عرض /محمد عباس محمد عرابي
القيم التربوية المستنبطة من تغريدات شيخ التربويين الدكتور سعيد إسماعيل علي(مواقفه مع العلماء أنموذجًا ) القيم التالية :
قيمة تقدير العلماء وإنزالهم منازلهم :تقدير القوصي للدكتور سعيد إسماعيل ( فيلسوف التربية في مصر):
حيث يقول الدكتور سعيد إسماعيل علي في تغريدة له بعنوان "الدكتور القوصي ..وأنا" ونستنبط منها قيمة تقدير العلماء وإنزالهم منازلهم واحترامهم ،وترشيحهم للمناصب اللائقة به وتقدير علمهم حيث يقول :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كنت جالسا – كالعادة-في مكتب وكيل الكلية: الدكتور أبو الفتوح رضوان، كمعيد مُلزم ، مع زميلي الراحل نبيل نوفل، في تربية المنيرة، حيث كان من الطقوس، أن يقوم عثمان( العامل المختص بمكتب الوكيل) بالمسارعة بفتح الباب على مصراعيه ، ليدخل أبو الفتوح، منتفخ الأوداج، حيث كان يتمتع بقوة شخصية مسيطرة، يتصرف بقوة، حتى مع عميد الكلية وقتذاك: الدكتور صلاح قطب..
ثم رأيت عثمان يسارع بفتح الباب ، لكن، ليس لأبى الفتوح ، بل لشخص آخر، لم أكن رأيته من قبل.. ويتجه الضيف إلى مكتب أبى الفتوح في صدر القاعة، ويمسك بالتليفون، وينادى عامله: يا محمد : أخبر صلاح ( قطب)، وزكى ( صالح )، ومصطفى ( فهمى )- هكذا بغير ألقاب- أنى موجود؟!!
ثم إذا بهؤلاء، وغيرهم ، يأتون مسرعين، رؤوسهم منحنية، وهم يصافحون الزائر، ويكادون يقبلون يده..
وأخبرني عثمان، أنه ( الدكتور عبد العزيز القوصي) ..مؤسس الكلية ( مع إسماعيل القباني) ، وأستاذ كل هؤلاء وغيرهم؟!!
وتمر أعوام، ثم أذهب إلى مؤتمر كبير في بغداد، عام 1972، حيث ألقيت ملخصا لبحثي (تسرب الكفايات العلمية ) ، وكان أول بحث منا –في اقتصاديات التعليم- مما دفع بعض زملائي الحاضريين، مثل الدكتور عبد الفتاح حجاج، وحسان محمد، وشكري عباس، أن يبدو دهشتهم، بل وسخريتهم، لإقحام نفسي في هذا المجال، بينما معظم جهودي، السابقة، تركزت في تاريخ التربية والتعليم.
فلما عدت إلى مكاني ، بعد فترة راحة، وجدت ورقة صغيرة تحيينى على ما أنجزت، بتوقيع الدكتور القوصي، ندمت بشدة أن لم أحتفظ بها..
ذهبت إلى الرجل، أشكره..
وجاء في الحديث، أنني أخصص يوما كل أسبوع ، أجتمع فيه مع بعض الباحثين، في منزلنا ، فلما تكاثر العدد، أصبحت أجتمع بهم في ( المريلاند) بمصر الجديدة..
قال الدكتور القوصي، مقترحا، أن هناك مكانا في وسط البلد – التحرير- يكون أفضل لو اجتمعنا به ، اسمه ( رابطة التربية الحديثة) ، حيث يذهب أستاذنا كل أسبوع، يجلس وحده، حتى لا يُغلق المكان، فهو من آثار الراحل إسماعيل القباني، وأنه مهجور، ..
وكانت تلك البداية نشاطي في الرابطة..
وكان السادات، بمساعدة الدكتور عبد القادر حاتم ، قد أنشأ المجالس القومية المتخصصة، وعلى رأسها المجلس القومي للتعليم، فإذا بالدكتور القوصي، يقابلني بالدكتور حاتم ، مرشحا لي عضوا بالمجلس القومي للتعليم، واصفا إياي للدكتور حاتم بأنني ( فيلسوف التربية في مصر)، حيث استكثرت هذا على نفسي..لكنه أصر على هذا التوصيف، وقد ذكره كذلك للدكتور محمد الهاشمي، الذى كان رئيسا لجامعة عين شمس، حيث كان عضوا بالمجلس..
وعندما صدر كتابي ( الفكر التربوي العربي الحديث )في سلسلة عالم المعرفة، وأهديت الدكتور القوصي نسخة، قال لي بعد ذلك ( أنت جبت الحاجات دي كلها منيين؟!!)، تعبيرا عن إعجابه الشديد..
ودعاني الراحل ، أنا وزوجتي إلى فنجان شاي في سكنه الخاص..
ولن أنس أبدا قوله لي ( يا ريتني كنت أعرفك من زمان)، واعتبرتها تكريما لم أكن أحلم به..
ورشحني في اجتماع مهم في تونس، لعمل مجلد ضخم عن الفكر التربوي الإسلامي، حيث كان من المشاركين، الدكتور حامد عمار، ومحيى الدين صابر، والدكتور عبد الجواد رضا..
رحم الله شيخ التربية العربية الأكبر..
*قيمة الالتزام الدقيق بالمواعيد:
فلقد استفاد الدكتور سعيد إسماعيل علي من أستاذه : د.زكي نجيب محمود" قيمة الالتزام الدقيق بالمواعيد، وفي ذلك يقول في تغريدة له بعنوان "من أساتذتي: د.زكي نجيب محمود"
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اتفق لي أن وقع في يدى كتاب له بعنوان ( خرافة الميتافيزيقا )، وجدته فيه ينهال على كل ما لا يخضع للإدراك الحسى، فيعلن عدم وجوده؟!
كان هذا يثيرنا نحن طلاب فلسفة القاهرة، ونقول له أن هذا يعنى نزع الثقافة الخطاب الديني، لكنه لم يكن يرد بطريقة مباشرة..
كنا نذاكر في كتابه الضخم : المنطق الوضعي، الذى ترسم فيه خُطى فلاسفة الوضعية المنطقية، مثل برتراند رسل، و( كارناب)، و( فتجنشتاين )..
كان ذا أثر كبير في حرصي على الالتزام الدقيق بالمواعيد، حيث كان يلقانا في حجرة بالآداب، في الدور الأرضي مجاورة لساعة جامعة القاهرة مباشرة، فإذا به يدق مع دقات الساعة، حتى خُيل لي أن هناك سلكا بين عتبة الباب والساعة..
وفى فترة لم تتعَوّض، كان الأهرام يُفرد صفحة كاملة لكبار المفكرين، يكتب فيها عن عدد من القضايا ، مثل يوسف إدريس، وعبد الرحمن الشرقاوي، وزكى نجيب محمود..
وفى فترة نادرة أيضا ، شهدت مصر عددا من المجلات الشهرية ذات الوزن الثقيل ثقافيا، مثل الطليعة، عن الأهرام، و(الكاتب) برئاسة أحمد عباس صالح، تجنح إلى اليسار، وكذلك (الفكر المعاصر) رأس تحريرها الدكتور زكى، وسعدت بنشر بعض كتاباتي فيها.
وعندما بدأت أجهّز لرسالتي للماجستير بتربية عين شمس ( الاتجاه التجريبي في الفلسفة المعاصرة، وأثره على الفكر والتطبيق التربوي)، ذهبت إليه في فلسفة القاهرة، أستشير في منهج السير فيها، لكن، لم أرتح لرأيه، حيث أكسبتني دراسة العلوم التربوية بصرا أوسع بأهمية الجذور الاجتماعية للأفكار والفلسفات، ولم يكن هو مرحبا بذلك.
ولما كتبت كتابا عنوانه ( أصول التربية الإسلامية)، أهديته نسخة منه، فسعد بها وكتب عبارة تقريظ له، للأسف الشديد ضاعت منى، كانت تعتبر وساما على صدري.
وكان اليساريون يتوجهون ضده، خاصة مقال مهم له بعنوان ( الماركسية منهجا)، أذكر فكرته ، التي آمنت بها، وهى أن الماركسية صدقت في تصورها بتاثير البنيية التحتية المجتمعية فيما يكون من أفكار واتجاهات، لكن قصرت، في عدم انتباهها إلى أن هذه الأفكار والاتجاهات ، تعود بدورها لتؤثر في البنية التحتية..
وعندما تطاول أحد اليساريين في الهجوم علي فلسفته التحليلية، كتب مقالا عنوانه ( درس في التحليل) يكشف عن "جهل" الكاتب في التحليل،و اتخذته نموذجا لي، بعد سنوات ، عندما كتبت مقالا في مجلتنا ( دراسات تربوية ): ( درس في أصول التربية)، حيث لاحظت ضعف الوعى بهذا التخصص العظيم!!
وعندما طلبت زيارته في سكنه بالجيزة، وكان معي الراحل الدكتور وجيه الصاوي، حرصت أن أكون أمام الشقة في الموعد بحيث طرقت الجرس، في نفس اللحظة التي سمعت فيها ساعة حيط بالداخل تدق؟!!
رحم الله هذا العملاق الشامخ، وكذلك صديقنا الدكتور وجيه الصاوي ، الذى كان بتربية الأزهر .
قيمة الرضا بالأقدار وتغريدة الدكتور أحمد زكى صالح:
حيث يقول الدكتور سعيد إسماعيل علي في تغريدة له بعنوان :
الدكتور أحمد زكى صالح:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في إحدى المناسبات، داخل تربية عين شمس، أمسكت بطبق عليه بعض الحلوى، وقمت لأقدمه للدكتور أحمد زكى صالح ، الذى كان أستاذا ورئيسا لقسم علم النفس التربوي، اعتذر عن عدم قبوله لأكل الحلوى، على أساس أن صحته لا تساعده على ذلك..
لما انتهيت من مهمتي، ناداني، قائلا: عارف يا واد يا سعيد( وكانت هذه طريقته في مخاطبتي، حيث كانت تنز ل في أذني أحلى من الشهد بما كانت تفوح به من مودة، ورفع كلفة..) كنت أسير صغيرا في ميدان السيدة زينب بالقبقاب، أيام الفقر، فأرى محلا يبيع الجاتوه، حيث كانت القطعة بقرش صاع، وأتحسس جيبي ، فلا أجد بها ما يساعدني على شراء هذه القطعة..
وها أنا ذا يا واد يا سعيد: عندما كانت المعدة تستطيع، كانت الجيب لا تستطيع، فلما أصبح الجيب مستطيعا، إذا بالمعدة لا تستطيع؟!!
كنت أشعر بحب خاص تجاه هذا الرجل ، ربما لقدر من التعصب المعرفي عندي، حيث عرفت أنه تكون في آداب القاهرة، قسم الفلسفة...الجهة التي تكونت فيها.
كان يصول ويجول في المحاضرة، يمزج بمهارة عجيبة بين الدسامة العلمية، والفكاهة ، فضلا عن البساطة والشعبية.. حتى لقد نويت أن أواصل دراستي العليا في علم النفس التربوي، وحضرت، بعد الدبلوم الخاص سمينار علم النفس التربوي، لولا مفاجأتي بتعييني معيدًا بقسم أصول التربية..
وفى أوائل 1967، ولم تكن نذر الحرب المشئومة قد لاحت بعد، جاءني استدعاء للاحتياطي بالجيش، ففوجئت، حيث كنت في الصفحات الأخيرة من رسالتي للدكتوراه، فسعيت إلى تأجيل الاستدعاء، وكان الدكتور زكى صالح ممن لجأت إليهم..
كان له شقيق ضابط برتبة عالية( يحيى) ، ساعده على إنشاء " معمل علم النفس العسكري بالقوات المسلحة المصرية، وقال لي أن شقيقه هذا هو دفعة " شمس بدران" ، وكان شمس بدران هذا صاحب سلطان ونفوذ رهيبين، حيث كان الذراع الأيمن للقائد العام : عبد الحكيم عامر..
وذهبت إليه بالفعل، وتم تأجيل الاستدعاء..
ثم إذا بي أعلم بعد ذلك أنني كنت مستدعى لما كان يعرف بالفرقة الرابعة المدرعة، وكانت على أهبة الذهاب إلى حرب اليمن، فلما بدأت نذر الجبهة بمقدمات يونية 1967، لم تغادر الفرقة إلى اليمن لتشارك، فكان مصيرها مؤسفا ، ضمن ما حدث من تخريب وتدمير وقتل في كارثة يونية ..
طوال مهنتي بالكلية، لم أشارك أبدًا في أعمال " كونترول"، باستثناء مرة كان فيها الدكتور زكى رئيسا لكنترول الدبلوم الخاص، ودعاني إلى العمل معه، وكانت هذه هي المرة الوحيدة.. كان الحد الأقصى للمكافأة ( عشرون جنيها)، ففرحت بها، وذهبت إلى محل حلواني قريب من عمر أفندي بمصر الجديدة، واشتريت علية لأفرح أسرتي، وركبت مترو مصر الجديدة( رحمه الله )، فلما وصلت المنزل، وفرح الأولاد بالحلوى، وأردت أن أفرحهم أيضا بمكافأة الكنترول، إذا بها قد تم نشلها من جيبى بالمترو..
في مثل هذا اليوم
*قيمة تعليم الطلاب التفلسف (التفكير الفلسفي)وقيمة الاعتزاز باللغة العربية :
يقول الدكتور سعيد إسماعيل علي في تغريدة له بعنوان :
"من أساتذتي: د. عثمان أمين":
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كان رئيسا لقسم الفلسفة بجامعة القاهرة، في أخريات دراستي بها ، 1959
وكان يُدَرّس لنا فلسفة حديثة، لكنننا لاحظنا أنه يخرج كثيرا عن موضوع المحاضرة، ويمضي في موضوعات أخرى، ضاحكا بقوله ( نفتح قوس)..؟!
لكنه ، غالبا ما كان يُنهى المحاضرة، دون أن يقفل القوس، بما يفيد استمرار الحديث في موضوعات شتى..
ولما لم يكن هناك كتاب معين نذاكر فيه، وجدنا أن الفصل الدراسي قارب على الانتهاء، ولم نكتب في ( الكشكول) إلا صفحات قليلة..ففيم سيمتحنا؟!
وإذ نبهناه على ذلك، كانت إجابته( جئت لأعلمكم " التفلسف" لا " الفلسفة")؟!
وإذا بى، بعد التخرج بسنوات، عندما وفقني الله لأن أستحدث مقررا باسم ( تدريس الفلسفة)، شرحت في مقال نشرناه بالأهرام، أننا يجب أن نُعَلم طلاب الثانوي(حيث كان تدريس الفلسفة).." التفلسف " لا " الفلسفة"..
بررت ذلك بأن طلاب الثانوية، إذ سيتفرقون إلى تخصصات مختلفة في الجامعة، فليس جوهريا أن نعلمهم ماذا قال أفلاطون، وأرسطو، وغيرهما، بل ( التفلسف)، بمعنى ممارسة التفكير الفلسفى..
وأصبح هذا هو نهجي في التدريس عامة، وفلسفة التربية خاصة..
يرحمه الله ، الأستاذ العظيم، من جيل العمالقة: د. عثمان أمين)..
وكانت له محاضرة في الموسم الثقافي بالأزهر عن ( فلسفة اللغة العربية)، حيث لفت أنظارنا إلى فروق مهمة، ليس هذا وقتها، أكد من خلالها أن العربية تعلو على معظم اللغات الأخرى، ويكفى هنا ما نبهت إليه في كلمة ( فأسقيناكموه)في القرآن الكريم، هل تتحمل لغة أخرى مثل هذا؟، وكذلك ( أنلزمكموها)؟!!
المراجع: د. سعيد إسماعيل
د. سعيد إسماعيل
الدكتور القوصى..وأنا،1 مايو 2025
القيم التربوية المستنبطة من تغريدات شيخ التربويين الدكتور سعيد إسماعيل علي(مواقفه مع العلماء أنموذجًا ) القيم التالية :
قيمة تقدير العلماء وإنزالهم منازلهم :تقدير القوصي للدكتور سعيد إسماعيل ( فيلسوف التربية في مصر):
حيث يقول الدكتور سعيد إسماعيل علي في تغريدة له بعنوان "الدكتور القوصي ..وأنا" ونستنبط منها قيمة تقدير العلماء وإنزالهم منازلهم واحترامهم ،وترشيحهم للمناصب اللائقة به وتقدير علمهم حيث يقول :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كنت جالسا – كالعادة-في مكتب وكيل الكلية: الدكتور أبو الفتوح رضوان، كمعيد مُلزم ، مع زميلي الراحل نبيل نوفل، في تربية المنيرة، حيث كان من الطقوس، أن يقوم عثمان( العامل المختص بمكتب الوكيل) بالمسارعة بفتح الباب على مصراعيه ، ليدخل أبو الفتوح، منتفخ الأوداج، حيث كان يتمتع بقوة شخصية مسيطرة، يتصرف بقوة، حتى مع عميد الكلية وقتذاك: الدكتور صلاح قطب..
ثم رأيت عثمان يسارع بفتح الباب ، لكن، ليس لأبى الفتوح ، بل لشخص آخر، لم أكن رأيته من قبل.. ويتجه الضيف إلى مكتب أبى الفتوح في صدر القاعة، ويمسك بالتليفون، وينادى عامله: يا محمد : أخبر صلاح ( قطب)، وزكى ( صالح )، ومصطفى ( فهمى )- هكذا بغير ألقاب- أنى موجود؟!!
ثم إذا بهؤلاء، وغيرهم ، يأتون مسرعين، رؤوسهم منحنية، وهم يصافحون الزائر، ويكادون يقبلون يده..
وأخبرني عثمان، أنه ( الدكتور عبد العزيز القوصي) ..مؤسس الكلية ( مع إسماعيل القباني) ، وأستاذ كل هؤلاء وغيرهم؟!!
وتمر أعوام، ثم أذهب إلى مؤتمر كبير في بغداد، عام 1972، حيث ألقيت ملخصا لبحثي (تسرب الكفايات العلمية ) ، وكان أول بحث منا –في اقتصاديات التعليم- مما دفع بعض زملائي الحاضريين، مثل الدكتور عبد الفتاح حجاج، وحسان محمد، وشكري عباس، أن يبدو دهشتهم، بل وسخريتهم، لإقحام نفسي في هذا المجال، بينما معظم جهودي، السابقة، تركزت في تاريخ التربية والتعليم.
فلما عدت إلى مكاني ، بعد فترة راحة، وجدت ورقة صغيرة تحيينى على ما أنجزت، بتوقيع الدكتور القوصي، ندمت بشدة أن لم أحتفظ بها..
ذهبت إلى الرجل، أشكره..
وجاء في الحديث، أنني أخصص يوما كل أسبوع ، أجتمع فيه مع بعض الباحثين، في منزلنا ، فلما تكاثر العدد، أصبحت أجتمع بهم في ( المريلاند) بمصر الجديدة..
قال الدكتور القوصي، مقترحا، أن هناك مكانا في وسط البلد – التحرير- يكون أفضل لو اجتمعنا به ، اسمه ( رابطة التربية الحديثة) ، حيث يذهب أستاذنا كل أسبوع، يجلس وحده، حتى لا يُغلق المكان، فهو من آثار الراحل إسماعيل القباني، وأنه مهجور، ..
وكانت تلك البداية نشاطي في الرابطة..
وكان السادات، بمساعدة الدكتور عبد القادر حاتم ، قد أنشأ المجالس القومية المتخصصة، وعلى رأسها المجلس القومي للتعليم، فإذا بالدكتور القوصي، يقابلني بالدكتور حاتم ، مرشحا لي عضوا بالمجلس القومي للتعليم، واصفا إياي للدكتور حاتم بأنني ( فيلسوف التربية في مصر)، حيث استكثرت هذا على نفسي..لكنه أصر على هذا التوصيف، وقد ذكره كذلك للدكتور محمد الهاشمي، الذى كان رئيسا لجامعة عين شمس، حيث كان عضوا بالمجلس..
وعندما صدر كتابي ( الفكر التربوي العربي الحديث )في سلسلة عالم المعرفة، وأهديت الدكتور القوصي نسخة، قال لي بعد ذلك ( أنت جبت الحاجات دي كلها منيين؟!!)، تعبيرا عن إعجابه الشديد..
ودعاني الراحل ، أنا وزوجتي إلى فنجان شاي في سكنه الخاص..
ولن أنس أبدا قوله لي ( يا ريتني كنت أعرفك من زمان)، واعتبرتها تكريما لم أكن أحلم به..
ورشحني في اجتماع مهم في تونس، لعمل مجلد ضخم عن الفكر التربوي الإسلامي، حيث كان من المشاركين، الدكتور حامد عمار، ومحيى الدين صابر، والدكتور عبد الجواد رضا..
رحم الله شيخ التربية العربية الأكبر..
*قيمة الالتزام الدقيق بالمواعيد:
فلقد استفاد الدكتور سعيد إسماعيل علي من أستاذه : د.زكي نجيب محمود" قيمة الالتزام الدقيق بالمواعيد، وفي ذلك يقول في تغريدة له بعنوان "من أساتذتي: د.زكي نجيب محمود"
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اتفق لي أن وقع في يدى كتاب له بعنوان ( خرافة الميتافيزيقا )، وجدته فيه ينهال على كل ما لا يخضع للإدراك الحسى، فيعلن عدم وجوده؟!
كان هذا يثيرنا نحن طلاب فلسفة القاهرة، ونقول له أن هذا يعنى نزع الثقافة الخطاب الديني، لكنه لم يكن يرد بطريقة مباشرة..
كنا نذاكر في كتابه الضخم : المنطق الوضعي، الذى ترسم فيه خُطى فلاسفة الوضعية المنطقية، مثل برتراند رسل، و( كارناب)، و( فتجنشتاين )..
كان ذا أثر كبير في حرصي على الالتزام الدقيق بالمواعيد، حيث كان يلقانا في حجرة بالآداب، في الدور الأرضي مجاورة لساعة جامعة القاهرة مباشرة، فإذا به يدق مع دقات الساعة، حتى خُيل لي أن هناك سلكا بين عتبة الباب والساعة..
وفى فترة لم تتعَوّض، كان الأهرام يُفرد صفحة كاملة لكبار المفكرين، يكتب فيها عن عدد من القضايا ، مثل يوسف إدريس، وعبد الرحمن الشرقاوي، وزكى نجيب محمود..
وفى فترة نادرة أيضا ، شهدت مصر عددا من المجلات الشهرية ذات الوزن الثقيل ثقافيا، مثل الطليعة، عن الأهرام، و(الكاتب) برئاسة أحمد عباس صالح، تجنح إلى اليسار، وكذلك (الفكر المعاصر) رأس تحريرها الدكتور زكى، وسعدت بنشر بعض كتاباتي فيها.
وعندما بدأت أجهّز لرسالتي للماجستير بتربية عين شمس ( الاتجاه التجريبي في الفلسفة المعاصرة، وأثره على الفكر والتطبيق التربوي)، ذهبت إليه في فلسفة القاهرة، أستشير في منهج السير فيها، لكن، لم أرتح لرأيه، حيث أكسبتني دراسة العلوم التربوية بصرا أوسع بأهمية الجذور الاجتماعية للأفكار والفلسفات، ولم يكن هو مرحبا بذلك.
ولما كتبت كتابا عنوانه ( أصول التربية الإسلامية)، أهديته نسخة منه، فسعد بها وكتب عبارة تقريظ له، للأسف الشديد ضاعت منى، كانت تعتبر وساما على صدري.
وكان اليساريون يتوجهون ضده، خاصة مقال مهم له بعنوان ( الماركسية منهجا)، أذكر فكرته ، التي آمنت بها، وهى أن الماركسية صدقت في تصورها بتاثير البنيية التحتية المجتمعية فيما يكون من أفكار واتجاهات، لكن قصرت، في عدم انتباهها إلى أن هذه الأفكار والاتجاهات ، تعود بدورها لتؤثر في البنية التحتية..
وعندما تطاول أحد اليساريين في الهجوم علي فلسفته التحليلية، كتب مقالا عنوانه ( درس في التحليل) يكشف عن "جهل" الكاتب في التحليل،و اتخذته نموذجا لي، بعد سنوات ، عندما كتبت مقالا في مجلتنا ( دراسات تربوية ): ( درس في أصول التربية)، حيث لاحظت ضعف الوعى بهذا التخصص العظيم!!
وعندما طلبت زيارته في سكنه بالجيزة، وكان معي الراحل الدكتور وجيه الصاوي، حرصت أن أكون أمام الشقة في الموعد بحيث طرقت الجرس، في نفس اللحظة التي سمعت فيها ساعة حيط بالداخل تدق؟!!
رحم الله هذا العملاق الشامخ، وكذلك صديقنا الدكتور وجيه الصاوي ، الذى كان بتربية الأزهر .
قيمة الرضا بالأقدار وتغريدة الدكتور أحمد زكى صالح:
حيث يقول الدكتور سعيد إسماعيل علي في تغريدة له بعنوان :
الدكتور أحمد زكى صالح:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في إحدى المناسبات، داخل تربية عين شمس، أمسكت بطبق عليه بعض الحلوى، وقمت لأقدمه للدكتور أحمد زكى صالح ، الذى كان أستاذا ورئيسا لقسم علم النفس التربوي، اعتذر عن عدم قبوله لأكل الحلوى، على أساس أن صحته لا تساعده على ذلك..
لما انتهيت من مهمتي، ناداني، قائلا: عارف يا واد يا سعيد( وكانت هذه طريقته في مخاطبتي، حيث كانت تنز ل في أذني أحلى من الشهد بما كانت تفوح به من مودة، ورفع كلفة..) كنت أسير صغيرا في ميدان السيدة زينب بالقبقاب، أيام الفقر، فأرى محلا يبيع الجاتوه، حيث كانت القطعة بقرش صاع، وأتحسس جيبي ، فلا أجد بها ما يساعدني على شراء هذه القطعة..
وها أنا ذا يا واد يا سعيد: عندما كانت المعدة تستطيع، كانت الجيب لا تستطيع، فلما أصبح الجيب مستطيعا، إذا بالمعدة لا تستطيع؟!!
كنت أشعر بحب خاص تجاه هذا الرجل ، ربما لقدر من التعصب المعرفي عندي، حيث عرفت أنه تكون في آداب القاهرة، قسم الفلسفة...الجهة التي تكونت فيها.
كان يصول ويجول في المحاضرة، يمزج بمهارة عجيبة بين الدسامة العلمية، والفكاهة ، فضلا عن البساطة والشعبية.. حتى لقد نويت أن أواصل دراستي العليا في علم النفس التربوي، وحضرت، بعد الدبلوم الخاص سمينار علم النفس التربوي، لولا مفاجأتي بتعييني معيدًا بقسم أصول التربية..
وفى أوائل 1967، ولم تكن نذر الحرب المشئومة قد لاحت بعد، جاءني استدعاء للاحتياطي بالجيش، ففوجئت، حيث كنت في الصفحات الأخيرة من رسالتي للدكتوراه، فسعيت إلى تأجيل الاستدعاء، وكان الدكتور زكى صالح ممن لجأت إليهم..
كان له شقيق ضابط برتبة عالية( يحيى) ، ساعده على إنشاء " معمل علم النفس العسكري بالقوات المسلحة المصرية، وقال لي أن شقيقه هذا هو دفعة " شمس بدران" ، وكان شمس بدران هذا صاحب سلطان ونفوذ رهيبين، حيث كان الذراع الأيمن للقائد العام : عبد الحكيم عامر..
وذهبت إليه بالفعل، وتم تأجيل الاستدعاء..
ثم إذا بي أعلم بعد ذلك أنني كنت مستدعى لما كان يعرف بالفرقة الرابعة المدرعة، وكانت على أهبة الذهاب إلى حرب اليمن، فلما بدأت نذر الجبهة بمقدمات يونية 1967، لم تغادر الفرقة إلى اليمن لتشارك، فكان مصيرها مؤسفا ، ضمن ما حدث من تخريب وتدمير وقتل في كارثة يونية ..
طوال مهنتي بالكلية، لم أشارك أبدًا في أعمال " كونترول"، باستثناء مرة كان فيها الدكتور زكى رئيسا لكنترول الدبلوم الخاص، ودعاني إلى العمل معه، وكانت هذه هي المرة الوحيدة.. كان الحد الأقصى للمكافأة ( عشرون جنيها)، ففرحت بها، وذهبت إلى محل حلواني قريب من عمر أفندي بمصر الجديدة، واشتريت علية لأفرح أسرتي، وركبت مترو مصر الجديدة( رحمه الله )، فلما وصلت المنزل، وفرح الأولاد بالحلوى، وأردت أن أفرحهم أيضا بمكافأة الكنترول، إذا بها قد تم نشلها من جيبى بالمترو..
في مثل هذا اليوم
*قيمة تعليم الطلاب التفلسف (التفكير الفلسفي)وقيمة الاعتزاز باللغة العربية :
يقول الدكتور سعيد إسماعيل علي في تغريدة له بعنوان :
"من أساتذتي: د. عثمان أمين":
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كان رئيسا لقسم الفلسفة بجامعة القاهرة، في أخريات دراستي بها ، 1959
وكان يُدَرّس لنا فلسفة حديثة، لكنننا لاحظنا أنه يخرج كثيرا عن موضوع المحاضرة، ويمضي في موضوعات أخرى، ضاحكا بقوله ( نفتح قوس)..؟!
لكنه ، غالبا ما كان يُنهى المحاضرة، دون أن يقفل القوس، بما يفيد استمرار الحديث في موضوعات شتى..
ولما لم يكن هناك كتاب معين نذاكر فيه، وجدنا أن الفصل الدراسي قارب على الانتهاء، ولم نكتب في ( الكشكول) إلا صفحات قليلة..ففيم سيمتحنا؟!
وإذ نبهناه على ذلك، كانت إجابته( جئت لأعلمكم " التفلسف" لا " الفلسفة")؟!
وإذا بى، بعد التخرج بسنوات، عندما وفقني الله لأن أستحدث مقررا باسم ( تدريس الفلسفة)، شرحت في مقال نشرناه بالأهرام، أننا يجب أن نُعَلم طلاب الثانوي(حيث كان تدريس الفلسفة).." التفلسف " لا " الفلسفة"..
بررت ذلك بأن طلاب الثانوية، إذ سيتفرقون إلى تخصصات مختلفة في الجامعة، فليس جوهريا أن نعلمهم ماذا قال أفلاطون، وأرسطو، وغيرهما، بل ( التفلسف)، بمعنى ممارسة التفكير الفلسفى..
وأصبح هذا هو نهجي في التدريس عامة، وفلسفة التربية خاصة..
يرحمه الله ، الأستاذ العظيم، من جيل العمالقة: د. عثمان أمين)..
وكانت له محاضرة في الموسم الثقافي بالأزهر عن ( فلسفة اللغة العربية)، حيث لفت أنظارنا إلى فروق مهمة، ليس هذا وقتها، أكد من خلالها أن العربية تعلو على معظم اللغات الأخرى، ويكفى هنا ما نبهت إليه في كلمة ( فأسقيناكموه)في القرآن الكريم، هل تتحمل لغة أخرى مثل هذا؟، وكذلك ( أنلزمكموها)؟!!
المراجع: د. سعيد إسماعيل
د. سعيد إسماعيل
الدكتور القوصى..وأنا،1 مايو 2025