"هيا إلى المناخوليا".. الفانتازيا من رحم الواقع

يفتتح سمير الفيل مجموعته القصصية "هيا إلى المناخوليا" بإهداء طويل نسبيا، ولمن يعرف سمير الفيل وكتاباته العديدة والمتنوعة، سيدرك على الفور أن الإهداء يوحي بنمط مختلف عن كتاباته المعتادة.

(إن المناخوليا جزء من المزاج العام المضطرب في بر مصر.)

فهو ليس إهداء عاديا، بل هو صرخة احتجاج وتحذير معا، تذكرنا - بشكل عصري - بنبوءات الحكيم إيبور في نهاية عصر الدولة القديمة، تحذير من:

(تصرفات قد تبدو بعيدة عن المنطق، تهيؤات لها جانبها المعتم، نباح مكتوم يمس الأرواح المنهزمة.. إلخ)

وتحذير إلى:

(العقلاء الذين قد يصلهم هذا الكتاب قبل أن يُجنوا، أو يقتربوا من الحافة الحرجة، المسنونة.)

ولكن هل لا يزال هناك عقلاء؟

ثم تأتي ما يمكن أن نسميه مقدمة: (فيما يخص المناخوليا)، فتؤكد لك أنك ستخوض تجربة قراءة مختلفة، وتُهيئك لما هو قادم:

(لا تقلق حين ترى المشاهد الغريبة، تخترقك الأحداث، تمتنع عن قول شهادتك؛ فأنت لا تمتلك الثقة بعد.)
(دعك من الأقوال المرسلة، فبيد كل من هؤلاء مسوغات دخوله إلى المكان: طوعا، أو كرها.)
(اقترب مني لتدرك كم هو قاس، أن يتمكن الجنون من الشخص، المدينة، العالم.)
(أنت متهم حتى يثبت العكس، لذا فعليك ألا تتردد في إخباري بالطريقة المطلوبة لخروجك، إن كان ثمة أمل في أن يكون لهذا الخروج فائدة، أو معنى.)

يتبع المقدمة تحذير:

(قبل القص
البدايات لا تفضي إلى نتائج متوقعة)

ولأن الكتابة نفسها غير متوقعة، فهي تبدأ باعتراف صريح:

(أنت تقف في هذه النقطة من العالم. ليس أمامك خريطة للدول والممالك. تشعر بوحدتك؛ تمسك بالقلم لتدون سلسلة التنازلات التي ستقدمها للبشر؛ كي يتركوك لشأنك.)
(قد يكون الفرق بين روحك وجسدك مجرد شعرة لا تكاد تُرى، عليك إذن أن تبادر بالسرد.)
(حسنا، سوف أوالي مهمتي باختراع خطط جديدة لاقتناص المعرفة، وتصيد الهواء، والعثور على نغمات تُطبب الروح، ربما تنقذ الجسد من هلاك أبدي.. لا سقف له ولا حدود.)

ويُوثق هذا الاعتراف بالوقت والتاريخ: (تمام الثالثة إلا خمس دقائق من مساء الأربعاء 24 يوليو 2024)

وكان لزاما علي أن أجد تعريفا بسيطا، ولكنه دقيق نسبيا لمصطلح "المناخوليا" الذي استخدمه الكاتب الصديق / سمير الفيل، لكن البحث داخل شبكة المعلومات الدولية "الإنترنت"، أثبت أن الأمر ليس سهلا، وطالت عملية البحث وتشعبت بين مواقع كثيرة، ثم اكتفيت في النهاية بالآتي:

"المناخوليا": هي تحريف لمصطلح الماليخوليا / المالنخوليا (الاكتئاب السوداوي) Melancholia (Melancholic depression):

هي متلازمة اكتئابية محددة تتمثل بحالة مزاج سوداوية ودرجة من الحزن العميق والأسى وفقدان الأمل، وعدم القدرة على الاستمتاع بالأنشطة المختلفة، وقد تشمل أعراضها بطء الكلام والتفكير والحركة. تاريخيا، كان يشار إليها بالاكتئاب، ولكنها تصنف في الوقت الحالي كنوع فرعي منه. وتشمل العلاجات الفعالة العلاج النفسي، ومضادات الاكتئاب، والعلاج بالصدمات الكهربائية.(1)

الكآبة في الأدب:

هي حزن عميق تأملي، وغالبا ما يكون ممتعا، ويمثل حالة عاطفية عميقة تتميز بالحنين أو الشوق أو التأمل الوجودي. تُستخدم الكآبة الأدبية كأداة موضوعية لتشكيل الحالة المزاجية، تربط القراء بنقاط ضعف الشخصيات، والتي غالبًا ما ترتبط تاريخيا بالذكاء الفائق أو المزاج الفني، إذ تمزج بين المشاعر السلبية (الحزن، الخوف) والتأمل الفني أو حتى شعور خفي بالإثارة، يشبه الشعور بالسمو.(2)

إذن يجب أن نهيئ أنفسنا لنصوص تتعامل مع نماذج إنسانية محبطة، وتعاني من حالات اكتئاب حادة، لكن ذلك يتم من خلال معالجة أدبية تحاول تسليط الضوء على أحوال ومصائر تلك النماذج داخل سياقها السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

انفلات عصفور:

رغم المفاجآت المتوالية المتمثلة في الإهداء، والمقدمة، والاعتراف، إلا أن سمير الفيل يفتتح مجموعته القصصية بنص يلتقط فيه - كعادته - نموذجا لشخصية من بسطاء الناس، نصادف مثلها كثيرا في كتاباته المتنوعة، ألا وهي شخصية الحارس الليلي "ثروت"، كما يقتنص مشهدا حياتيا محببا إليه تدور أحداثه في الأتوبيس، وبنمط سرد ولغة لا يخطئهما قراؤه الأوفياء:

(لم يكن بإمكانه أن يجلس على المقعد الأول في مقدمة الأتوبيس؛ فقد كان طفلها الصغير نائما، يأكل أرزا باللبن مع الملائكة، وهي تغطيه بمعطفها الصوفي ذي المربعات البنية.)
(من قبضة يده أفلت عصفور، تاركا بعض الريش والزغب، صوب السماء المفتوحة انطلق لا يلوي على شيء، كل ما يهمه أن يظفر برياح الحرية.)

ثم يُدخلنا الكاتب إلى عالم ثروت:

(ثروت تم رفته من عمله نهائيا؛ إذ ضبطه رئيسه المباشر نائما في نوبتجية حراسته الليلية.
توسل إليه صادقا أن يمنحه فرصة أخرى؛ فقد كان ابنه مريضا في اليوم السابق؛ غير أن دماغه الناشفة لم ترضخ للبكاء، الذي لم يكن متمشيا مع هيبة رجل متزوج من امرأتين، على قدر عال من الجمال.)

ويشرح لنا حالته:

(ماذا كان يمكنه أن يفعل، والضغوط تتكاثر عليه، حتى إنه من كثرة التفكير "فيَّص" وصار يضحك بلا مواقيت ولا حسابات؟
ترفع يدك بالسلام، فيعبس في وجهك لدقائق، ثم تدوي ضحكته مثل قنبلة مضبوطة على توقيت لا يعرفه أحد غيره، يتابع العصفور الذي لا يراه غيره.)

إذن هو عصفور وهمي، لا يراه إلا صاحبه، لكنه رغم ذلك يصفه وصفا دقيقا، يجعلنا نشك في الأمر:

(إنه عصفور رمادي صغير، بجناحين مائلين للسمرة، ومنقار شبه معقوف.)

ثم يدلي ثروت باعترافه، ويشرح جانبا من أزمة حياته:

(يقول ثروت في نفسه، لكي أنسى فقري والتزاماتي الأسرية، فعلي بالحشيش، والحشيش جزء من التراث المصري الأصيل، يُشرب في المقاهي والعوازق والغرز، تُغمض الحكومة الرشيدة عينيها مرات، وتفتحهما مرة، أو مرتين، فلا بد من ضبطية كل شهر؛ ليتم تسوية الأوراق الرسمية، ومنح الترقيات.)

وبحكم تمرسه في صناعة حبكة قصصه والوصول بها إلى الذروة، يختتم الكاتب النص ومشهد الأتوبيس على طريقته:

(نظرت خارج الأتوبيس ولم تر شيئا، وحين فرمل السائق لتفادي مطب صناعي، وجدته جالسا فوق ركبتيها دون إرادته.
صرخت لأن جسمه ثقيل، أما هو فقد راح يضحك ويضحك ويضحك، وهو ينظر في وجوه بقية الركاب، والسائق يقول بصوت عال: فتاح يا عليم. رزاق يا كريم.
نصحها بكلمات لا لبس فيها: ادخري مالا لزيجتين قادمتين. أنت ما زلت جميلة.)

عُري فادح:

عندما يتناول سمير الفيل القهر والانتهاك الذي تعيشه المرأة في مجتمع يسيطر عليه الجهل والفقر، ويعاني أفراده من العقد النفسية والخرافات، فإنه يفعل ذلك على طريقته، فيختار من بسطاء الناس "السيد فتفوتة"، و"منسية"، وأمها التي تبيع بضاعتها في السوق.

(حين أصر "السيد فتفوتة" على أن ينال منها بعد رفضها إياه، جرب طريقة ليكشفها كلية، لنفسه، وليس لغيره.)
(أطلقت صرخة رهيبة، سارعت بستر نفسها، فكان أن جرى هابطا على سلالم البيت، وهي تواصل الصراخ، ثم كفت.)

يداهمها على الفور شعور القهر والانتهاك:

(من يومها تشعر بأن العيون تتلصص عليها. كل العيون، وهي لم تخبر أحدا سوى أمها، عندما عادت من السوق، وفوق رأسها طست الألمونيوم: "رآني يا أمي؟!".
أمسكت بمعصمها: هل فعل معك شيئا معيبا؟
واصلت النحيب: لم يفعل، لكنه بالتأكيد رأى كل شيء. أشعر أنني في كامل عريي.)

ثم تضطرب أحوالها الجسدية والنفسية:

(تقول "منسية" لنفسها وهي تبعد أشباحا وهميين يقفون أمام سريرها: لم يكن بيدي شيء. هو الذي داهمني في مكان، لم يكن من المفترض أن يدخله.)
(تسير، رأسها مطأطأة في الأرض، تبكي في داخلها، وحين تدخل المحل يتورد وجهها بالخجل. ترى على طرف شجرة مواجهة غرابا أسود ينعق.)
(تركن خدها على قبضة يدها اليسرى، ترفع الفنجان لتحتسي حبيبات البن. في عُكارة السائل ترى رجالا يشيرون لها أنهم رأوها. ويطير الغراب في فضاء الحجرة. يحط على رأسها بالذات، تبكي بكاء مرا، وتغلق النوافذ حتى لا يُطل غريب؟!)

الغرف:

يحمل النص رؤية بانورامية فانتازية لتجربة الإنسان في الحياة، وحيرته بين الأشياء والعوالم والكائنات، ومتاهته في الزمكان:

(لم يكن أمامه كي يخرج من تلك المتاهة سوى أن يبحث عن باب مفتوح يُفضي إلى ممر، يهبط بسلالم إلى الشارع.)

في متاهته هذه، يرى فأرا في الغرفة الأولى، وحزما من الثوم وكميات كبيرة من البصل في الغرفة الثانية، وقردين يتناجيان في الغرفة الثالثة، وامرأة تبكي وهي تواجه مرآة عريضة تصل السقف بالأرضية في الغرفة الرابعة، أما في الغرفة الخامسة، فيواجه رجلا مسنا يحلق ذقنه، ويجد "بالتات" ألوان، ولوحات تقترب من مدرسة الفن التأثيري، وفنانا - لعله فان جوخ شخصيا - يقف في مواجهة لوحة تمثل البحر، ويصادف صبيا في التاسعة من عمره في الغرفة السادسة، يشير الصبي إلى رسوم وحروف ومشاهد على نصف حائط، تشبه تلك التي رآها في كهف الرجل البدائي قبل التاريخ، وفرقة موسيقية كاملة والمايسترو يدير ظهره لباب الغرفة السابعة، وعندما حاول هو العزف على آلة الكمان طلع الصوت نشازا.

(حدثته نفسه أن الغرف كثيرة جدا، عليه قبل أي شيء عدها. وجدها مائة غرفة، خمسين في كل جانب.)
(تسعة وتسعون بابا فُتحت على أشكال، وبشر، وطيور، ونباتات، ولوحات، ومرايا، لكن لا أحد تحدث معه. كان هناك باب ظل يحاول فتحه بلا جدوى.)

ورغم أن متاهة الإنسان وحيرته لا تنتهي، لكنه يظل رغم ذلك عنيدا،، يحارب طواحين الهواء، ويتمسك بالأمل:

(الآن مرت مائة عام، وهو جالس ينتظر أن يفتح الباب لعله يخرج إلى الشارع. يعود لأهله وأصحابه، يكر الزمن، وإرادته لا تلين. غزت التجاعيد وجهه، وأصاب شعره الشيب، انحنى ظهره، لكنه لم ييأس.)
(لم يشعر في مرة واحدة أنه قد قارب الجنون.)

لكن، هل سينجو؟

(كيف لهذا الرجل المسن أن يهبط لنهر الشارع، دون أن يختطفه الموت عجزا وقهرا؟
كيف له أن يعرف بيته، بعد أن تغيرت خريطة المدينة تماما؟!)

النقار:

في نص فانتازي آخر، ينطلق سمير الفيل هذه المرة من عوالمه الأثيرة، والواقع الذي يعرفه تمام المعرفة، والشخصيات التي يصادفها أو ينقب عنها في مدينته، التي أصبح واحدا من أعلامها وموثقيها.

فنتعرف على شخصية "النقار":

(تقول الجدة: إن النقار يهبش من يقابله؛ فينقر عينيه، أو يتسلل من أنفه إلى رئتيه، أو أنه عبر الأذنين يتسلل إلى اليافوخ.
النقار يفعل ذلك في براعة، وبشكل احترافي بالغ الدقة، وهو لا يحيد عن هدفه مهما كان صعبا، أو مستحيلا.)

يذهب "النقار" إلى شخصيات بعينها، ويفاجئها رغم وجهه المحايد، ونظرته المخادعة بكلمة حادة، ثم يختفي، كلمة واحدة تصف خبايا وخفايا كل واحد من تلك الشخصيات، وكانت الكلمات كالتالي:

(رخو) - (أرقط) - (أجرب) - (أحمق) - ("جيص")

لكن نهاية القصة تحمل إحساسا مريرا بالشك والحيرة وعدم اليقين:

(تنتظرون مني نهاية القصة، وأنا مثلكم في حيرة من أمري، بعد مرور شهر بالتمام والكمال عُثر على جثة النقار بثيابه كاملة، كان داخل جذع شجرة قرب الطريق الزراعي، وكانت يده تشير للسماء، وفي فمه كلمة حاولوا إخراجها بالقوة، لكن لا أحد استطاع ذلك.
أما اللحاد الذي أشرف على الدفن، فقد وجد في نفسه الشجاعة ليعترف لهم أنه تمكن بالفعل من إخراج الكلمة، ووضع حشو قطن مكانها، وكانت الكلمة غامضة بالنسبة له، ولعموم البشرية: حياتكم.. هـ.. ج.. ص!؟)

سلم حلزوني:

يتابع الكاتب تجاربه الفانتازية منطلقا من واقع مدينته "دمياط"، يجوب شوارعها ويتبع إحدى شخصياتها "محسود الجوادي"، الذي تركته زوجته وفرت مع عشيقها، لكن الواقعي يختلط بالخيالي، فيأخذنا إلى ما يشبه حكايات ألف ليلة وليلة، حيث بيت شبه مهجور له سلم حلزوني صاعد وآخر هابط.
يسمع ما يظنه صوت "ستوتة" بائعة الفاكهة أمام مقام سيدي عبد الرازق، ثم يفتح مضيفه أبوابا، فتخرج جارية هندية، ثم عبد أسود، وبعدهما مغنية بيضاء البشرة تحاول إغواءه، ويستنتج من مسار الأحداث أنه قرب جامع النفيس، على مرمى حجر من مدرسة "شمس الفتوح"، حيث يمكنه رؤية بيت الشيخة إحسان، الملاصق لجريدة الحزاوي.
تفتح المغنية الجميلة الباب الرابع فيخرج خمسة رجال بكامل ملابسهم الموشاة بالحرير وخيوط الذهب، يشكون أحوالهم إليه، ثم يحاولون تخويفه، ويفصحون له عن سبب اقتياده إلى هذا البيت السري:

(قبل أن أنطق موضحا موقفي، نطق الخامس: دعوه يلتقط أنفاسه، ألم تسمعوا عن خطة الجوادي لجعل ساكني الغرفة سبعة. هذا هو سادسنا.)

ثم يرغمونه على اللعب معهم بأوراق الكوتشينة، حيث "الشايب" ممتقع الوجه، و"الولد" يضحك، و"البنت" تصر أن يقبلها، وينتهي به الأمر أن يتخلى عن ملابسه كاملة بسبب خسارته.
ثم تأتي الزوجة الهاربة "هند":

(هزت رأسها بفهم، قالت بتؤدة: جئت لكم بالشخص السابع، لن تكتمل البركة بغير سبعة أشخاص.
رأيتها تسحب شابا فارع الطول بشارب كث، من يده، وهو شبه غائب عن الوعي. قالت لهم: أتيت به بصعوبة. كاد يفلت من قبضتي.)

لكن النهاية يجب أن تكون غريبة كحكايات ألف ليلة وليلة:

(أمسك رأسها، أخرج مدية حادة من جيب سرواله، جز عنقها.)

(قال للفتيان الخمسة، أدخلوا الشاب في حجرتكم، وقيدوا يديه. أما هذا الساذج، الذي تخطفه نظرات النساء، فينسى نفسه - أشار ناحيتي - فهو القاتل، وسنبلغ عنه الشرطة؟!)

سد الحنك:

نتابع في هذا النص حكاية البيت:

(البيت الذي تنتقل فيه الفوضى، من جيل إلى جيل، دون أن يجرؤ أي فرد على تعديل المسار، أو تعبيد طرق أخرى للسير.)
(منتصر منصور متاريك، هو الجد الذي بنى البيت، وضع في زاوية منه صرة من الكنوز؛ حتى إذا ما تداعى وانهار، كان على الأبناء استخراج الكنز، وبناء بيت جديد، دون وضع مسألة العجز عن تدبير المال في حسابهم.)

هند، هي الأم: (..، وتتبعت "الرجل" الذي كان له وجه جميل)، (بعد إنجاب كومة أطفال، اختفت تماما)، أما عثمان، فهو الأب: (قال في نفسه: "ليتها لا ترجع. مللت منها".)

ثم نتابع مصير الأبناء، ونبدأ بكبيرهم، وهو الراوي:

(كنت أكبر الأطفال التعساء، ولم يكن لدي أي خطة للمستقبل، فدكان أبي فيه متسع للجميع، لكن أشقائي قرروا استكمال تعليمهم الجامعي، بقيت وحدي في الزوايا المظلمة، هذا اختياري وقد رضيت به.)

وفي المخزن يخلو بالفتاة الجميلة شاهندة:

(شاهندة خريجة كلية التجارة كانت تعلو عليَّ بعلمها، وكنت أعلو عليها بالمال، وحين احتضنتها لمرة ثانية شممت عطرها الزكي؛ فطار عقلي، وقلت في نفسي: هي لك. هي لك.)

أما باقي الأبناء، فقد قرر حسن أن يكون طبيبا، وينجح في ذلك:

(حصل حسن على شهادته الجامعية، وزع أبي الشربات على الحي كله، افتتح له عيادة بلافتة مضيئة بالنيون، نجحت في اجتذاب الزبائن في تخصص الأمراض الجلدية، ظل عازفا عن الزواج.)

الثاني هو فريد:

(حصل فريد على شهادته الجامعية، في الهندسة المدنية، واشتغل في شركة مقاولات، وكان محبا لعمله، ونجح في أن يكون له مكتب خاص، فتحه أبي من حر ماله.
لم يشاهد فريد مرة في صحبة فتاة. ولما ألمح أبي لهذا الموضوع، قال في إباء وشمم: لا حاجة لي بامرأة تزاحمني في عملي. لا شأن لي بالزواج.)
(قلت له بوجع حقيقي: تشربت كراهية النساء من أبيك. كل رجل له ظروفه، وربما كانت أمك مظلومة؛ فوجم، وبقي صامتا حتى انصرفت.)

والثالث خيري:

(يبدو أن في عائلتنا المنكوبة عرق ذكاء، والدليل على ذلك شقيقي خيري الذي لم يكن مواظبا على مذاكرة دروسه، وبالرغم من ذلك نجح في الثانوية العامة، ودخل كلية الصيدلة.)
(خيري هو أفضلنا، وأكثرنا تقوى، يقول عنه أبي في جلستنا الأسبوعية: هو الفرع الطيب في عائلتنا المنكوبة. ينظر إلينا فيجدنا صامتين، يهز رأسه وهو يلعن الأيام. يقول بكل صراحة: دنيا عجيبة لا أفهمها. هل هي لعنة البيت، وكنزه المدفون؟
لا أحد يجيبه غير طاهر، الذي قدم أوراقه للهجرة، وفي انتظار التأشيرة إلى كندا. هو مهندس زراعي، متخصص في البساتين. يقول لأبي كلما ألمت به آلام الذكريات القديمة: "ألم تكن أرض الله واسعة لتهاجر، وتجدد نشاطك؟")
(يرفس أبي الهواء بقدمه، وتنتابني المخاوف من أن تمسك به حالة الإحباط فيسقط ميتا، اختليت بطاهر: خفف من لغتك. أبوك مطعون.
ينظر نحوي بطرف عينه: خليك في صمتك.
وأنا أمضي في طريقي، وفمي مغلق تماما. لا أتكلم إلا بمقدار. لا أعرف كيف أن حالة "سد الحنك" قد استولت عليَّ كلية، منذ زمن. وبدلا من طعم السكر لحلوى لذيذة تشيع البهجة في النفس، وجدتُ المرارة تملأ فمي، فبِتُّ عاجزا عن الفرحة.)

ثم ينتهي الراوي إلى الانتظار والتمني:

(كل ما يشغل بالي كلما ألم بي ضيق، أن في زاوية من زوايا البيت كنزا مدفونا، سوف يكون لنا، أو لذريتنا القادمة.)

فهل البيت هو الوطن؟: (الذي تنتقل فيه الفوضى، من جيل إلى جيل، دون أن يجرؤ أي فرد على تعديل المسار، أو تعبيد طرق أخرى للسير.)

المتاهة:

يعلق سمير الفيل شخصيا داخل المتاهة:

(رأيت متاهة لها باب دخول، وليس لها باب خروج.)
(في مدار قريب من جدار، كُتب عليه بخط الثلث: "أخرج من الجنة قبل أن نخرجك، أيها العاق".)

ويستعيد ذكرى كاتب صديق راحل "يوسف القط"(3):

(قلت ليوسف القط، وهو يغالب جروحه، ضاما يديه محدثا السماء:
- كان عليك أن تصرخ عاليا، أو تفعل شيئا يواجه عدوانهم.
رد علي، وشاربه الكث يهتز، بحكم انفعاله الشديد:
- رأيت أن أعتزلهم.
- سيتبعونك بإيذاء جديد.
- أظن أن لديهم من المشاغل ما يجعلهم ينسونني.)
(سألني وهو يمد يده بقصته الأخيرة: لا تنشر هذه قبل أن أختفي.
- ولم الاختفاء؟
- ستعرف الموضوع في حينه.
- أريد أن تبصرني بالمصير.
- لا أحد يعرفه سوى رب السموات.)

ويستمر حواره مع "يوسف القط"، أو مع شبحه، أو مع نفسه:

(- ما أعرفه أنك بلا بيت!
- هذا ما تعتقدونه، لكن لي بيتا وزوجة وأطفالا.
- نعرف أنك عشت في حجرة فوق السطوح وحيدا.
- لا تنخدع بالمظاهر، وإلا فقل لي كيف كان علي أن أكتب القصص التي قرأتها.
- أمرك عجيب، تلتبس علي أفعالك.
- ستفهم المسألة في وقتها.
- والآن؟!
- أنصحك أن تتركني هنا؛ فقد تعودت حياة المتاهة، أما أنت فعليك بالخروج منها في أسرع وقت. أخرج لتكتب؛ منذ دخلت هنا لم تسود أوراقك. لا تجعل الوقت يخونك!)

ثم يسأله سؤالا وجوديا عميقا:

(- كيف نوازن بين الحب والزمن؟
لم يرد على سؤالي؛ لأنه سارع ككل مرة بالاختفاء، وكأن يدا قدرية أزاحته بعيدا، فلم يعد له وجود.)

يستعيد في متاهته صوت أمه، ودعاء أبيه عليه، وصوت شادية وهي تغني: "والله يا زمن.. لا بإيدينا زرعنا الشوك، ولا روينا"، ويلمح صالح عبد الحي وهو يغني: "ليه يا بنفسج بتبهج، وأنت زهر حزين؟!"، أما رجاء عبده فتغني وهي تنظر إليه: "البوستجية اشتكوا من كتر مراسيلي.. وعنيه لما بكوا.. دابت مناديلي"، فيتذكر "أمنية" وطفلها المريض، ثم يقابله شيخ يتعرف عليه:

(رفع يده بالتحية: أنا أعرفك. جئت من بلد بجوار النيل. ألست الشخص الذي كتب "صندل أحمر"؟)

ثم يسأله:

(- لماذا جئت المتاهة وحدك؟)

ويمنحه هدية:

(من سلة مصنوعة من الخوص، كانت معلقة بيده، ناولني تفاحتين: واحدة لك، وواحدة للطفل.)

ثم يدله على طريق الخروج:

(أرجوك. أخرج من المتاهة. بوابة الخروج على بعد أقدام منك، عليك بمحاذاة البحر، سترى أشجار الزيتون الكثيفة، لا تقطفه، اتركه لأهله، سوف يقابلك على البوابة أسدان رابضان، سيزأران زئيرا مخيفا؛ فلا تلتفت إليهما، وإلا تحولت إلى حجر، امض في طريقك.)

يخرج إلى مدينته، ويذهب إلى بيت يوسف القط المهجور، يقابل عددا من السائرين كأنهم سكارى، يتجهون إلى المتاهة التي خرج منها بأعجوبة، ثم يسأل نفسه، أو لعله يسألنا:

(سألت نفسي بصوت بدا أنهم سمعوه: هل يعود لي يوسف القط؛ كي يقص علي مزيدا من الحكايات المدهشة الغريبة؟!)

رأس فجلة:

يدور في هذا النص حوار بين رجلين لا يعرفان بعضهما، لكنهما زميلا مقهى، فيشكو الأول للثاني مشكلته:

(استطرد بعد أن رآني صامتا:
- يطلقون علي في البيت اسما غريبا لم أتوقعه أبدا، "رأس الفجلة" باعتبار أنه لا لزوم لي في البيت؛ بل إن السيدة البدينة ترى أن وجودي في الحياة يسبب مشكلة لكثيرين، وهي على رأس القائمة.)

يسرد "رأس الفجلة" مختصرا لسيرة حياته وحياة أسرته لزميل المقهى، يتخذ زميله في بادئ الأمر موقفا محايدا:

(ترددت قبل أن تخرج من فمي جملة لا تُحسب علي، جملة لا لون لها ولا شكل: لكل مشكلة حل.)
(لم يكن أمامي سوى الابتسامة التي علقتها على طرف شفاهي، محافظا على الحياد في القضايا التي طرحها.)

لكن موقفه يتطور تدريجيا مع انكشاف التفاصيل:

(- وزوجتك يا أستاذ؟)
(- ولو أردتها للسرير؟)
(- ما هو؟)
(- واضح أن صحتك سليمة. وأنت في هذا العمر!)
(- لا توجد هناك مشكلة طالما حدث اتفاق.)
(- ما هي، صارحني كي أساعدك!)
(- كلام معيب، وبماذا ردت الابنة عليها؟)
(- غريب، وابنك كيف كان موقفه؟)
(- وماذا فعلت زوجتك؟)
(- رغم كل ما سمعته؟)
(- أية جريمة؟)
(- موقف لا تُحسد عليه.)

ثم يبدو على الزميل ما يدل على أنه قد اتخذ موقفا:

(قلت لزميل المقهى وأنا مغتاظ؛ بل مستاء:
- ما المنجز الذي ترى أنك حققته؟)

لكنه يعود إلى الحذر مرة أخرى:

(- هي حياتك، أنت حر فيها. لا توجد مشكلة في حياتك أبدا.)

لكن الحوار الختامي يعيدنا إلى أصل المشكلة، ما يوحي أن السرد والحوار يأخذنا في مسار دائري إلى نقطة البداية:

(- اشرب بقية الشاي. لقد حاسبت على الكوبين.
- لماذا؟ أنا الذي أتيت لمائدتك، أم تظنني "رأس فجلة"؟)

خاتمة:

رغم ما تحمله صفحات الإهداء والمقدمة والاعتراف من نبوءات وتحذيرات، فإن سمير الفيل لا يغادر عوالمه الأثيرة، ولا مدينته التي يعشق شوارعها وحكاياتها ومقاهيها، ولا سكانها الذين يكاد يعرفهم فردا فردا، لكنه يستخرج الفانتازيا من رحم الواقع، ويخدعنا عندما يدعونا إلى "المناخوليا"، بل هو في الحقيقة يدعونا إلى تفحص الواقع بكل ما فيه من مرارة وغرائبية، علنا نسأل أنفسنا ونسائلها، وعلنا نجد مخرجا.

مايو 2026

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ما بين الأقواس مقتطفات من قصص المجموعة.
(1)، (2) استنادا إلى مواقع مختلفة بشبكة المعلومات الدولية.
(3) يوسف القط، قاص مصري، وفد إلى دمياط في ستينات القرن الماضي، ونشط داخل حركتها الأدبية الصاعدة بقوة، لكن ضغوطا عدة تنال منه بقسوة، فيهتز نفسيا، ويموت وحيدا في يوم بارد في الحديقة العامة المطلة على نيل دمياط.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...