علي سيف الرعيني _|النجاح المزيف !!

ظهر ما يمكن تسميته بالنجاح المزيّف
هذا النوع من النجاح لا يقوم على تعبٍ حقيقي، ولا على مسيرة طويلة من الاجتهاد، بل على فن الإقناع البصري وصناعة الانطباع. يكفي أن يلتقط أحدهم صورة أمام مكتب فاخر، أو ينشر مقطعًا قصيرًا يتحدث فيه بثقة عن الثراء والنجاح، حتى يبدأ البعض بتصديقه، وربما تقليده أيضًا.
المشكلة لا تكمن فقط في هذا الزيف، بل في أثره العميق على الناس، خصوصًا الشباب. حين يرى الإنسان يوميًا عشرات الأشخاص يبدون وكأنهم يعيشون حياة مثالية، يبدأ بمقارنة نفسه بهم، فيشعر بالتأخر، والفشل، وربما الاحتقار الذاتي. ينسى أن كثيرًا مما يراه ليس حقيقة كاملة، بل مشهدًا مختارًا بعناية، يخفي خلفه قلقًا، وديونًا، وفراغًا نفسيًا، وربما انهيارات صامتة.
النجاح الحقيقي غالبًا هادئ، لا يحتاج إلى إعلان مستمر، ولا إلى جمهور يصفّق كل يوم. هو ذلك التقدّم البطيء الذي لا يراه أحد، والسهر الطويل، والصبر على الفشل، وبناء الذات بعيدًا عن التصفيق المؤقت. أما النجاح المزيّف، فهو ضجيج سريع، يلمع بقوة ثم ينطفئ مع أول اختبار حقيقي.
بعض الأشخاص لا يسعون للنجاح نفسه، بل لصورته فقط. يريدون أن يبدوا ناجحين، لا أن يكونوا كذلك. وهذا أخطر ما تصنعه ثقافة الاستعراض؛ أنها تجعل المظهر أهم من الجوهر، والانبهار أهم من الحقيقة.
وسائل التواصل ليست شرًا مطلقًا، لكنها تصبح خطيرة حين تتحول إلى مسرح دائم للمقارنات والخداع. المطلوب ليس الهروب منها، بل الوعي بها؛ أن نفهم أن ما يُعرض ليس دائمًا ما يُعاش، وأن خلف كل صورة مثالية احتمال كبير لحقيقة مختلفة تمامًا.
علينا أن نعيد تعريف النجاح بعيدًا عن عدد المتابعين والإعجابات، وأن نربطه بالقيمة، والأثر، والاستقرار النفسي، والرضا الداخلي. فليس كل مشهور ناجحًا، وليس كل صامت فاشلًا.
النجاح الحقيقي لا يحتاج إلى فلتر، ولا إلى جمهور افتراضي يصفق له. النجاح الحقيقي يُرى في حياة الإنسان، لا في قصته المنشورة، ويُقاس بما يبنيه، لا بما يستعرضه.
فبين من يصنع حياته ومن يصنع فقط صورة عنها، فرقٌ كبير لا تلتقطه الكاميرا !!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...