عبد علي حسن - جدل المستويات في الخطاب النقدي نحو وعي ميتا منهجي

يمكن النظر إلى إشكالية المنهج في القراءات المتوالية بوصفها نتيجة مباشرة لتحوّل موضوع الاشتغال من مستوى إلى آخر دون تحوّلٍ موازٍ في الأدوات ، فـالنقد في تعريفه الإجرائي، هو خطاب معرفي يتجه إلى النص الأدبي من أجل تفسيره وتأويله وتقويمه، مستندًا إلى جهاز مفهومي ومنهجي محدّد؛ أي إن موضوعه هو النص، وأداته هي المنهج ، غير أنّ نقد النقد ينقل مركز الثقل من النص إلى الخطاب النقدي ذاته، فيغدو موضوعه هو قراءة النص لا النص نفسه، حيث يفحص طرائق النقاد، ويفكك افتراضاتهم، ويقوّم نتائجهم ، هنا يفترض الانتقال إلى مستوى إبستمولوجي أعلى، لأننا لم نعد إزاء موضوع جمالي بل إزاء معرفة حول هذا الموضوع ، اما نقد نقد النقد فيمثّل درجة ثالثة من التجريد، إذ يتخذ من خطاب “نقد النقد” موضوعًا له، فيسائل شرعيته وأدواته ومعاييره، ويكشف حدوده وسلطته في إصدار الأحكام، وبذلك يصبح الاشتغال منصبًا على شروط إنتاج المعرفة النقدية نفسها ،
تكمن الإشكالية حين تُستَخدم أدوات المستوى الأول في المستويات اللاحقة، فيُعامَل الخطاب النقدي كما لو كان نصًا أدبيًا، أو يُقوَّم “نقد النقد” بمعايير تقويم النصوص، مما يفضي إلى خلطٍ منهجي يطمس الفروق بين الموضوعات ، كما تتجلى المشكلة في غياب ما يمكن تسميته بـ“الميتا-منهج”، أي الأدوات القادرة على تحليل المناهج نفسها، مثل التحليل الإبستمولوجي أو تفكيك الخطاب، الأمر الذي يحوّل “نقد النقد” إلى مجرد انطباع نقدي مضاعف ، ومع استمرار هذا التراكم، تظهر مشكلة التراجع اللانهائي، حيث تنفتح السلسلة على مستويات لا تنتهي دون معايير ضابطة، فتتآكل المرجعيات وتتعاظم النسبية ، من هنا فإن ضبط العلاقة بين هذه المستويات لا يتحقق إلا بالتمييز الصارم بين موضوع كل خطاب ومنهجه، وبالانتقال الواعي من تحليل النص إلى تحليل المعرفة التي تنتجه، ثم إلى مساءلة شروط إنتاج هذه المعرفة ذاتها.

عبد علي حسن
4/5/2026

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...