الكتاب يفكك تاريخًا طويلًا من التمثيلات الاستشراقية التي صنعت صورة المرأة الشرقية، ثم أعادت تصديرها إلى الشرق نفسه
تعيد الباحثة شذى يحيي النظر في واحد من أكثر الفنون العربية تعرضًا للتشويه وسوء الفهم؛ في كتابها “الإمبريالية والهشك بشك.. تاريخ الرقص الشرقي” (دار ابن رشد – القاهرة) فهي تنظر إليه باعتباره مساحة يتقاطع فيها الاستعمار بالخيال، والجسد بالسلطة، والصورة النمطية بالتاريخ الاجتماعي.
الكتاب يفكك تاريخًا طويلًا من التمثيلات الاستشراقية التي صنعت صورة المرأة الشرقية، ثم أعادت تصديرها إلى الشرق نفسه، وفي سبيل ذلك ينطلق من السؤال: هل الرقص الشرقي اليوم هو بالفعل الامتداد الطبيعي للرقص المصري والعربي القديم، أم أنه نتاج تهجين استعماري طويل صنعه الخيال الغربي عن الشرق؟
شرق متخيل
من الصفحات الأولى تطرح الكاتبة فكرة خلاصتها أن الغرب لم يكتفِ بتأويل الشرق، بل أعاد اختراعه بصريًا وجماليًا، وكان الرقص الشرقي أحد أهم أدوات هذا الاختراع.
وهنا تستثمر أفكار إدوارد سعيد حول الاستشراق، لفهم كيف تحولت الراقصة الشرقية إلى رمز ثقافي للشرق كله في المخيلة الغربية.
وسعت إلى تتبع المسار التاريخي الذي تشكلت عبره هذه النظرة.
فمنذ الحملة الفرنسية على مصر، بدأت الراقصة تتحول إلى عنصر أساسي في سرديات الرحالة والمستشرقين والرسامين الأوروبيين.
غلاف كتاب الأمبريالية والهشك بشك
كانت المرأة الشرقية، المحجوبة غالبًا عن المجال العام، عصية على الرؤية، ولذلك أصبحت الراقصة هي المرأة الوحيدة المتاحة للنظر، ومن هنا تراكبت حولها الأساطير والتخيلات الإيروتيكية التي غذتها حكايات ألف ليلة وليلة ورسوم الحريم والجواري.
ينجح الكتاب في الكشف تناقض الغرب الذي اعتبر للرقص الشرقي تعبيرًا عن الانحطاط والبدائية، وكان في الوقت نفسه مفتونا به.
هذا التناقض بين الافتتان والإدانة هو ما يمنح الكتاب أحد أهم أبعاده الثقافية؛ فالرقص هنا يظهر كخطاب سلطوي يبرر الهيمنة الاستعمارية.
فحين يصور الشرق باعتباره فضاءً للشهوة والفوضى والكسل، يصبح احتلاله مهمة حضارية في نظر الغرب.
تعتمد شذى يحيى على طيف واسع من المراجع العربية والأجنبية، وتستعين بكتابات الرحالة والمستشرقين، وباللوحات الفنية والصور الفوتوغرافية وأفلام السينما، لتبين كيف جرى تشكيل صورة الراقصة الشرقية بصريًا عبر الزمن.
من أكثر الفصول إثارة ذلك الذي يتناول تطور بدلة الرقص الشرقي، وكيف أن شكلها الحالي نتيجة تدخلات غربية متراكمة، بدءًا من عروض المعارض العالمية، وصولًا إلى تصميمات الفنان الروسي “ليون باكست” لباليه شهرزاد، الذي أسهم في ترسيخ صورة الجسد الشرقي العاري بوصفه أيقونة للغواية.
كذلك اهتم الكتاب برصد الفروق بين “العوالم” و”الغوازي”، وهي فروق مطموسة في الثقافة الشعبية.
فالعالمة، كما يوضح الكتاب، كانت فنانة تتقن الغناء والموسيقى والشعر والرقص، وتؤدي فنها في فضاءات نسائية مغلقة، بينما الغوازي كن أقرب إلى راقصات الموالد.
لكن المستشرقين، الذين لم يروا سوى الغوازي، عمموا صورتهن على المرأة الشرقية كلها، فاختزلوها في جسد راقصة.
ويحسب للباحثة تعاملها مع الرقص الشرقي كظاهرة اجتماعية وثقافية مركبة. فهي تدرك أن النظرة الدونية للراقصة لم تكن حكرًا على الغرب، بل إن الثقافة العربية نفسها شاركت في إنتاجها.
وهنا يبدو عنوان الكتاب “الهشك بشك” شديد الدلالة؛ فهو تعبير شعبي ارتبط بالابتذال والسوقية، بما يكشف كيف تواطأت الثقافة الشعبية مع الخطاب الاستشراقي في وسم الراقصة بالدونية.
فالغرب أنتج صورة الراقصة بوصفها كائنًا شهوانيًا.
والشرق أعاد إنتاج الصورة نفسها بوصفها انحطاطًا أخلاقيًا.
ويتناول الكتاب تحولات الرقص الشرقي في السينما والمسرح، وكيف انتقلت صورته من المقاهي والأفراح الشعبية إلى فضاء الكباريه والعرض المسرحي الحديث.
ففي هذا السياق تظهر شخصيات مثل بديعة مصابني وتحية كاريوكا بوصفهن علامات فارقة في إعادة تشكيل هذا الفن.
وإذا كانت بديعة مصابني قد ساهمت في تحديث الرقص وربطه بالعروض المسرحية الحديثة، فإن تحية كاريوكا مثلت محاولة لتجاوز الصورة النمطية للراقصة بوصفها مجرد موضوع للرغبة الذكورية.
ولذلك لم يكن غريبًا أن يكتب عنها إدوارد سعيد بإعجاب شديد، معتبرًا أنها نقلت الرقص من مستوى الإثارة الرخيصة إلى مستوى الفن المنضبط والواعي.
وقد أفلت الكتاب من فخ التمجيد لهذه التجارب، فأشار إلى أن الغرب ظل متمسكًا بصورته النمطية القديمة عن الراقصة الشرقية مهما تغيرت أشكال الأداء.
حتى حين تحولت الراقصة إلى نجمة سينمائية، بقيت النظرة الاستشراقية ترى فيها رمزًا للتخلف والإباحية.
وهذه الفكرة تمنح الكتاب بعدًا معاصرًا، لأنه يربط بين صور الماضي والصور التي لا تزال وسائل الإعلام العالمية تنتجها عن المرأة العربية حتى اليوم.
وأخيرا فقد امتلكت “شذى يحيي” قدرة لافتة على الانتقال بين التاريخ والنقد الثقافي والحكاية الاجتماعية دون أن تفقد خيطها الفكري الأساسي.
وربما كان هذا ما يجعل الكتاب قريبًا من القارئ العام رغم كثافته المرجعية. غير أن بعض الفصول كانت تحتاج إلى مزيد من التكثيف، خاصة حين تتكرر بعض الأفكار المتعلقة بالاستشراق وصناعة الصورة النمطية، لكن ذلك لا ينتقص من القيمة المعرفية للعمل بقدر ما يعكس رغبة كاتبته في الإحاطة الشاملة بالموضوع.
قد نجحت في ذلك، كما نجحت في توضيح الكيفية التي يمكن أن تتحول بها الفنون إلى أدوات لإنتاج الهيمنة الثقافية.
ومن هنا تتجاوز أهميته حدود موضوعه المباشر، ليصبح مساهمة في نقد المركزية الغربية، ولذلك يمكن النظر إلى “الإمبريالية والهشك بشك” باعتباره واحدًا من الكتب المهمة في قراءة العلاقة الملتبسة بين الفن والاستعمار والجسد والهوية في الثقافة العربية الحديثة.
تعيد الباحثة شذى يحيي النظر في واحد من أكثر الفنون العربية تعرضًا للتشويه وسوء الفهم؛ في كتابها “الإمبريالية والهشك بشك.. تاريخ الرقص الشرقي” (دار ابن رشد – القاهرة) فهي تنظر إليه باعتباره مساحة يتقاطع فيها الاستعمار بالخيال، والجسد بالسلطة، والصورة النمطية بالتاريخ الاجتماعي.
الكتاب يفكك تاريخًا طويلًا من التمثيلات الاستشراقية التي صنعت صورة المرأة الشرقية، ثم أعادت تصديرها إلى الشرق نفسه، وفي سبيل ذلك ينطلق من السؤال: هل الرقص الشرقي اليوم هو بالفعل الامتداد الطبيعي للرقص المصري والعربي القديم، أم أنه نتاج تهجين استعماري طويل صنعه الخيال الغربي عن الشرق؟
شرق متخيل
من الصفحات الأولى تطرح الكاتبة فكرة خلاصتها أن الغرب لم يكتفِ بتأويل الشرق، بل أعاد اختراعه بصريًا وجماليًا، وكان الرقص الشرقي أحد أهم أدوات هذا الاختراع.
وهنا تستثمر أفكار إدوارد سعيد حول الاستشراق، لفهم كيف تحولت الراقصة الشرقية إلى رمز ثقافي للشرق كله في المخيلة الغربية.
وسعت إلى تتبع المسار التاريخي الذي تشكلت عبره هذه النظرة.
فمنذ الحملة الفرنسية على مصر، بدأت الراقصة تتحول إلى عنصر أساسي في سرديات الرحالة والمستشرقين والرسامين الأوروبيين.
كانت المرأة الشرقية، المحجوبة غالبًا عن المجال العام، عصية على الرؤية، ولذلك أصبحت الراقصة هي المرأة الوحيدة المتاحة للنظر، ومن هنا تراكبت حولها الأساطير والتخيلات الإيروتيكية التي غذتها حكايات ألف ليلة وليلة ورسوم الحريم والجواري.
ينجح الكتاب في الكشف تناقض الغرب الذي اعتبر للرقص الشرقي تعبيرًا عن الانحطاط والبدائية، وكان في الوقت نفسه مفتونا به.
هذا التناقض بين الافتتان والإدانة هو ما يمنح الكتاب أحد أهم أبعاده الثقافية؛ فالرقص هنا يظهر كخطاب سلطوي يبرر الهيمنة الاستعمارية.
فحين يصور الشرق باعتباره فضاءً للشهوة والفوضى والكسل، يصبح احتلاله مهمة حضارية في نظر الغرب.
تعتمد شذى يحيى على طيف واسع من المراجع العربية والأجنبية، وتستعين بكتابات الرحالة والمستشرقين، وباللوحات الفنية والصور الفوتوغرافية وأفلام السينما، لتبين كيف جرى تشكيل صورة الراقصة الشرقية بصريًا عبر الزمن.
من أكثر الفصول إثارة ذلك الذي يتناول تطور بدلة الرقص الشرقي، وكيف أن شكلها الحالي نتيجة تدخلات غربية متراكمة، بدءًا من عروض المعارض العالمية، وصولًا إلى تصميمات الفنان الروسي “ليون باكست” لباليه شهرزاد، الذي أسهم في ترسيخ صورة الجسد الشرقي العاري بوصفه أيقونة للغواية.
كذلك اهتم الكتاب برصد الفروق بين “العوالم” و”الغوازي”، وهي فروق مطموسة في الثقافة الشعبية.
فالعالمة، كما يوضح الكتاب، كانت فنانة تتقن الغناء والموسيقى والشعر والرقص، وتؤدي فنها في فضاءات نسائية مغلقة، بينما الغوازي كن أقرب إلى راقصات الموالد.
لكن المستشرقين، الذين لم يروا سوى الغوازي، عمموا صورتهن على المرأة الشرقية كلها، فاختزلوها في جسد راقصة.
ويحسب للباحثة تعاملها مع الرقص الشرقي كظاهرة اجتماعية وثقافية مركبة. فهي تدرك أن النظرة الدونية للراقصة لم تكن حكرًا على الغرب، بل إن الثقافة العربية نفسها شاركت في إنتاجها.
وهنا يبدو عنوان الكتاب “الهشك بشك” شديد الدلالة؛ فهو تعبير شعبي ارتبط بالابتذال والسوقية، بما يكشف كيف تواطأت الثقافة الشعبية مع الخطاب الاستشراقي في وسم الراقصة بالدونية.
فالغرب أنتج صورة الراقصة بوصفها كائنًا شهوانيًا.
والشرق أعاد إنتاج الصورة نفسها بوصفها انحطاطًا أخلاقيًا.
ويتناول الكتاب تحولات الرقص الشرقي في السينما والمسرح، وكيف انتقلت صورته من المقاهي والأفراح الشعبية إلى فضاء الكباريه والعرض المسرحي الحديث.
ففي هذا السياق تظهر شخصيات مثل بديعة مصابني وتحية كاريوكا بوصفهن علامات فارقة في إعادة تشكيل هذا الفن.
وإذا كانت بديعة مصابني قد ساهمت في تحديث الرقص وربطه بالعروض المسرحية الحديثة، فإن تحية كاريوكا مثلت محاولة لتجاوز الصورة النمطية للراقصة بوصفها مجرد موضوع للرغبة الذكورية.
ولذلك لم يكن غريبًا أن يكتب عنها إدوارد سعيد بإعجاب شديد، معتبرًا أنها نقلت الرقص من مستوى الإثارة الرخيصة إلى مستوى الفن المنضبط والواعي.
وقد أفلت الكتاب من فخ التمجيد لهذه التجارب، فأشار إلى أن الغرب ظل متمسكًا بصورته النمطية القديمة عن الراقصة الشرقية مهما تغيرت أشكال الأداء.
حتى حين تحولت الراقصة إلى نجمة سينمائية، بقيت النظرة الاستشراقية ترى فيها رمزًا للتخلف والإباحية.
وهذه الفكرة تمنح الكتاب بعدًا معاصرًا، لأنه يربط بين صور الماضي والصور التي لا تزال وسائل الإعلام العالمية تنتجها عن المرأة العربية حتى اليوم.
وأخيرا فقد امتلكت “شذى يحيي” قدرة لافتة على الانتقال بين التاريخ والنقد الثقافي والحكاية الاجتماعية دون أن تفقد خيطها الفكري الأساسي.
وربما كان هذا ما يجعل الكتاب قريبًا من القارئ العام رغم كثافته المرجعية. غير أن بعض الفصول كانت تحتاج إلى مزيد من التكثيف، خاصة حين تتكرر بعض الأفكار المتعلقة بالاستشراق وصناعة الصورة النمطية، لكن ذلك لا ينتقص من القيمة المعرفية للعمل بقدر ما يعكس رغبة كاتبته في الإحاطة الشاملة بالموضوع.
قد نجحت في ذلك، كما نجحت في توضيح الكيفية التي يمكن أن تتحول بها الفنون إلى أدوات لإنتاج الهيمنة الثقافية.
ومن هنا تتجاوز أهميته حدود موضوعه المباشر، ليصبح مساهمة في نقد المركزية الغربية، ولذلك يمكن النظر إلى “الإمبريالية والهشك بشك” باعتباره واحدًا من الكتب المهمة في قراءة العلاقة الملتبسة بين الفن والاستعمار والجسد والهوية في الثقافة العربية الحديثة.