يحيى بركات - من حياد الفن إلى أزمة الضمير كيف كسرت غزة المرايا الثقافية للغرب

في البداية…
لم يكن أحد يريد أن يرى الصورة كاملة.
كانت القاعات مضاءة كعادتها.
السجاد الأحمر يُفرش بدقة.
الكؤوس تُرفع.
الجوائز تُسلَّم.
الكاميرات تتحرك بخفة بين الوجوه اللامعة،
كأن العالم ما زال قابلاً للترميم ببعض الموسيقى، وقليلٍ من الشعر، وخطاب افتتاحي عن “الإنسانية”.
لكن خارج القاعة…
كان هناك عالم آخر يُبثّ مباشرة.
أطفال تحت الركام.
أحياء تُمحى.
أمهات يحفرن بأيديهن.
أطباء يجرون العمليات بلا تخدير.
وصوت مدينة كاملة يتحول تدريجيًا إلى صدى.
في البداية…
حاولت الثقافة الغربية أن تفعل ما تجيده دائمًا:
أن تؤجل السؤال الأخلاقي.
قال البعض:
الفن ليس سياسة.
وقال آخرون:
يجب حماية الحياد الثقافي.
وقال آخرون:
دعوا الفن يتحدث بعيدًا عن الصراعات.
لكن غزة لم تترك للمرايا وقتًا طويلًا للاختباء.
شيئًا فشيئًا…
بدأت القاعات تسمع الأصوات القادمة من الخارج.
استقالات.
بيانات احتجاج.
انسحابات من مهرجانات.
رسائل من مخرجين وكتاب وفنانين.
احتجاجات داخل معارض الفن، وقاعات السينما، والمسارح، والجامعات.
وفجأة…
لم يعد السؤال:
“ما موقفك السياسي؟”
بل:
“كيف تنام بينما يحدث كل هذا؟”
هنا بالضبط…
يصبح موقف J. M. Coetzee لحظةً ثقافية تتجاوز خبرًا عن كاتب رفض حضور مهرجان.
لأن الرجل ليس ناشطًا موسميًا.
وليس خطيبًا سياسيًا.
ولا واحدًا من محترفي الصراخ على المنصات.
بل واحد من أكثر كتّاب العالم صمتًا، وعزلة، ودقةً في اختيار كلماته.
كاتب خرج من جنوب أفريقيا وهو يحمل في ذاكرته الطويلة ظلال الفصل العنصري، وأسئلة العنف، وعار السلطة حين تتحول إلى ماكينة أخلاقية معطوبة.
لهذا…
حين يكتب كوتسي رسالة يرفض فيها حضور مهرجان القدس الدولي للكتاب، فإن المسألة لا تتعلق بمقعد فارغ في مهرجان أدبي.
المسألة أن أحد آخر الجالسين بهدوء في “المنطقة الرمادية” قرر أن يغادر القاعة.
الأخطر من الرفض نفسه…
هو اللغة التي استخدمها.
كوتسي لم يقل إنه “قلق”.
لم يقل إنه “حزين”.
لم يطالب بـ “السلام”.
بل كتب بوضوح:
“حملة إبادة جماعية في غزة.”
ثم كتب ما هو أخطر:
إن المجتمع الثقافي والفكري الإسرائيلي لا يستطيع التهرب من مسؤوليته الأخلاقية.
هنا تتغير القصة كلها.
لأن الاتهام لم يعد موجهًا فقط للسياسي أو الجندي أو الحكومة…
بل للبنية الثقافية التي واصلت العيش كأن شيئًا لا يحدث.
والأهم من ذلك كله…
أن كوتسي نفسه كان يومًا من المتعاطفين مع إسرائيل.
قالها بوضوح في رسالته:
لقد كنت أعتقد أن يومًا سيأتي يغيّر فيه الإسرائيليون موقفهم، ويحققون نوعًا من العدالة للفلسطينيين.
هذه الجملة وحدها تختصر التحول العميق الذي أصاب قطاعًا واسعًا من الضمير الثقافي الغربي.
فالمسألة لم تعد:
“هل يهاجمنا خصومنا؟”
بل:
“لماذا يغادرنا مؤيدونا القدامى؟”
وهنا تحديدًا تكمن الهزة الحقيقية.
غزة لم تغيّر فقط صورة إسرائيل في الشارع العالمي…
بل بدأت تهز صورة الغرب عن نفسه.
عن نفسه كحاملٍ لقيم الحرية.
عن نفسه كمدافع عن حقوق الإنسان.
عن نفسه كحارس للأخلاق الكونية.
لأن السؤال الذي بدأ يطارد المؤسسات الثقافية الغربية لم يعد سياسيًا فقط، بل وجوديًا تقريبًا:
كيف يمكن للمثقف أن يتحدث عن العدالة… ثم يصمت أمام هذا الحجم من الموت؟
كيف يمكن لمهرجان سينمائي أن يحتفل بـ “الإنسان” بينما تُبث صور الأطفال الممزقين على الشاشات نفسها التي تعرض الأفلام؟
كيف يمكن للجامعة أن تدرّس فلسفة الأخلاق… ثم تستدعي الشرطة لقمع الطلاب المحتجين؟
كيف يمكن للفن أن يدّعي الحياد… بينما الركام نفسه صار مادة بصرية يومية؟
لهذا لم يعد ما يحدث مجرد تضامن مع فلسطين.
بل أزمة ضمير داخل الثقافة الغربية ذاتها.
أزمة كشفت هشاشة الفاصل القديم بين:
الفن والسياسة،
الحياد والتواطؤ،
الجوائز والضمير.
ولهذا أيضًا…
لم يعد انسحاب كوتسي مجرد موقف فردي.
إنه علامة على لحظة تاريخية بدأت فيها المرايا الثقافية الغربية تتشقق.
بعضها ما زال يحاول تغطية الشروخ بالبيانات الدبلوماسية.
بعضها يطفئ الأنوار كي لا يرى صورته.
وبعضها يواصل العزف كأن السفينة لا تغرق.
لكن شيئًا عميقًا حدث بالفعل.
لأن غزة، بكل هذا الموت، لم تدخل فقط نشرات الأخبار…
بل دخلت قلب السؤال الأخلاقي الغربي نفسه.
وربما لهذا السبب تحديدًا…
يبدو صوت كوتسي مخيفًا.
ليس لأنه صرخ.
بل لأنه تكلم أخيرًا.

يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
مؤسس منصة سينمابريدج
8/5/2026




تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...