علي سيف الرعيني _|غياب العدالة والصمت وسيلة نجاة !!

نحن لا نحلم بالمستحيل ولا نطلب معجزات خارجة عن حدود الواقع، بل نحلم بشيء يبدو بديهيًا جدًا أن يأخذ كل إنسان حقه، وأن يُحاسب الظالم، وأن لا يتحول النفوذ إلى قانون ولا الفقر إلى تهمة، ولا الصمت إلى وسيلة نجاة
العدالة شعور يومي يشعر بها العامل حين يأخذ أجره كاملًا دون إذلال، ويشعر بها الطالب حين تُقاس كفاءته لا واسطته ويشعر بها المريض حين يجد العلاج دون أن يبيع كرامته، وتشعر بها الأم حين ترى أبناءها متساوين أمام القانون لا أمام الحاجة فقط
لكن الواقع كثيرًا ما يقدم صورة مختلفة. هناك من يولد وفي يده مفاتيح الأبواب المغلقة، وهناك من يقضي عمره كله واقفًا أمام الباب ذاته دون أن يُسمح له بالدخول. هناك من يُعاقب على خطأ صغير لأنه ضعيف، وهناك من ينجو من أخطاء كبيرة لأنه قوي. وهنا تبدأ الفجوة المؤلمة بين العدالة التي نحلم بها، والعدالة التي نعيشها
أخطر ما في غياب العدالة ليس الظلم نفسه، بل اعتياد الناس عليه. حين يصبح الفساد أمرًا طبيعيًا، والمحسوبية مهارة اجتماعية، والتجاوز حقًا غير مكتوب للأقوياء، فإن المجتمع لا يخسر قوانينه فقط، بل يخسر ضميره أيضًا
الإنسان قد يصبر على الفقر وعلى التعب، وعلى قسوة الحياة، لكنه ينهار حين يشعر أن حقه سُرق أمام عينيه، وأن صوته لا قيمة له، وأن القانون لا يراه إلا حين يخطئ، ولا يحميه حين يُظلم. عندها لا يفقد ثقته بالمؤسسات فقط، بل يفقد ثقته بالحياة نفسها
العدالة ضرورة أخلاقية وإنسانية لا يمكن لأي وطن أن يستقر طويلًا فوق أرض غير عادلة، ولا يمكن لأي مجتمع أن يبني مستقبله بينما أفراده يشعرون أن الميزان مائل منذ البداية
نحن لا نحتاج إلى عدالة مثالية، فالكمال ليس من طبيعة البشر، لكننا نحتاج إلى عدالة صادقة، واضحة، لا تميز بين الأسماء، ولا تنحني أمام المناصب، ولا تتأخر حتى يفقد الحق معناه
العدالة التي نحلم بها ليست بعيدة جدًا، لكنها تحتاج إلى ضمير حي، ومؤسسات نزيهة، وإرادة لا تخاف من قول الحقيقة. تحتاج إلى مجتمع يرفض الظلم حتى لو لم يكن الضحية هو نفسه
فالعدالة لا تبدأ من المحكمة فقط، بل تبدأ من الإنسان من قراره أن يكون منصفًا، من شجاعته في رفض الباطل، ومن إيمانه أن الحقوق لا تُمنح كمنّة بل تُصان كواجب
ربما لا نجد العدالة كاملة لكن الخطر الحقيقي هو أن نتوقف عن البحث عنها، أو أن نقبل بنصف ظلم على أنه نصف عدالة
فالعدالة التي نحلم بها ليست حلمًا مستحيلًا بل حقًا تأخر كثيرًا !!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...