"حين ھدى حجاجي أحمد - يصبح النسيان طريقة أخرى للتذكّر" — قراءة في نص "نسيان" للبهاء حسين

يأتي نص "نسيان" بوصفه اعترافًا طويلًا، لا يسير في خطٍّ مستقيم بقدر ما يتشظّى مثل ذاكرةٍ مثقلةٍ بالتجارب. منذ الجملة الأولى، يدخل الشاعر في صراع داخلي: "أخرج من معاركي مع نفسي مبللًا بالعرق"، حيث لا يكون النسيان فعلًا سلبيًا، بل نتيجة معركة مستمرة بين الرغبة في الاحتفاظ والقدرة على الإفلات. هنا، لا يُطرح النسيان كفقد، بل كآلية بقاء.

سرديًا، يعتمد النص على تقنية التداعي الحر، حيث تتوالد الصور من بعضها دون ترتيب زمني صارم: من معارك النفس، إلى تشبيه الذات بـ"الغربال"، إلى تفاصيل الأتوبيس القاهري، ثم الطفولة، فالأم، فالمدينة، وصولًا إلى الموت. هذا التشتت الظاهري ليس خللًا بنيويًا، بل يعكس طبيعة الذاكرة نفسها؛ إذ تتحرك عبر الروابط الشعورية لا المنطقية.

واحدة من أبرز نقاط القوة في النص هي قدرته على تحويل اليومي والهامشي إلى دلالة وجودية عميقة. فمشهد الأتوبيس — بتفاصيله الحسية القاسية: العادم، الزحام، الكنبة الأخيرة — لا يُقدَّم كمجرد تجربة مواصلات، بل كاستعارة مكثفة للحياة في المدينة: صراع على المساحة، تأقلم مع الألم، ومحاولة انتزاع حق بسيط وسط الفوضى. القاهرة هنا ليست مكانًا فقط، بل حالة نفسية ضاغطة تُعيد تشكيل الإنسان.

كما يشتغل النص على مفارقة دقيقة: الاحتفاظ بـ"الحصى" (الذكريات القاسية أو الثقيلة) مقابل تسريب "الأشياء الناعمة كالعمر". هذه الصورة تكشف عن خلل في آلية الذاكرة؛ حيث يبقى المؤلم أكثر رسوخًا، بينما يتبدد الجميل. ومع ذلك، يقاوم الشاعر هذا المسار حين يصرّ على عدم نسيان تفاصيل بعينها: الكتاكيت، صوت القطار، الفقر، الحب، الجسد، وكأن الذاكرة هنا فعل مقاومة ضد التلاشي.

على مستوى اللغة، يتنقل النص بين نبرة تأملية هادئة وأخرى صادمة ومباشرة، خاصة في مقاطع الموت والانتحار. هذه الانتقالات تخلق توترًا داخليًا يعكس اضطراب التجربة نفسها. غير أن بعض المقاطع تميل إلى الإطالة أو التكرار، مما قد يضعف من حدة التأثير، خصوصًا حين تتكدس الصور دون اقتصاد لغوي كافٍ.



ذروة النص تتجلى في لحظة مواجهة فكرة فقدان الأم، حيث يتحول النسيان إلى عجز كامل: "لا أعرف كيف أتصرف حين أسمع خبر موتك". هنا يسقط كل ادعاء بالسيطرة أو التكيف، ويظهر الإنسان في هشاشته المطلقة. الأم في هذا السياق ليست مجرد شخص، بل مركز الذاكرة والهوية، وفقدها يعني الدخول الفوري في الشيخوخة — كما يصرح النص بوضوح موجع.

أما النهاية، فتفتح أفقًا وجوديًا قاتمًا، حيث يصبح الموت حدثًا عاديًا في مدينة مكتظة، والانتحار مشهدًا متكررًا، بلا بطولات. ومع ذلك، يظل هناك خيط رفيع من الأمل: "لا تنتظر شيئًا، لكن لا تتوقف عن الأمل". هذه المفارقة تلخص فلسفة النص: العيش بلا يقين، لكن مع إصرار غامض على الاستمرار.

خلاصة القراءة:
"نسيان" ليس نصًا عن النسيان بقدر ما هو نص عن فائض الذاكرة. إنه كتابة ضد التلاشي، ومحاولة لترميم الذات عبر استدعاء ما يبدو عابرًا. في هذا النص، يتحول السرد إلى وعاء للألم، والذاكرة إلى ساحة مقاومة، حيث لا يُنسى ما شكّلنا حقًا، حتى وإن ادعينا العكس.
القصيدة كما وردت




نسيان
شعر : البهاء حسين

كثيراً ما أخرج، من معاركى مع نفسى مبللاً بالعرق أبحث عن الكلمات، وهى على طرف لسانى عن الأشياء، وهى فى يدى صرت كالغربال أسرّب الأشياء الناعمة كالعمر أنخل الزمن، وأحتفظ بالحصى لنفسى حصاة حصاة كومة كومة ،، الشيخوخة تبدأ حين تنسى حبيباتك ولهذا أنا مطمئن على قلبى هو ذاكرتى من غيره أفقد العنوان، وأتوه فى الزحمة ،، أصبحت لى وصفة أجتاز بها المطبات هنا فى القاهرة صاحبتُ العوادم التى يضخها موتور الأتوبيس بداخله الشكمان فهمتُ الكنبة الأخيرة كيف تحشر نفسك وسط أربعة ركابٍ يصادرون الكرسى الشاغر، حقك فى الجلوس عليه فتحشر نفسك عنوة نكاية فيهم تقحم سنواتك السبعة والخمسين جسمك الذى يرفض الاستسلام روحك بين أجسادهم، وتجلس على الكنبة فى المنتصف يلسع العادم الساخن ساقيك من فتحة التهوية، المنزوعة الغطاء تراهن أن ينزل أحدٌ فى المحطة التالية، لكن لا أحد ينزل بالعكس العادمُ على كل أرحم من الوقفة طوال الطريق لكى تعرف الأتوبيس، لا بد أن تصاحبه أن تفهم رغبته الجارفة فى الراحة فى الخروج من الخدمة، لكنه خائف من التكهين من الوحدة الكنبة الأخيرة تجعلك ترى أفضل أصبحتْ لى وصفة مجربة فى تمرير الآلام أهى المحطة الأخيرة تلك التى بلغناها بسرعة، وكنا نظن أننا سنمشى إليها طويلاً أم الحب هو الذى يجعلنى أفهم الدخان وأعذره : لا تنتظر شيئاً لكن لا تتوقف، رغم ذلك عن الأمل دعه يسع وراءك لا بأس هناك طرق كثيرة ننسى بها الأحلام التى لم تتحقق كومات الحصى لكننى لستُ على استعداد، لأن أنسى الكتاتيتَ التى كنت أطعمها فى طفولتى، وأنتظر أن تكبر لا يمكن أن أستغنى عن صوت القطار، فى الإسكندرية فى " مرغم " وأنا أنتظر، بصبر ولدٍ فقيرٍ يبيع السجائز أمام شركة البترول فى العتمة بنظره الضعيف وفى النهار ينتظر أن يرمى له الجنودُ من القطار معلبات جاهزة لا يمكن أن أنسى " إيمان " الطقطقة صوتنا حين يصل الحضنُ إلى الذروة لهفتى مؤخراً على " زوجة البواب " محاولتى الجارفة أن أحضنها أن ألمس زرها بإصبعى أثق بالأمل أبره برّ الابن بأبيه لذلك تخليتُ عن الانتظار صرتُ أخفّ وإن كنت أنام وأصحو بهذا الشىء فى جوفى أن معجزة ستحدث اليوم أو فى الغد أنا بارٌ بوحدتى لا أحد يموتُ بالمناسبة من الوحدة نموتُ حين نفقد فرحة الأكفّ بالمطر أسوأ ما فى الوحدة، ليس الصمت من حولك ولا المدينة المسعورة التى ترجع معك إلى البيت الوحدة أن تتوقف عن انتظار الغد ،، جرت السنواتُ يا أمى لا أعرف أين كومتها أصبحتُ على مشارف الستين كل ما أفلحت فيه أننى تكيفتُ مع الأدخنة التى تنبعث منى أثناء المشى مع كل ما يمكن أن يحدث لى هنا وهناك لكننى لا أعرف بعد كيف أتصرف حين أسمع خبر موتك كيف أحمل نعشك كيف أدفنك يا أمى، بيدى هاتين يا مدينتى المكتظة التى ما زلت أتجول فيها، حتى وإن غادرتها حزن أمى، بالمناسبة حزن الأرامل عامة، حزن المدن القديمة يتكاثر بشراهةٍ كالسرطان لكنه حقيقى : لا تحتاج الإطارات إلى وقت، كى تنفجر تقول أنت نهايتك للسرير، أو فى حادثةٍ بشعة دون أن تأخذ وقتاً ننتقل من الميلاد إلى الشيخوخة فى غمضةِ عين ثمّ نموت انتحار أحدٍ هنا لا يستغرق وقتاً كأن يطير من برج القاهرة مثل كيسٍ فارغ، فى الأعالى تحت السماء كقطعة ملابسَ خفيفة، بلا صاحب أو يركن سيارته ثم يعلق نفسه، فى أحد الكبارى من الرقبة، كأنه ينشر روحه على الملأ ويتركنا نلمّ غسيله ترمى إحداهن بنفسها من الطابق الثانى عشر فى بثٍ مباشر ثم تترك روحها لنا تترك ابنتين ستكبران يوماً وتعرفان أن الانتحار أن الموت نفسه ليس عذراً مقنعاً لاختفاء الأم الموت يحدث ببساطة هنا يا أمى رغم ذلك ما زال يفجعنا وليست هناك وصفة تمنع الموت أو حتى المفاجأة : لا أحد، بعد أن تموت أمه يبقى محتفظاً بلياقته ننتقل إلى الشيخوخة فوراً لا عيب فى ذلك لا عيب فى موت الأمهات سوى أننا نجترّهن، وننسى أرواحنا مدلاة بعد ذلك من الشرفة .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...