, E. (2015). Alice Munro's "Runaway" in the mirror of Sigmund Freud. International Journal of Applied Linguistics and English

Literature, 4(2), 169–176. Alice Munro's "Runaway" in the Mirror of Sigmund Freud | Bahador | International Journal of Applied Linguistics and English Literature

Bahador, R., Hashemi, L., & Zohdi, E. (2018). Mirage, space and hegemony: The exploration of identity in Alice Munro’s “Runaway”. Fe Dergi: Feminist Eleştiri, 10(2), 131–139. http://cins.ankara.edu.tr/20_12.pdf

Forster, E. M. (2002). Aspects of the novel. RosettaBooks. (Original work published 1927)

Forster, E. M. Aspects of the Novel. RosettaBooks, 2002. E-book.

Foucault, M. (1986). Of other spaces (J. Miskowiec, Trans.). Diacritics, 16(1), 22–27. https://doi.org/10.2307/464648

Gignoux, A.-C. (2006). De l’intertextualité à la récriture. Cahiers de Narratologie, 13. De l'intertextualité à la récriture

Hamon, P. (1977). Pour un statut sémiologique du personnage. In R. Barthes, W. Kayser, W. C. Booth, & P. Hamon, Poétique du récit (pp. 115–180). Éditions du Seuil.

Propp, V. (1968). Morphology of the folktale (2nd ed., L. A. Wagner, Ed.). University of Texas Press. (Original work published 1928)

Provenzano, F. (2010). Effacement énonciatif et doxa dans le discours théorique : l’exemple de Julia Kristeva. Argumentation et Analyse du Discours, 5. Effacement énonciatif et doxa dans le discours théorique : l’exempl...

دنيا فانية https://alay.am/p/9ee9

Alice Munro's "Runaway" in the Mirror of Sigmund Freud | Bahador | International Journal of Applied Linguistics and English Literature

journals.aiac.org.au

Alice Munro's "Runaway" in the Mirror of Sigmund Freud | Bahador | International Journal of Applied Linguistics and English Literature

Alice Munro's "Runaway" in the Mirror of Sigmund Freud

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...