عبدالمنعم الهراق - يوميات بائع كتب... شبيهة رضوى عاشور

أول مرة دخلت فيها إلى المكتبة، بدت كأنها تبحث عن شيء أعمق من الكتب نفسها.
كانت تسأل مرة عن الشعر، ومرة عن الرواية، وعن التصوف أيضا ، ثم تمضي بين الرفوف ببطء يشبه التأمل، كأنها تُصغي إلى الهمس الخافت المنبعث من الورق.
لا أدري لماذا خطر لي منذ اللحظة الأولى أنها تُشبه إلى حد كبير الأديبة والروائية رضوى عاشور ، ليس الشبه في الملامح وحدها، لكن في تلك الهيبة الهادئة التي لا تُكتسب إلا من معاشرة الكتب طويلا، وفي ذلك الحزن النبيل الذي يسكن وجوه الذين قرأوا العالم أكثر مما ينبغي.
كانت تدخل المكتبة كما يدلف المتعبد إلى محرابه؛ بخفة لا تُحدث ضجيجا، وبعينين تعرفان جيدا ما الذي يستحق أن يُقرأ وما الذي يُترك للنسيان.
وفي إحدى المرات ، عندما تحدثنا عن بعض اعمال الروائي عبد القادر الشاوي ، كتبت لي عبارات ، بدا وكأنها خرجت من هامش رواية طويلة ذات حمولة أدبية عميقة : "ألجأ إلى الرواية والشعر كاستراحة ذهنية من قسوة البحث في العلوم السياسية وعلم النفس الاجتماعي. لكنني انتقائية جدا ؛ لا تستوقفني إلا الروايات التي تحمل عمقا تاريخيا أو سياسيا أو صوفيا… أما الروايات العابرة، فقد صارت كثيرة إلى حدّ أن الضجيج غلب الأدب."
بقي كلامها معلقا في أرجاء المكتبة، كعطر خفيف لا يغادر المكان بسهولة.
بعض القرّاء يتركون وراءهم حياة كاملة بين الرفوف كأثر خفي يجعل بائع الكتب يشعر لوهلة قصيرة، أن المكتبة ليست محلا للبيع فحسب ، لكنها تتحول إلى مأوى للأرواح الطيبة.

#كُتَّابٌ_عَرَفتٌهُمْ #حديث_الكُتَّاب #حديث_الكتب #للجميع #كتب #الكتاب #القراءة #tous

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...