1-
الحياة المعاصرة بماديتها الصارخة تستولي على الإنسان ولا تتيح له الفرصة الكافية للتأمل في ضعفه وفي غربته، وحاجته إلى انطلاقة روحية يحقق بها ذلك اللقاء الحميم بينه وبين محيطه، حيث التعرف الوجداني والخيالي المباشر على لعالم.
إن حضور المادي هو الذي طمر روح الإنسان ووجدانه وخياله بطبقة كثيفة من الحسية، بلَّدت نظرته إلى الحياة، فشيأ الأشياء، وعزلها عن بعضها، واتخذ منها أبعادا، وتقوقع حول نفسه لا يكاد يتجاوزها إلا ب"العقلانية". وهكذا سجن فيه "الإنسان" وحرمه من حريته، حرية كانت تسمح له بالسياحة في الكون والأشياء كيف يشاء، وتربطه بكل ذرة من ذراته، ويغدو عضوا من أعضائه، بحيث لا تقع فيه واقعة إلا كان لوقعتها اهتزاز ما في كيانه. هذا الارتباط الوثيق بالكون عكسته الطقوس والشعائر الدينية التي كان يمارسها الإنسان معتبرا الغيب ملاذا وعونا له على تذليل ما يعترضه من مصاعب، وعلى تسخير ما في الكون لصالحه، وعلى تسيير كافة شؤونه اليومية. يكفي، فقط، أن ينشئ علاقة سليمة ودائمة مع الغيب ليضمن تحقق ذلك.
لا يهمنا، هنا، مناقشة سلامة أو عدم سلامة هذه الطقوس، أو حتى كون الدين من عنده سبحانه وتعالى، أو كان من اختراع الإنسان كما يزعم بعضهم( )، فما يهمنا هو الإشارة إلى أن هذه الشعائر والطقوس كانت تتخذ طابعا فنيا في كل الحالات، بحيث لا يمكن لدارس الديانات والأساطير أن يقوم بهذه الدراسة إلا وهو منغمر في الفن. ومن هنا كان الفن مقدسا هو أيضا، لأنه وليد الدين ومفض إليه؛ «والحقيقة أننا بصفة عامة عندما نتقدم لدراسة الأساطير لا نجد إلا النصوص الأدبية»( ) عند سائر الشعوب مما يؤكد العلاقة الوطيدة بين الروحي والفني عبر العصور. ولا يعقل أن يزعم أحد اليوم بأن الفن بعيد عن هذه الأجواء بدعوى تجاوزنا للعهود الأسطورية، فقد رأينا أن فناني العالم اتجهوا في هذا العصر على الخصوص إلى تلك العهود يمتاحون منها في محاولة لإنقاذ الفن من الموت( ). فالنهم المادي- يقول الشاعر عبد المعطي حجازي- «ليس دليلا على أن الإنسان كائن بغير روح، وربما كان هذا النهم المادي نتيجة لخلل يجب علينا أن ننتبه إليه…والنهم المادي في كل الأحوال ليس حجة على عدم حاجتنا للشعر بل هو على العكس أدعى أن يلفتنا أكثر إلى الشعر حتى يتحقق لهذه الحضارة شيء من التوازن الذي تفتقر إليه»( ) فالحاجة إلى الروح هي التي ينبغي أن تقود الفنان وتوجهه وهي التي تقوده فعلا، بوعي منه أو بدون وعي، فلا وجود لفن لاديني «فإذا امتنع وجود حقيقة دينية امتنع بالتالي وجود حقيقة فنية»( ). ومن هنا يصعب، إن لم نقل، يستحيل تقديم تفسير مادي للفن، كما يصعب إيجاد مسوغات مقنعة لوجود هذا الفن أصلا.
«لقد دأب الماديون على توجيه نظرنا إلى الجانب الخارجي للأشياء، فيقول "انجلز": (إن اليد ليست عضو العمل فقط، وإنما هي أيضا نتاج العمل، فمن خلال العمل اكتسبت اليد البشرية هذه الدرجة الرفيعة من الإتقان الذي استطاعت من خلاله أن تنتج لوحات "رفايللو = rafaello" وتماثيل "ثورفالدسن thorvaldsen" وموسيقى "باجينيني paganini"). إن ما يتحدث عنه "انجلز" هو استمرارية النمو البيولوجي وليس النمو الروحي. وفن التصوير عمل روحي وليس عملا تقنيا….إن النمو البيولوجي، وحده، حتى لو امتد إلى أبد الآبدين، ما كان بوسعه أن يمنحنا لوحات "رفايللو" ولا حتى صور الكهوف البدائية التي ظهرت في عصور ما قبل التاريخ»( ).
وهذه الناحية الروحية هي التي تجعلنا نقف مشدوهين أمام الأعمال الفنية القديمة، مأخوذين بسحرها لشدة تداخل الفني بالديني والأسطوري فيها. ولعل أقدم ما وصلنا من ذلك ما خلفه المصريون القدامى من نحوت وتماثيل ونقوش وتعاويذ وأناشيد( ) استفادت منها الحضارة اليونانية في شتى صورها( )، ومنها ما أدخله هوميروس في الإلياذة والأوديسا( ). يقول د. أحمد كمال زكي متحدثا عن جمال رسوم الفراعنة ونصبهم ومعابدهم وأثره في النفس بأنها «شُقَّت أو نحتت أو خططت بحيث تنسحب إلى أعماق الإنسان، والإنسان يذوب خلالها في صمت رهيب، وداخل الصمت يضج اللامسموع ويتحرك اللامرئي»( ). ومثل هذه الأجواء هي التي جعلت الكاتب والفيلسوف اليوناني القديم "بلوتارك plutarque" يعتنق عبادة إيزيس بعد زيارته لمصر حوالي سنة عشرين ومائة (120) بعد الميلاد( ) ويصير كاهنا في أحد معابد اليونان( ). وفي إطار الشعر نذكر أن "أخناتون" كان «أول من نادى بوحدانية الله: يراه في قرص الشمس ولا يشرك به أحدا»( ). وتمثل صلواته للشمس شعرا راقيا( )، مما يؤكد هذه الصلة الوثيقة بين الفن والدين.
وللتمثيل، نستشهد هنا بقطعتين؛ الأولى من مصر، والثانية من بلاد الرافدين، وإن كانت النصوص كثيرة في هذا المجال( ).
1. القطعة الأولى من نص لرجل قديم من مصر، أراد الانتحار للالتحاق بالعالم الآخر، فجادل روحَه في ذلك وعنَّفَها، فلم توافق على الفكرة إلا بعد أن قابل لها بين آلام الدنيا وهناء الآخرة؛ يقول مخاطبا إياها:
سَيَنْتَنُ اسْمِي بِكِ
أكثرَ مِن نَتَنِ صِيادِي السَّمَك
…مَنْ أُخَاطِبُ اليَوْم؟
أَقْرانُ الْمَرْءِ أشرَار
وأَصْدِقَاءُ اليوم لا يُحِبّون
…يَقِفُ الْمَوْتُ إِزَائِي اليوم
كالعافية للمريض
…بَلْ إنّ مَنْ حَلَّ هناك
أضْحى إلهاً لا يموت
يعاقِبُ فاعلي الشر
بل إن من حل هناك
أضحى حكيما
لا يصدُّ عن مخاطبة "رع" عند الكلام( )
2. والقطعة الثانية لإله الماء والحكمة عند السومريين يصف بناءه لبيته في الأعماق المائية ثم يصف خروجه من الأعماق في مشهد مهيب:
بعْدَ أن تَفَرّقَت مِياهُ التَّكْوِينْ
وَعَمّتِ الْبَرَكَةُ أَقْطَارَ السَّماءْ
وَغَطّى الزَّرْعُ وَالعُشْبُ وَجْهَ الأرْضْ
…"أنكي"، الرَّبُّ الذي يُقَرِّر الْمَصَائِرْ
بَنَى بَيْتَهُ مِنْ فِضَّةٍ وَلاَزَوَرْدْ
فِضّةٍ ولازَوَرْدٍ كَأَنّهَا النّور الخاطف
حيثُ اسْتَقَرَّ هُناك في الأعْمَاقْ
عندما ارْتَفَعَ "أَنْكِي"، ارْتَفَعَتْ مَعَهُ كُلُّ الأَسْمَاكْ
واضْطَرَبَ الْغَمْرُ واصْطَخَبْ
زَالَ عنِ البَحْرِ وَجْهُ الْمَرَحْ
وَسَادَ الرُّعْبُ في الأعمَاقْ
وَاسْتَبَدَّ الْهَلَعُ بِالأنْهَارِ العَالِيَهْ
وَرَفَعَتْ رِيحُ الجَنوبِ الفُراتَ عَلَى مَدٍّ مِنَ الأَمْوَاجْ( )
الحياة المعاصرة بماديتها الصارخة تستولي على الإنسان ولا تتيح له الفرصة الكافية للتأمل في ضعفه وفي غربته، وحاجته إلى انطلاقة روحية يحقق بها ذلك اللقاء الحميم بينه وبين محيطه، حيث التعرف الوجداني والخيالي المباشر على لعالم.
إن حضور المادي هو الذي طمر روح الإنسان ووجدانه وخياله بطبقة كثيفة من الحسية، بلَّدت نظرته إلى الحياة، فشيأ الأشياء، وعزلها عن بعضها، واتخذ منها أبعادا، وتقوقع حول نفسه لا يكاد يتجاوزها إلا ب"العقلانية". وهكذا سجن فيه "الإنسان" وحرمه من حريته، حرية كانت تسمح له بالسياحة في الكون والأشياء كيف يشاء، وتربطه بكل ذرة من ذراته، ويغدو عضوا من أعضائه، بحيث لا تقع فيه واقعة إلا كان لوقعتها اهتزاز ما في كيانه. هذا الارتباط الوثيق بالكون عكسته الطقوس والشعائر الدينية التي كان يمارسها الإنسان معتبرا الغيب ملاذا وعونا له على تذليل ما يعترضه من مصاعب، وعلى تسخير ما في الكون لصالحه، وعلى تسيير كافة شؤونه اليومية. يكفي، فقط، أن ينشئ علاقة سليمة ودائمة مع الغيب ليضمن تحقق ذلك.
لا يهمنا، هنا، مناقشة سلامة أو عدم سلامة هذه الطقوس، أو حتى كون الدين من عنده سبحانه وتعالى، أو كان من اختراع الإنسان كما يزعم بعضهم( )، فما يهمنا هو الإشارة إلى أن هذه الشعائر والطقوس كانت تتخذ طابعا فنيا في كل الحالات، بحيث لا يمكن لدارس الديانات والأساطير أن يقوم بهذه الدراسة إلا وهو منغمر في الفن. ومن هنا كان الفن مقدسا هو أيضا، لأنه وليد الدين ومفض إليه؛ «والحقيقة أننا بصفة عامة عندما نتقدم لدراسة الأساطير لا نجد إلا النصوص الأدبية»( ) عند سائر الشعوب مما يؤكد العلاقة الوطيدة بين الروحي والفني عبر العصور. ولا يعقل أن يزعم أحد اليوم بأن الفن بعيد عن هذه الأجواء بدعوى تجاوزنا للعهود الأسطورية، فقد رأينا أن فناني العالم اتجهوا في هذا العصر على الخصوص إلى تلك العهود يمتاحون منها في محاولة لإنقاذ الفن من الموت( ). فالنهم المادي- يقول الشاعر عبد المعطي حجازي- «ليس دليلا على أن الإنسان كائن بغير روح، وربما كان هذا النهم المادي نتيجة لخلل يجب علينا أن ننتبه إليه…والنهم المادي في كل الأحوال ليس حجة على عدم حاجتنا للشعر بل هو على العكس أدعى أن يلفتنا أكثر إلى الشعر حتى يتحقق لهذه الحضارة شيء من التوازن الذي تفتقر إليه»( ) فالحاجة إلى الروح هي التي ينبغي أن تقود الفنان وتوجهه وهي التي تقوده فعلا، بوعي منه أو بدون وعي، فلا وجود لفن لاديني «فإذا امتنع وجود حقيقة دينية امتنع بالتالي وجود حقيقة فنية»( ). ومن هنا يصعب، إن لم نقل، يستحيل تقديم تفسير مادي للفن، كما يصعب إيجاد مسوغات مقنعة لوجود هذا الفن أصلا.
«لقد دأب الماديون على توجيه نظرنا إلى الجانب الخارجي للأشياء، فيقول "انجلز": (إن اليد ليست عضو العمل فقط، وإنما هي أيضا نتاج العمل، فمن خلال العمل اكتسبت اليد البشرية هذه الدرجة الرفيعة من الإتقان الذي استطاعت من خلاله أن تنتج لوحات "رفايللو = rafaello" وتماثيل "ثورفالدسن thorvaldsen" وموسيقى "باجينيني paganini"). إن ما يتحدث عنه "انجلز" هو استمرارية النمو البيولوجي وليس النمو الروحي. وفن التصوير عمل روحي وليس عملا تقنيا….إن النمو البيولوجي، وحده، حتى لو امتد إلى أبد الآبدين، ما كان بوسعه أن يمنحنا لوحات "رفايللو" ولا حتى صور الكهوف البدائية التي ظهرت في عصور ما قبل التاريخ»( ).
وهذه الناحية الروحية هي التي تجعلنا نقف مشدوهين أمام الأعمال الفنية القديمة، مأخوذين بسحرها لشدة تداخل الفني بالديني والأسطوري فيها. ولعل أقدم ما وصلنا من ذلك ما خلفه المصريون القدامى من نحوت وتماثيل ونقوش وتعاويذ وأناشيد( ) استفادت منها الحضارة اليونانية في شتى صورها( )، ومنها ما أدخله هوميروس في الإلياذة والأوديسا( ). يقول د. أحمد كمال زكي متحدثا عن جمال رسوم الفراعنة ونصبهم ومعابدهم وأثره في النفس بأنها «شُقَّت أو نحتت أو خططت بحيث تنسحب إلى أعماق الإنسان، والإنسان يذوب خلالها في صمت رهيب، وداخل الصمت يضج اللامسموع ويتحرك اللامرئي»( ). ومثل هذه الأجواء هي التي جعلت الكاتب والفيلسوف اليوناني القديم "بلوتارك plutarque" يعتنق عبادة إيزيس بعد زيارته لمصر حوالي سنة عشرين ومائة (120) بعد الميلاد( ) ويصير كاهنا في أحد معابد اليونان( ). وفي إطار الشعر نذكر أن "أخناتون" كان «أول من نادى بوحدانية الله: يراه في قرص الشمس ولا يشرك به أحدا»( ). وتمثل صلواته للشمس شعرا راقيا( )، مما يؤكد هذه الصلة الوثيقة بين الفن والدين.
وللتمثيل، نستشهد هنا بقطعتين؛ الأولى من مصر، والثانية من بلاد الرافدين، وإن كانت النصوص كثيرة في هذا المجال( ).
1. القطعة الأولى من نص لرجل قديم من مصر، أراد الانتحار للالتحاق بالعالم الآخر، فجادل روحَه في ذلك وعنَّفَها، فلم توافق على الفكرة إلا بعد أن قابل لها بين آلام الدنيا وهناء الآخرة؛ يقول مخاطبا إياها:
سَيَنْتَنُ اسْمِي بِكِ
أكثرَ مِن نَتَنِ صِيادِي السَّمَك
…مَنْ أُخَاطِبُ اليَوْم؟
أَقْرانُ الْمَرْءِ أشرَار
وأَصْدِقَاءُ اليوم لا يُحِبّون
…يَقِفُ الْمَوْتُ إِزَائِي اليوم
كالعافية للمريض
…بَلْ إنّ مَنْ حَلَّ هناك
أضْحى إلهاً لا يموت
يعاقِبُ فاعلي الشر
بل إن من حل هناك
أضحى حكيما
لا يصدُّ عن مخاطبة "رع" عند الكلام( )
2. والقطعة الثانية لإله الماء والحكمة عند السومريين يصف بناءه لبيته في الأعماق المائية ثم يصف خروجه من الأعماق في مشهد مهيب:
بعْدَ أن تَفَرّقَت مِياهُ التَّكْوِينْ
وَعَمّتِ الْبَرَكَةُ أَقْطَارَ السَّماءْ
وَغَطّى الزَّرْعُ وَالعُشْبُ وَجْهَ الأرْضْ
…"أنكي"، الرَّبُّ الذي يُقَرِّر الْمَصَائِرْ
بَنَى بَيْتَهُ مِنْ فِضَّةٍ وَلاَزَوَرْدْ
فِضّةٍ ولازَوَرْدٍ كَأَنّهَا النّور الخاطف
حيثُ اسْتَقَرَّ هُناك في الأعْمَاقْ
عندما ارْتَفَعَ "أَنْكِي"، ارْتَفَعَتْ مَعَهُ كُلُّ الأَسْمَاكْ
واضْطَرَبَ الْغَمْرُ واصْطَخَبْ
زَالَ عنِ البَحْرِ وَجْهُ الْمَرَحْ
وَسَادَ الرُّعْبُ في الأعمَاقْ
وَاسْتَبَدَّ الْهَلَعُ بِالأنْهَارِ العَالِيَهْ
وَرَفَعَتْ رِيحُ الجَنوبِ الفُراتَ عَلَى مَدٍّ مِنَ الأَمْوَاجْ( )