علي سيف الرعيني _|ان تكون صادقا في زمن الاقنعة !

اظن اننا اليوم اصبحنا في عصرٍ تسارعت فيه الحياة حتى كادت تبتلع المعاني أصبحت العلاقات الإنسانية تقف على مفترق طرق خطير حيث تتقدّم المصالح أحيانًا على المشاعر، وتصبح المنفعة هي اللغة الأكثر تداولًا بين الناس
لقد فرض العصر الحديث إيقاعًا مختلفًا على طبيعة العلاقات فمع الضغوط الاقتصادية والتنافس المهني، وصعود الفردانية، بدأ كثيرون ينظرون إلى الآخر من زاوية: ماذا يمكن أن يقدّم لي؟ بدلًا عن من هو؟ وهنا تبدأ العلاقة في التحوّل من مساحة إنسانية دافئة إلى صفقة غير معلنة، تُقاس بالربح والخسارة، وتُدار بمنطق الحساب لا بمنطق القلب
في بيئات العمل مثلًا، قد تتحوّل الزمالة إلى وسيلة للوصول، والصداقة إلى جسر للمصلحة، وحتى المجاملات تصبح أحيانًا استثمارًا مؤقتًا لا تعبيرًا صادقًا عن التقدير. وفي الحياة الاجتماعية، نرى البعض يقتربون من الأشخاص النافذين، لا لأنهم يحبونهم، بل لأن قربهم يمنح امتيازًا أو فرصة. وهكذا، تتآكل العفوية، ويصبح الحذر سيد العلاقات
الأخطر من ذلك أن الإنسان نفسه يبدأ بفقدان ثقته بالآخرين. عندما يكتشف أن كثيرًا من الوجوه التي حوله لم تكن ترى فيه سوى منفعة عابرة، ينكمش داخله، ويتعامل مع الجميع بشكّ، حتى مع الصادقين. وهنا لا نخسر علاقة واحدة فقط، بل نخسر الإيمان بفكرة العلاقات نفسها
لكن، ورغم هذا المشهد القاسي، لا يمكن القول إن الإنسانية انتهت. فما زال هناك من يحب دون مقابل، ويقف دون مصلحة، ويحفظ الودّ حتى في الغياب. ما زال هناك أصدقاء لا تغيّرهم الظروف، وأشخاص يمنحونك حضورهم الصادق دون انتظار عائد. هؤلاء هم الذين يثبتون أن العلاقات الإنسانية ليست سلعة، وأن الوفاء ما زال ممكنًا في زمن الندرة
المشكلة ليست في وجود المصالح، فالمصلحة جزء طبيعي من الحياة، بل في أن تتحوّل إلى الأساس الوحيد للعلاقات. لا بأس أن تتقاطع المصالح، لكن الخطر أن تُلغى المشاعر تمامًا، وأن يصبح الإنسان مجرد وسيلة لا قيمة له خارج ما يقدّمه
إن بناء علاقة إنسانية حقيقية يحتاج إلى شجاعة أخلاقية يحتاج إلى صدق، وإلى قدرة على العطاء دون حساب دائم، وإلى احترام الآخر كإنسان لا كفرصة. فالعلاقات التي تُبنى على المصلحة وحدها تسقط بانتهاء السبب، أما التي تُبنى على الاحترام والوفاء، فتبقى حتى حين تتغير الظروف
في عصر المصالح، يصبح الحفاظ على الإنسانية نوعًا من المقاومة. أن تكون وفيًا في زمن التقلّب، وصادقًا في زمن الأقنعة ومخلصًا في زمن الاستخدام المؤقت، فذلك ليس ضعفًا، بل قوة نادرة
لأن الإنسان لا يتذكّر من استفاد منهم فقط، بل يتذكّر أكثر من شعر معهم بأنه إنسان !!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...