د. إبراهيم عروش - أوساخ الجسد وأوساخ الروح

عندما كنتُ صغيرًا في القرية المنجمية “المزيندة”، كان الفوسفاط أكثرَ من مجرد ثراب يُستخرج من باطن الأرض…
كان دينًا اجتماعيًا كاملًا، تُبنى حوله البيوت، وتُفتح به المدارس، وتشتغل بسببه الحمّامات التي تغسل تعب الرجال قبل أن تغسل أجسادهم.

هناك، حيث كان عرقُ الفوسفاطيين يختلط بغبار المناجم، وحيث كان المكتب الشريف للفوسفاط يُدرك ولو جزئيًا أن العامل ليس آلة حفرٍ تمشي على قدمين، وفّر حمّامًا نموذجيًا للعمال وعائلاتهم.
حمّامًا حقيقيًا، لا يحتاج العامل فيه إلى “موعد إلكتروني” ولا إلى توصية حزبية كي يحصل على قليلٍ من الماء الساخن وشيءٍ من الكرامة.

كنتُ أرافق أمي إلى الحمّام، تتشبث بيدي كأنها تُدخلني طقسًا مقدسًا من طقوس الطبقة العاملة.
ثم كبرتُ قليلًا، وأخذ أبي رحمه الله بيدي.
تلك اليد الخشنة التي حفرت الفوسفاط أكثر مما صافحت المسؤولين.

كان أبي يدخل ببدلته الرمادية التي تتوسطها حروف “م.ش.ف”، كأنها وسامُ تعبٍ لا تمنحه الدولة في الأعياد الرسمية.
وكان بالنسبة إليّ أعظم من كل أبطال التاريخ الذين حفظنا أسماءهم في المدرسة.

وحين درستُ التاريخ والجغرافيا، تعرّفتُ على “أليكسي ستخانوف” السوفياتي، العامل الأسطوري الذي حطم أرقام استخراج المعادن، فحوّلته الدعاية الشيوعية إلى نصف إلهٍ يحمل المعول بيدٍ ويقود الثورة بالأخرى.فبات الأكرانيون والروس يتجادلون الآن في انتمائه وهم الآن في حالة حرب إنها سخرية التاريخ

لكنني كنتُ أضحك في سرّي.

لأن أبي، في نظري، كان أقوى من ستاخانوف، وأكثر أناقةً في بذلته الفوسفاطية، وأكثر إنسانيةً أيضًا.
ستاخانوف كان صورةً معلقة على جدار أيديولوجي،
أما أبي فكان يعود آخر النهار بظهرٍ متعب، وقلبٍ مليءٍ بالعائلة، ويبشّرنا كأنه وزير اقتصاد منزلي:
“شريت ليكم ماكينة ديال الخياطة…”
“جبت ليكم راديو…”
وراه جاي المانيتوفون
“غادي نجيب التلفزة…”

لم يكن يوزع شعارات الثورة على البروليتاريا…
بل كان يوزع الفرح على بيتٍ بسيط.

ثم مات الاتحاد السوفياتي، واختفى ستاخانوف كما تختفي صور القادة بعد تغيير النظام.
وبقيت المناجم.
وبقي العمال.
وبقيت الأرامل.
وبقيت الأطراف المبتورة التي تتحرك بصعوبةٍ داخل ذاكرة الوطن.

بعض العائلات ما زالت تعيش على تعويضٍ شهري، بالكاد يكفي لشراء الخبز والدواء، كأن الوطن يقول لهم بأدبٍ إداري:
“شكرًا لأن آباءكم خاطروا بحياتهم كي يبقى اقتصاد البلاد واقفًا… تفضلوا هذا الفتات، وادعوا لنا بطول العمر.”

لقد ورثنا عن الاستعمار أشياء كثيرة ولو بسوء نية:
السكة الحديدية، والإدارة، والمناجم… وحتى الحمّامات التي كانت تغسل أوساخ الجسد.

لكننا، بعد عقودٍ من الاستقلال، ما زلنا عاجزين عن بناء حمّامٍ كبير يغسل أوساخ الروح.

فأوساخ الجسد بسيطة:
صابون، ماء ساخن، حجر “الكيس”، وينتهي الأمر.

أما أوساخ الروح…
فتحتاج شعبًا كاملًا أن يستحم من الحقد الطبقي، ومن احتقار العامل، ومن تحويل الفقير إلى مجرد رقمٍ انتخابي يظهر كل خمس سنوات ثم يختفي كالماء في حنفيات الأحياء الهامشية.

لقد أصبح عندنا مناضلون لا يعرفون رائحة العرق، لكنهم يتحدثون باسم العمال أكثر من العمال أنفسهم.
ونقابيون يرتدون بدلاتٍ أفخم من بدلات المدراء، ثم يبكون أمام الكاميرات على “معاناة الكادحين” قبل أن يركبوا سياراتهم المكيفة.

أما الأحزاب التقدمية، فقد تطورت كثيرًا…
حتى أصبحت تُدافع عن كل شيء، إلا الإنسان البسيط الذي كان أصل الحكاية.

صاروا يناقشون “الهوية الكونية لما بعد الحداثة”، بينما عاملٌ قديم يبحث فقط عن دواء للربو الذي تركه الفوسفاط في رئتيه.

والمفارقة الساخرة أن الجسد المغربي أصبح أنظف من أي وقت مضى:
شامبوهات فرنسية، إيطالية ،وعطور خليجية، وصور “سيلفي” داخل قاعات الرياضة…

لكن الروح؟
الروح ما زالت مليئةً بالدخان، والأنانية، والاحتقار، والاصطفاف، والضجيج الفارغ.

لقد كنا، ونحن صغار، نخرج من الحمّام الشعبي خفيفين كأننا وُلدنا من جديد.
أما اليوم، فنخرج من شبكات التواصل والسياسة والإعلام أكثر اتساخًا من قبل.

رحم الله آباءَنا العمال…
كانوا يغسلون أجسادهم بالماء،
ويغسلون أرواحهم بالتعب الحلال
إهداء إلى والدي اعلي عروش رحمه الله
#وابغيتبلادي د إبراهيم عروش الدريسي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...