﴿ قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ ۖ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا ﴾ [الفرقان: ٧٧]
"الدعاء لا يغيّر علم الله، بل يغيّر موقع الإنسان داخل هذا العلم"
خواطر بقلم: طارق حنفي
-----------
علم الله - سبحانه وتعالى - علم أزليٌّ محيط، لا يحدّه زمان، ولا يعجزه مكان، ولا يعتري كماله نقص أو تبديل؛ انكشفت فيه الكائنات قبل وجودها، وعُلِمت النهايات قبل أن تبدأ البدايات.
ففي علمه سبحانه ظهرت حقائق الأفعال، وعُلِم أهل التصديق كما عُلِم أهلُ التكذيب.
لكنه الدعاء والادّعاء.. الدعاء بما يحمله من رجاءٍ وأملٍ في التغيير، وادّعاء كلِّ نفسٍ أحقيّتَها بالقرب والنجاة.
فكانت حكمةُ وجود الإنسان في عالم الملك أن تتحوّل المعاني المجرّدة إلى تجربةٍ تُعاش، وأن تتعرّف النفوس إلى الله معرفةً تُختبر بالفعل لا تُقال بالألسنة فقط؛ فتسلك طريق التصديق أو تصرّ على الإنكار، وحتى ترى كلُّ نفسٍ حقيقتها بأفعالها واختياراتها، فلا يبقى لها يوم القيامة موضعُ تبجّحٍ أو اعتراضٍ على حكم الله.
وهنا يطرق سؤالُ القلب والعقل معًا:
إذا كان الله يعلم المصير قبل وقوعه، فلماذا كانت الحياة أصلًا؟ ولماذا الدعاء والابتلاء والحساب؟
قالوا في معنى الآيات:
أخبر الله تعالى أنه لا يبالي ولا يعبأ بالناس، لولا دعاؤهم
إياه دعاء العبادة ودعاء المسألة، فقد كَذَّبتم -أيها الكافرون- فسوف يكون تكذيبكم مفضيا لعذاب يلزمكم لزوم الغريم لغريمه، ويهلككم في الدنيا والآخرة.
(وما يعبأ بكم ربي) أي: لا يرى لكم قدرا ولا وزنا، والمعنى: فأخبر تعالى، أنه لا يبالي ولا يعبأ بهم وأنه لولا دعاؤهم إياه دعاء العبادة، ودعاء المسألة، ما عبأ بهم..
(فَقَدْ كَذَّبْتُمْ) أيها الكافرين (فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا) أي: عذابا يلزمكم، لزوم الغريم لغريمه.
وعند ابن كثير المراد بالدعاء هنا: الايمان اي لايبالي بكم
لولا ايمانكم.
قوله تعالى: (قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ) قيل: لولا دعاؤكم إياه، وقيل: لولا دعاؤه إياكم؛ فإن المصدر يضاف إلى الفاعل تارة، وإلى المفعول تارة، ولكن إضافته إلى
الفاعل أقوى؛ لأنه لابد له من فاعل؛ فلهذا كان هذا أقوى القولين أي: ما يعبأ بكم لولا أنكم تدعونه فتعبدونه، وتسألونه.
والله أعلم، نقول:
إنّ الدعاء ليس مجرد طلب للحاجات، بل هو - في جوهره - إعلانُ افتقار، واعترافُ العبد بأنّ له ربًّا يلجأ إليه.
فالإنسان حين يدعو، يعترف - ولو في أعماقه - بضعفه، وبأن فوقه قدرةً مطلقة ورحمةً لا غنى له عنها.
ولهذا كان الدعاء عبادة؛ لأنه يهدم وَهْم الاستغناء، ويُعيد النفس إلى حقيقتها الأولى، حقيقة العبودية لله.
فالله سبحانه يعلم الخلق قبل أن يخلقهم، ويعلم مصائرهم قبل أن تبدأ رحلتهم، وقد سبق عطاؤه سؤالهم؛ إذ لا يعتري علمه نقصٌ ولا تبديل.
لكنّ المتغيّر في عالم الإنسان يبقى دائمًا هو: الدعاء…
الأمل في التغيير، والرغبة في القرب، وصدق الرجوع إلى الله.
فالدعاء ليس إعلامًا لله بما نحتاج - فهو أعلم بنا من أنفسنا - وإنما هو تحوّلٌ يقع داخل الإنسان نفسه؛
انكسارُ قلبٍ بعد قسوة، وصحوةُ روحٍ بعد غفلة، وانتقالُ نفسٍ من الاحتماء بحولها المحدود إلى الاحتماء بالله.
ولهذا ظلّ باب الدعاء مفتوحًا؛ لأن الله لا يريد من عبده مجرّد السؤال، بل يريد عودته إليه.
لقد افتقرت الموجودات إلى الله قبل وجودها، فأوجدها بجوده، ثم تولّاها برحمته بعد أن أوجدها؛ فهي قائمة به، مفتقرة إليه في كل لحظة.
ولو شاء سبحانه لغرس معرفته في القلوب غرسًا لا ينفكّ عنها، ولجعل الطاعة طبعًا فطريًّا لا يُقاوَم، والمعصية ثقيلة على الأرواح ثِقل النار.
ولو شاء، لكفت العبدَ سجدةٌ واحدة ما بقي له عمر.
لكنها حكمة الاختيار… فالسجدة التي تأتي بعد مجاهدة الهوى، ومغالبة النفس، أصدق أثرًا وأعمق معنى من طاعةٍ لا اختيار فيها.
ولهذا لم يُرد الله من الإنسان حركةَ الجسد وحدها، بل أراد صدق التوجّه، وحضور القلب، وحقيقة الرجوع إليه.
وفي كتابه - وهو كلامه الأزلي - فتح لعباده باب الرجاء فقال:
﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾
ففتح باب الدعاء للمطيع والعاصي، وللمصدّق والمكذّب؛ لعلّ القلوب ترجع، ولعلّ النفوس تتطهّر، ولعلّ الإنسان يهتدي إلى نفسه قبل فوات الأوان.
ثم إن الله سبحانه لم يجعل عطاياه في الدنيا متوقفة على طاعة العباد أو شكرهم؛ فهو الغنيّ بذاته، الكامل في ملكه، الذي لا تنفعه طاعة المطيعين، ولا تضره معصية العاصين.
وقدرة الله لا تتجلّى فقط في إحكام سلطانه على الكون:
﴿ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾
بل تتجلّى كذلك في سعة رحمته، وامتداد عطائه، وفيض كرمه حتى على من أعرض عنه.
فالله يعطي المؤمن كما يعطي الكافر، ويرزق الطائع كما يرزق الغافل؛ لأن عطاياه أثرٌ من آثار كماله، لا استجابةٌ لحاجةٍ إلى خلقه.
فمن يعول الوجود كلَّه غير واجد الوجود سبحانه؟
ومع أنّ الخلق جميعًا لا يملكون له نفعًا ولا ضرًّا، فإنه لا يردّ من دعاه، ولا يغلق باب رحمته في وجه من قصده.
هو الله… لا إله إلا هو.
وصلِّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، رحمتك المهداة للعالمين، الداعي إلى صراطك المستقيم، وعلى آله وصحبه أجمعين.
طارق حنفي
"الدعاء لا يغيّر علم الله، بل يغيّر موقع الإنسان داخل هذا العلم"
خواطر بقلم: طارق حنفي
-----------
علم الله - سبحانه وتعالى - علم أزليٌّ محيط، لا يحدّه زمان، ولا يعجزه مكان، ولا يعتري كماله نقص أو تبديل؛ انكشفت فيه الكائنات قبل وجودها، وعُلِمت النهايات قبل أن تبدأ البدايات.
ففي علمه سبحانه ظهرت حقائق الأفعال، وعُلِم أهل التصديق كما عُلِم أهلُ التكذيب.
لكنه الدعاء والادّعاء.. الدعاء بما يحمله من رجاءٍ وأملٍ في التغيير، وادّعاء كلِّ نفسٍ أحقيّتَها بالقرب والنجاة.
فكانت حكمةُ وجود الإنسان في عالم الملك أن تتحوّل المعاني المجرّدة إلى تجربةٍ تُعاش، وأن تتعرّف النفوس إلى الله معرفةً تُختبر بالفعل لا تُقال بالألسنة فقط؛ فتسلك طريق التصديق أو تصرّ على الإنكار، وحتى ترى كلُّ نفسٍ حقيقتها بأفعالها واختياراتها، فلا يبقى لها يوم القيامة موضعُ تبجّحٍ أو اعتراضٍ على حكم الله.
وهنا يطرق سؤالُ القلب والعقل معًا:
إذا كان الله يعلم المصير قبل وقوعه، فلماذا كانت الحياة أصلًا؟ ولماذا الدعاء والابتلاء والحساب؟
قالوا في معنى الآيات:
أخبر الله تعالى أنه لا يبالي ولا يعبأ بالناس، لولا دعاؤهم
إياه دعاء العبادة ودعاء المسألة، فقد كَذَّبتم -أيها الكافرون- فسوف يكون تكذيبكم مفضيا لعذاب يلزمكم لزوم الغريم لغريمه، ويهلككم في الدنيا والآخرة.
(وما يعبأ بكم ربي) أي: لا يرى لكم قدرا ولا وزنا، والمعنى: فأخبر تعالى، أنه لا يبالي ولا يعبأ بهم وأنه لولا دعاؤهم إياه دعاء العبادة، ودعاء المسألة، ما عبأ بهم..
(فَقَدْ كَذَّبْتُمْ) أيها الكافرين (فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا) أي: عذابا يلزمكم، لزوم الغريم لغريمه.
وعند ابن كثير المراد بالدعاء هنا: الايمان اي لايبالي بكم
لولا ايمانكم.
قوله تعالى: (قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ) قيل: لولا دعاؤكم إياه، وقيل: لولا دعاؤه إياكم؛ فإن المصدر يضاف إلى الفاعل تارة، وإلى المفعول تارة، ولكن إضافته إلى
الفاعل أقوى؛ لأنه لابد له من فاعل؛ فلهذا كان هذا أقوى القولين أي: ما يعبأ بكم لولا أنكم تدعونه فتعبدونه، وتسألونه.
والله أعلم، نقول:
إنّ الدعاء ليس مجرد طلب للحاجات، بل هو - في جوهره - إعلانُ افتقار، واعترافُ العبد بأنّ له ربًّا يلجأ إليه.
فالإنسان حين يدعو، يعترف - ولو في أعماقه - بضعفه، وبأن فوقه قدرةً مطلقة ورحمةً لا غنى له عنها.
ولهذا كان الدعاء عبادة؛ لأنه يهدم وَهْم الاستغناء، ويُعيد النفس إلى حقيقتها الأولى، حقيقة العبودية لله.
فالله سبحانه يعلم الخلق قبل أن يخلقهم، ويعلم مصائرهم قبل أن تبدأ رحلتهم، وقد سبق عطاؤه سؤالهم؛ إذ لا يعتري علمه نقصٌ ولا تبديل.
لكنّ المتغيّر في عالم الإنسان يبقى دائمًا هو: الدعاء…
الأمل في التغيير، والرغبة في القرب، وصدق الرجوع إلى الله.
فالدعاء ليس إعلامًا لله بما نحتاج - فهو أعلم بنا من أنفسنا - وإنما هو تحوّلٌ يقع داخل الإنسان نفسه؛
انكسارُ قلبٍ بعد قسوة، وصحوةُ روحٍ بعد غفلة، وانتقالُ نفسٍ من الاحتماء بحولها المحدود إلى الاحتماء بالله.
ولهذا ظلّ باب الدعاء مفتوحًا؛ لأن الله لا يريد من عبده مجرّد السؤال، بل يريد عودته إليه.
لقد افتقرت الموجودات إلى الله قبل وجودها، فأوجدها بجوده، ثم تولّاها برحمته بعد أن أوجدها؛ فهي قائمة به، مفتقرة إليه في كل لحظة.
ولو شاء سبحانه لغرس معرفته في القلوب غرسًا لا ينفكّ عنها، ولجعل الطاعة طبعًا فطريًّا لا يُقاوَم، والمعصية ثقيلة على الأرواح ثِقل النار.
ولو شاء، لكفت العبدَ سجدةٌ واحدة ما بقي له عمر.
لكنها حكمة الاختيار… فالسجدة التي تأتي بعد مجاهدة الهوى، ومغالبة النفس، أصدق أثرًا وأعمق معنى من طاعةٍ لا اختيار فيها.
ولهذا لم يُرد الله من الإنسان حركةَ الجسد وحدها، بل أراد صدق التوجّه، وحضور القلب، وحقيقة الرجوع إليه.
وفي كتابه - وهو كلامه الأزلي - فتح لعباده باب الرجاء فقال:
﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾
ففتح باب الدعاء للمطيع والعاصي، وللمصدّق والمكذّب؛ لعلّ القلوب ترجع، ولعلّ النفوس تتطهّر، ولعلّ الإنسان يهتدي إلى نفسه قبل فوات الأوان.
ثم إن الله سبحانه لم يجعل عطاياه في الدنيا متوقفة على طاعة العباد أو شكرهم؛ فهو الغنيّ بذاته، الكامل في ملكه، الذي لا تنفعه طاعة المطيعين، ولا تضره معصية العاصين.
وقدرة الله لا تتجلّى فقط في إحكام سلطانه على الكون:
﴿ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾
بل تتجلّى كذلك في سعة رحمته، وامتداد عطائه، وفيض كرمه حتى على من أعرض عنه.
فالله يعطي المؤمن كما يعطي الكافر، ويرزق الطائع كما يرزق الغافل؛ لأن عطاياه أثرٌ من آثار كماله، لا استجابةٌ لحاجةٍ إلى خلقه.
فمن يعول الوجود كلَّه غير واجد الوجود سبحانه؟
ومع أنّ الخلق جميعًا لا يملكون له نفعًا ولا ضرًّا، فإنه لا يردّ من دعاه، ولا يغلق باب رحمته في وجه من قصده.
هو الله… لا إله إلا هو.
وصلِّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، رحمتك المهداة للعالمين، الداعي إلى صراطك المستقيم، وعلى آله وصحبه أجمعين.
طارق حنفي