علي سيف الرعيني _|الراتب الذي ينتهي قبل ان يبدأ الشهر !!

في كثير من الاوقات لم يعد الراتب حدثا مفرحًا كما كان، بل أصبح مجرد محطة قصيرة بين قلق الانتظار، وقلق النفاد. يدخل الراتب الحساب لساعات، وربما لأيام قليلة ثم يختفي وكأنه لم يأتِ أصلًا، تاركًا خلفه قائمة طويلة من الالتزامات التي لم تُنجز والحاجات التي تأجلت مرة أخرى، والأحلام الصغيرة التي تم تأجيلها إلى إشعار آخر
الراتب الذي ينتهي قبل أن يبدأ الشهر هو حالة نفسية واجتماعية كاملة. هو شعور دائم بالعجز، وإحساس متكرر بأن الإنسان يركض دون أن يصل، ويعمل دون أن ينجو، ويخطط دون أن تتحقق خططه. يتحول الموظف إلى آلة حساب يومية؛ يقسم المبلغ على الأيام، ويعيد ترتيب الأولويات، ويحذف الضروريات أحيانًا قبل الكماليات.
الإيجار يسبق الراتب، وفواتير الكهرباء والماء لا تنتظر، ومصاريف المدارس تأتي كأنها اختبار قاسٍ للصبر أما الغذاء فلم يعد مجرد احتياج بسيط، بل معركة يومية مع الأسعار التي ترتفع بلا رحمة. وفي وسط كل ذلك، يقف الإنسان حائرًا بين حاجته للعيش بكرامة، وقدرته المحدودة على الصمود
الأصعب من ضيق المال هو ضيق النفس. حين يشعر الأب أنه عاجز عن تلبية احتياجات أسرته، وحين تخفي الأم رغباتها حتى لا تزيد العبء، وحين يتعلم الطفل مبكرًا أن يقول: لا أريد وهو في الحقيقة يريد كثيرا هنا لا نتحدث عن اقتصاد فقط، بل عن كرامة تُستنزف بصمت.
بعض الناس لا يشتكون لأنهم تعبوا من الشرح. هناك من يذهب إلى عمله كل صباح بابتسامة مصطنعة، بينما يفكر طوال الطريق: كيف سيمر هذا الشهر؟ كيف سيدفع؟ ماذا سيؤجل هذه المرة؟ الدواء أم القسط؟ الحاجة أم الكرامة؟
الراتب الذي لا يكفي يسرق الطمأنينة. يجعل المستقبل ضبابيًا، ويحوّل الأحلام البسيطة إلى مجهول
وهنا يتحول كل شئ هم ثقيل حتى المناسبات السعيدة تصبح عبئًا، والأعياد تتحول إلى اختبار جديد للقدرة على التظاهر بأن الأمور بخير.
المؤلم أن هذه الأزمة لم تعد استثناءً، بل أصبحت القاعدة. آلاف الأسر تعيش على حافة الانهيار المالي، لا تبحث عن الرفاه، بل عن الحد الأدنى من الاستقرار. والحديث هنا ليس عن الطموح، بل عن النجاة.
إن الراتب الذي ينتهي قبل أن يبدأ الشهر مؤشر على خلل أعمق في منظومة الحياة نفسها. حين يعمل الإنسان بجد ولا يستطيع أن يعيش بكرامة، فالمشكلة ليست فيه، بل في واقع يحتاج إلى مراجعة حقيقية
فالعدالة الاقتصادية ضرورة إنسانية. والعيش الكريم حق بسيط يجب ألا يتحول إلى معركة يومية ويبقى سؤال قائم
هل المشكلة في وجود الراتب من عدمه ام في الراتب نفسه ام في الحياة التي أصبحت أغلى من قدرة الناس على الاحتمال؟

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...