مؤتمر السلام الشعبي في تل أبيب بين رهانات الاختراق الداخلي واحتمالات توظيفه الخارجي

مؤتمر السلام الشعبي في تل أبيب بين رهانات الاختراق الداخلي واحتمالات توظيفه الخارجي

بقلم المحامي علي أبو حبلة

يشكل انعقاد المؤتمر الشعبي للسلام الثالث في تل أبيب، بتنظيم تحالف "حان الوقت" الذي يضم عشرات منظمات السلام والمجتمع المشترك، حدثاً سياسياً لافتاً في توقيته ومضامينه، لا سيما أنه يأتي في ظل واحدة من أكثر المراحل توتراً في تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وفي وقت تواجه فيه إسرائيل انتقادات دولية واسعة بسبب الحرب على غزة، وتصاعد الاستيطان والعنف في الضفة الغربية والقدس، واتساع ساحات المواجهة الإقليمية لتشمل لبنان وسوريا وجبهات أخرى.

ومن هنا، فإن قراءة هذا المؤتمر تقتضي مقاربة موضوعية ومهنية تتناول أبعاده الداخلية والخارجية، وفرص تأثيره الفعلية، وما إذا كان يمثل تحولاً حقيقياً داخل المجتمع الإسرائيلي، أم أنه يندرج أيضاً ضمن محاولات تحسين صورة إسرائيل أمام المجتمع الدولي.

أولاً: دلالة انعقاد المؤتمر في هذا التوقيت

يأتي المؤتمر في لحظة سياسية دقيقة، حيث تواجه الحكومة الإسرائيلية الحالية، التي تُعد من أكثر الحكومات يمينية وتشدداً، أزمات مركبة تشمل:- تتمثل في استمرار الحرب وتداعياتها العسكرية والإنسانية.، تصاعد الضغوط الدولية المرتبطة بالوضع الإنساني في غزة.، اتساع الانقسام الداخلي الإسرائيلي حول إدارة الحرب ومستقبل الحكم.،تراجع الثقة الشعبية بالمؤسسات السياسية والأمنية.

تنامي المخاوف من عزلة دولية متزايدة.

في هذا السياق، فإن ظهور تيار مدني يرفع شعار إنهاء الحرب وفتح أفق سياسي يعكس وجود أصوات إسرائيلية ترى أن المقاربة العسكرية وحدها لم تحقق الاستقرار، وأن استمرار الصراع المفتوح يحمل كلفة استراتيجية باهظة على إسرائيل والمنطقة.

ثانياً: هل يستطيع المؤتمر اختراق اليمين الإسرائيلي المتطرف؟

من الناحية الواقعية، لا يمكن افتراض أن مؤتمراً مدنياً، مهما اتسع حضوره، قادر بمفرده على إحداث تحول سريع داخل البنية السياسية الإسرائيلية. فاليمين الإسرائيلي لا يستند فقط إلى خطاب أيديولوجي، بل إلى شبكة نفوذ مؤسساتية تشمل:- تمثيلاً واسعاً في الكنيست والحكومة.، حضوراً قوياً داخل الحركة الاستيطانية.، تأثيراً متزايداً في بعض المؤسسات الأمنية والدينية والتعليمية.وقاعدة اجتماعية تستند إلى خطاب الخوف والأمن والهوية.

وعليه، فإن قدرة المؤتمر على اختراق اليمين المتطرف مباشرة تبقى محدودة في المدى القريب. لكنه قد يسهم في:-

إعادة تنشيط المعسكر المدني المؤيد للتسوية السياسية.، خلق نقاش داخلي حول كلفة استمرار الحرب والاحتلال. توسيع الفجوة بين التيار البراغماتي والتيار العقائدي داخل إسرائيل.وتشكيل قاعدة ضغط مستقبلية في أي انتخابات أو تحولات سياسية قادمة.؟؟ بمعنى آخر، تأثير المؤتمر قد يكون تراكميّاً لا فورياً.

ثالثاً: هل يمثل المؤتمر غطاءً لإسرائيل للخروج من العزلة الدولية؟

هذا سؤال مشروع في ضوء التوقيت الدولي الحساس. فمن المعروف أن بعض الحكومات تلجأ إلى إبراز أصوات المجتمع المدني لتخفيف الضغوط الخارجية أو لإظهار وجود "ديمقراطية داخلية" رغم استمرار السياسات الرسمية.

وفي الحالة الإسرائيلية، قد يُستخدم انعقاد مثل هذا المؤتمر خارجياً لإيصال رسائل من قبيل:- أن المجتمع الإسرائيلي ليس كتلة واحدة.وأن هناك قوى سلام فاعلة. وأن باب الحل السياسي ما زال مفتوحاً.وأن إسرائيل تشهد حراكاً داخلياً نقدياً.

غير أن نجاح هذا التوظيف يبقى مرهوناً بوجود تغيير فعلي في السياسات الرسمية. فالمجتمع الدولي بات يقيس المواقف بالأفعال لا بالمؤتمرات، وخاصة في ظل استمرار:؟؟؟ الحرب على غزة.،النشاط الاستيطاني في الضفة الغربية.

محاولات تكريس ضم فعلي للقدس وأجزاء من الضفة.والقيود على الحقوق الفلسطينية الأساسية.،لذلك، إذا لم يترافق الخطاب المدني مع تغيير حكومي ملموس، فقد يبقى المؤتمر محدود الأثر في كسر العزلة الدولية.

رابعاً: البعد القانوني والسياسي

من منظور القانون الدولي، فإن أي مبادرة تدعو لإنهاء الحرب والاحتلال والعودة إلى المسار السياسي تنسجم مع مبادئ ميثاق الأمم المتحدة وقرارات الشرعية الدولية، وعلى رأسها:

عدم جواز الاستيلاء على الأرض بالقوة. ؟؟ حق الشعوب في تقرير مصيرها. ؟؟حماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة. ورفض الاستيطان في الأراضي المحتلة.

لكن في المقابل، فإن استمرار فرض الوقائع الأحادية، سواء عبر التوسع الاستيطاني أو فصل غزة عن الضفة أو إضعاف إمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافياً، يقوض أي مسار تفاوضي مستقبلي.

خامساً: الحرب متعددة الجبهات وتأثيرها

لا يمكن فصل المؤتمر عن البيئة الإقليمية الأوسع، حيث تواجه إسرائيل توترات متزامنة مع غزة ولبنان وسوريا، إضافة إلى احتمالات التصعيد في ساحات أخرى. هذا الواقع يدفع قطاعات داخل إسرائيل إلى التساؤل حول جدوى إدارة صراع دائم متعدد الجبهات، وما إذا كان الحل السياسي مع الفلسطينيين مدخلاً لتخفيف العبء الاستراتيجي الأوسع.

الخلاصة

يمثل مؤتمر السلام الشعبي في تل أبيب مؤشراً مهماً على وجود تيار داخل المجتمع الإسرائيلي يرفض استمرار الحرب ويبحث عن بدائل سياسية. إلا أن قدرته على كبح صعود اليمين المتطرف تبقى محدودة في المدى القصير ما لم تتحول هذه الأصوات إلى قوة سياسية منظمة ومؤثرة انتخابياً ومؤسساتياً.

وفي الوقت ذاته، لا يمكن استبعاد توظيف المؤتمر لتحسين صورة إسرائيل دولياً، لكن هذا التوظيف لن يكون كافياً إذا استمرت سياسات الحرب والاستيطان وفرض الأمر الواقع.

وعليه، فإن المعيار الحقيقي لنجاح مثل هذه المؤتمرات لا يكمن في عدد المشاركين أو قوة الخطابات، بل في قدرتها على التأثير في القرار السياسي، ووقف مسار الضم، وإنهاء الحرب، وفتح أفق جدي لتسوية عادلة تستند إلى القانون الدولي وحقوق الشعب الفلسطيني.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...