محمد بشكار - يَبْدأُ العُمْر مع أوّل أجْر !

تكبر الأمم فتصبح عظمى، وتكبر شعوبها وتزداد عِلْما، أما نحنُ فشعبٌ لا نكبُر في أعين أنفُسِنا، فَذُو الخمسين ما زال في وهْمه بعُمر العشرين، وَذو العشرين ما زال في مَهْد أمِّه يتأرجح طفلا، تلتقي خصوصاً في فئة الرجال كل الأعمار، وتحديدا تلك التي دخلتْ بالسنين، من باب يتقوَّس فيه الظهر بدءا من الأربعين حتى السبعين، فلا تجدُ أحداً يعترف بتقدُّمه في الزَّمن، ويَصْدمُكَ بمعنويات عالية قائلا لقد بدأتُ حياتي للتَّو، أمَّا الرَّأي في أعمار النساء، فموروثٌ ثقافي لا تنفكُّ عُقدته في الذِّهنية العربية، ويَعتبرُ كل امرأة فوق سن الخامسة عشرة عجوزاً من الغابرين !


من يُشبهنا ونحن نعيش بإكْسِير الوهم شباباً من المهد إلى اللحد، وهذا الإحساس بانعدام الزمن، قد تُغْبطنا عليه باقي الشعوب، تلك التي أشرقتْ بالأنوار في غرْبِها، لذلك يُحدِّدون بمقاييس العقل الرُّوزنانة الزمنية للبشر، ألم تر كيف يعيشون كل عُمر سواءً بحلاوته أو مرارته، بواقعية لا تحتمل الأكاذيب على النَّفس، فلا يأبهون كمْ تقدَّموا في السن بقدْر قلقهم على درجة تقدُّم النمو الاقتصادي والعلمي، وكم قرنا تجاوزوا به عصرنا !
يبدو أن الحياة يرتبطُ عيشُها عندنا طُولاً دون عرْضٍ يُذكر، تحديداً في الوقت الذي يبدأ فيه الفردُ العمل، وبسبب تفاقُم البطالة في بلدنا، فإنَّ المواطن لا تُحالفه الوظيفة إذا كان مبروكاً، إلا وهو على مشارف الأربعين، حينها يتدفَّق مع أوَّل أجْرٍ شهري في الجيب دم جديد في القلب، فيفتح الرجل عينيه كأول عهده بالدنيا، و يبدأ في استعمال ناجع للزمن بإعادته في غالب الظن إلى نقطة الصفر، هو الذي كان بالأمس سائرا إلى القبر، مُحاولاً تعويض ما ضاع، ويتلخَّص في توفير زوجة لتفريخ الأبناء، وبعدها مرحبا بالموت، كيف لا وقد أنجب من صلبه مَنْ يحمله على الأكتاف تشييعاً !
يُجمع العلماء أن الإكتئاب الناتج عن الأزمة الاقتصادية وانتشار البطالة، أحد الأسباب المؤدية بالسَّواد الأعتم للمجتمع، إلى فقدان الشعور بالزمن، ولا غرابة إذا علِمْنا أنَّ إدراك الزمن، يُعتبر حقلا في العلوم الفيزيولوجية والأعصاب، ويكمن مركزها من حيث المعالجة في الدماغ لِمنْ بقي في رأسه دماغٌ، ويُقدِّر العلماء أن الإحساس بالوقت، يختلف من شخص إلى آخر، وهذا ما يُفسِّر الفرق بين الإنسان العربي المنشغل بما بقتل الوقت، وبين الإنسان الغربي، فهذا الأخير يسابق الزمن للحصول على ملايين المعلومات في ظرف وجيز، منها ما يُفيد الإنسانية ومنها ما يُخرِّبها، وقد اتَّضحتْ بليغا سيطرتُه على الزمن، وذلك من خلال كشوفاته التكنولوجية وتقنيات المعلوميات، ولا غرابة أن الزمن نفسه كاد يصل بعد الإنسان متأخراً !
تجدُ الغربي في بداية الثلاثين عاش الدُّنيا بتاريخها وجغرافيتها، ونضج ليس فقط في فِكره ولكن حتى في جسده الفارع والمتين، فهناك لا يُمسك زمامها إلا الشباب، ولا حَرَج أن يكون رئيس الدولة في عُمر الزهور، أما نحن فينعدم إحساسنا بالزمن، فتجد الشيخ دائما في عَوْدٍ أبدي لصباه، نُجمِّد طاقاتنا الشابة حتى تشيب بعوامل الإحباط أو تَرُوب كالحليب، رغم كل المواد السياسية الحافِظة، تلك التي يحْقِنون بسُمِّها الأنفس متلاعبين بالعقول، ومثلما يُصارع البعض لوقْفِ زَحْفِ السنين، بعمليات التجميل لتجاعيد الوجه وترهُّل العنق، كذلك الشَّأن بالنسبة للدولة حين تلجأ لتزييف الحقيقة بخيوط ترقيعية واهية، ولكن هيهات أن تغطي بالغربال ما افتُضح من فساد، فمِنْ أين لبلدٍ أن يكبُر وينمو ويتطور في الزمان والمكان أيضاً، بينما شبابه الذي يختزن في جوفه عصارة الحياة، لا يجد سبيلا لتصريفها، يبقى صغيرا في نظر نفسه ونظر الجميع ولو انحنتْ السنون بظهره عِتِيّاً، فما أشبه زمننا الواقف الذي لا يسرُّ عدُوّاً ولا حبيباً بقصيدة "النهر المتجمِّد" لميخائيل نعيمة، مع تغيير طفيف كان سيجعلها تناسبنا أكثر بعنوان "العُمر المتجمِّد"، ورحم الله عبد الهادي بلخياط، كأنه في أغنيته الشهيرة لم يركب فقط قطار الحياة، بل ركب أيضا الخطاب السياسي المروّج منذ قرن وغزالة، ذاك الذي من قبيل أو قبيلة قطار التنمية، فلا غرابة أن يصيح هذا المغني ذاهلا: فين الشباب !
..................................................
افتتاحية ملحق"العلم الثقافي" ليوم 4 يونيو 2026



تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...