د. إبراهيم عروش - الجديدة بين "دوفيل المغرب” وواقع الفضلات… من يُنقذ الكرامة؟

لم تكن “العنصر الصافي” مجرّد عيطةٍ تُغنّى في الجبال، بل كانت فلسفة ماءٍ صافٍ، يخرج من العين كما تخرج الكلمة من قلبٍ لم تُلوّثه المصالح.
“العنصر الصافي، والماء ديالو يجري…”
هكذا تغنّت جبالة والشاون وكتامة بالنقاء، وهكذا تغنّت دكالة بعيوط المقاومة، حين كانت الجديدة جسرًا بين الحصباوي والمرساوي، لا مجرد مدينةٍ تُقاس بعدد المقاهي والإقامات المغلقة.

كانت الجديدة يومًا تُشبه المغرب حين كان يحلم بنفسه…
وحين قسّم الاستعمار الفرنسي والإسباني البلاد إلى شمالٍ ووسطٍ وجنوب، بقي المغاربة يحاولون ترميم الروح، منذ خطاب محمد الخامس بطنجة، لإفشال مشروع الظهير البربري الذي أراد تقسيم المغاربة إلى قبائل لغوية وعرقية، بينما كان الفقر وحده يوحّدهم أكثر من السياسة.

وفي زمن “المغرب النافع وغير النافع” حسب ليوطي، كانت الجديدة محسوبةً على المغرب النافع؛ لا لأن شوارعها كانت من ذهب، بل لأن البحر كان نظيفًا، والأرض خصبة، والإنسان ما يزال يخجل من رمي الأزبال أمام باب جاره.

لكن الشمال، الذي عرف لاحقًا الهجرة إلى أوروبا، دخل مرحلةً أخرى من “الرواج”.
رواجٌ اختلطت فيه التحويلات المالية برائحة الحشيش، حتى صار بعض “البزناسة” يتكفّلون بحيٍّ كامل: يؤدّون الكراء، يشترون خرفان العيد، يساعدون الأرامل… ثم يُدمّنون أبناءهم في الخفاء.
،ويصبح الخرابُ مشروعَ شعبيا.
روبن هود بنسخةٍ مغاربية: يوزّع الفتات بيدٍ، ويسرق المستقبل بالأخرى.تجليات واضحة في عصرنا

ثم جاءت حملة البصري، التي لا نملك تبرئتها كاملة ولا شيطنتها كاملة، لكنها على الأقل كشفت للدولة أن الشمال ليس فقط منطقة تهريب، بل أيضًا منطقة تحتاج الدولة أن تحضر فيها لا أن تكتفي بمراقبتها.
فأُعيد ترتيب الواجهات، وتزيّنت طنجة وتطوان والمضيق ومرتيل، حتى صار المغربي يسافر إلى الشمال وكأنه يعبر الحدود نحو نسخةٍ أخرى من الوطن.

أما الجديدة…
فبقيت تتأمل البحر، كأرملةٍ جميلة نسيها الورثة.

أتذكّر سائق “الطاكسي الصغير” في الثمانينيات، حين قلت له إنني أعشق الجديدة. ابتسم ابتسامة العارف بأوجاع المدن وقال:
“اسمع يا ولدي… الجديدة قصة عشق، ولكن العشق وحده لا ينظّف الأزقة.”

ثم حكى لي حكاية “نافارو”.

يُقال إن الجديدة، حين كانت تُلقّب بـ”دوفيل المغرب”، لم تكن تتوفر حتى على شبكة صرف صحي حقيقية.
كان الناس يحفرون مطامير تحت البيوت، وحين تمتلئ، يُستدعى من يفرغها ويرميها في البحر.
ومن بين هؤلاء رجلٌ يهودي يُدعى “نافارو”، امتهن ما عجز الآخرون عن فعله، فصار الناس يستهزئون به وهم يركضون خلف عربته مردّدين:

“وا نافارو… جبّاد الغائط بظفارو!”

لكن سخرية التاريخ لا ترحم.

فالذي كان يُهان لأنه ينظّف فضلات الناس، صار اسمه مرتبطًا بعائلاتٍ بأغادير وكندا وأمريكا ،كوّنت ثرواتٍ واستثماراتٍ عبر العالم، بينما الذين يتحدّثون اليوم باسم “التنمية” عاجزون حتى عن رفع حاوية قمامة في وقتها.

يا للمفارقة…

أناسٌ حملوا الأوساخ فارتفعوا،
وآخرون حملوا الشعارات فسقطوا.

لقد هزم الشمالُ نظرية “المغرب النافع وغير النافع”، وتجاوزتها الرباط حتى صارت تُقارن بعواصم أوروبية، وتلحقها الدار البيضاء ومراكش…
الكلّ يتزيّن.

إلا الجديدة.

مدينةٌ كانت تُسمّى “دوفيل المغرب” بسبب نظافة شواطئها الطبيعية وأناقة بحرها، لا بسبب إسمنتها ولا حدائقها المصطنعة.
أما اليوم، فهي مدينةٌ عالقة بين التاريخ والحُفر، بين البحر والأزبال، بين ذاكرة البرتغاليين وعجز المنتخبين.

حتى البحر، الذي كان يغسل المدينة كل صباح، يبدو اليوم وكأنه تعب من العمل مكان الجماعة.

فيا تحيةً لعائلة نافارو، ولكلّ من اشتغلوا بما استقذره الناس فحفظوا كرامة المدينة…
وتبًّا لمن جعلوا من السياسة مطمورةً كبيرة، ثم أقنعونا أن الرائحة “إنجاز تنموي”.

امسحوا السبورة…
ثم ابدؤوا من السطر الأول:
“النظافة ليست مشروعًا انتخابيًا… بل الحدّ الأدنى من احترام الإنسان.

الصورتين للجديدة و دوفيل الفرنسية هل هناك تشابه؟

د. ابراهيم عروش ٠ الجديدة

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...