د. ابراهيم عروش - أزمور... أقدم عاصمة مغربية سياسية حيث يخجل الحاضر من الماضي

أزمور… المدينة التي قد تكون أقدمَ من كثيرٍ من “العواصم” المغربية، لكنها اليوم تُعامل أحيانًا كأنها مجرد محطةٍ، أو استراحةٍ لنوارس أم الربيع قبل أن تُكمل هجرتها.
فبينما يتجادل الناس: من الأقدم؟ فاس أم مراكش أم الرباط؟
كانت أزمور قد سبقت الجميع إلى شيءٍ آخر:
إلى السياسة، وإلى الاختلاط الحضاري، وإلى لعب دور “العاصمة الهادئة” قبل أن تُخترع الضوضاء السياسية أصلًا.
في زمن برغواطة، حين كانت تامسنا تمتد بين سلا وأزمور، لم تكن أزمور قريةً نائمة على ضفة نهر، بل كانت جزءًا من مجالٍ سياسي قوي سبق الدولة الإدريسية نفسها بحوالي أربعين سنة.
أي قبل أن تُولد فاس السياسية تقريبًا، كانت هذه الأرض تعرف سفاراتٍ وعلاقاتٍ مع قرطبة، وكان منها رجلٌ اسمه أبو صالح زمور البرغواطي، يدخل على خلفاء الأندلس لا ليطلب “مشروع تأهيل حضري”، بل ليتحدث عن قومه وتاريخهم وثقافتهم.
في أزمور لا تبدو المهاراتُ اليدوية مجردَ مهنٍ بسيطة، بل امتدادًا لذاكرةٍ حضاريةٍ قديمة، صاغها ارتباطُ الإنسان بالأرض والنهر والبحر معًا.
فمن الخياطة والنجارة إلى الفن التشكيلي، ظلّ أهلُ المدينة يحملون في أصابعهم حسًّا فنيًا خاصًا، كأن الحرفة عندهم ليست وسيلةَ عيشٍ فقط، بل طريقةٌ لفهم الجمال ومقاومة النسيان.
ولعلّ علاقتهم القديمة بأم الربيع وبالبحر هي التي صنعت هذه الدقة؛ فخياطةُ شباك الصيد، وإتقانُ نسج عقد الحبال الخاصة بالسفن والقوارب، ليست أعمالًا ميكانيكيةً عابرة، بل مدرسةٌ كاملةٌ في الصبر والمهارة والهندسة الشعبية.
إنها تفاصيل صغيرة، لكنها تكشف كيف تحوّلت الحياة اليومية في أزمور إلى فنٍّ متوارث، تُتقنه الأيدي قبل أن تحفظه الكتب.



تخيلوا المفارقة:
أزمور كانت تُرسل السفراء إلى قرطبة…
واليوم قد يُرسل بعض أبنائها شكايةً من حفرةٍ فلا تصل حتى إلى آخر الشارع.
كانت أزمور زمنها مدينةً تُجاور فيها السلطةُ التصوفَ والتجارةَ والنهرَ والبحر.
مدينةً يفهم أهلها أن الحضارة ليست عدد العمارات، بل القدرة على التعايش.
لذلك عاش فيها المسلم واليهودي والمتصوف والصياد والموسيقي، قبل أن يكتشف العالم كلمة “التنوع الثقافي” بقرون.
ثم مرّ البرتغاليون، والمرابطون، والموحدون، والمرينيون، والفرنسيون…
وكلهم رحلوا، بينما بقيت أزمور واقفةً كشيخٍ دكاليٍّ عجوز يقول:
“شفت اللي ما شفتوش نتا.”
لكن سخرية التاريخ قاسية أحيانًا:
فالمدينة التي أنجبت مصطفى الأزموري، أحد أوائل من وصلوا إلى أمريكا الشمالية، لا تزال تُقنع نفسها اليوم بأن إصلاح رصيفٍ أو إنارة زنقةٍ إنجازٌ يدخل كتب التاريخ.
وكأن أزمور انتقلت من تصدير السفراء والرحالة…
إلى تصدير الحنين فقط.
مدينة أزمور ليست فقط مدينة أسوار ونهر أم الربيع، بل أيضًا خزّانٌ بشريّ أنجب شخصيات تركت أثرًا في الفكر والأدب والتصوف والترحال والموسيقى. ومن أبرز الأعلام المرتبطين بها عبد الله العروي، الرجل الذي ظلّ يُقلق الفكر العربي كله بأسئلته الثقيلة حول التاريخ والحداثة والزمن السياسي، وكأن أزمور لم تكتفِ بصناعة التاريخ، بل أرادت أيضًا أن تُنتج من يُعيد مساءلته.
والحنين إلى “الشابل” ليس حنينًا إلى سمكةٍ فقط، بل إلى زمنٍ كاملٍ كانت فيه أزمور والجديدة تعيشان على إيقاع نهر أم الربيع ومواسم الخير. كان الشابل يدخل النهر كضيفٍ موسميٍّ كريم، فتستبشر به الأسر والصيادون وتشتعل مواقد الشواء قرب الوادي، ليصبح أكثر من وجبة: علامةً على حياةٍ بسيطةٍ وصادقةٍ لم تكن قد التهمتها بعدُ رائحة الإسمنت والضجيج. واليوم، كلما ذُكر “الشابل” عاد معه حنينٌ إلى نهرٍ أنقى، ومدينةٍ أهدأ، وناسٍ كانوا يجدون في سمكةٍ عابرة معنى الانتماء والدفء وكرامة العيش.
المعلومات التاريخية من كتاب المسالك والممالك لأبي عبيد البكري الأندلسي

د. ابراهيم عروش

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...