جاك دريدا " 1983 "
هوذا الجواب/ الإقرار، السؤال / القرار! أعرفه، بصفته متعدّياً شخصية الفيلسوف، لأنه أراد منذ بداياه الأولى، وهو على مقاعد الدراسة، ربما ما قبل الجامعية، أن يكون باني ذاكرة تعزله وتميّزه عما هو قطيعي ضاغط في الذاكرة الجماعية، أن يكون المفكّر دون أن يُسمّيه، لأن ذلك صنيع قارئه، كاتبه، ناقده، من يجعله مادة بحثية ما له، وأن هناك آثاراً متنوعة إلى درجة الاستحالة، بالمفهوم الزمني المعلوم، والقدرات الذاتية المتاحة، الإحاطة بها في أسمائها، ومسمياتها، في منابتها ومآلاتها، في مصادرها ومراجعها، ولغاتها، يسهل، أن تشكل مكتبة كاملة" مكتبة دريدا " أو " المكتبة الدريدية " أي ما يخصه كتابة. أي من " صْلب عمل يديه حيث كان يكتب بهما، في الفرنسية وخارجها، ليكون مواطن أدب وفكر وسواهما عالمياً، عن طريق الترجمات التي تنوعت في مؤلفات ومحاور وندوات ومؤتمرات وحلقات بحثية وورشل عمل جامعية، محلية وقارية ودولية كذلك.
ما أعرفه، هو كما أشرت، جهة التنوع، اللغات الكامنة بمنابعها الاجتماعية، الفكرية، النقدية، وخلفياتها بأزمنتها وأمكنتها، وما في ذلك من استحالة وأكثر من كون أي ادعاء ولو بتمثيل نسبي، خارجاً عن جادة العقل المحتمل، والتفكير المفترض، والكتابة الممكنة والجادة طبعاً.
بين الحالتين يرتسم مسار التفكير، يقف جاك دريدا في التصور، التخيل، الإدراك،والذاكرة هناك دائماً، لتسهيل عملية النظر، الرؤية، التحرّي، والمشاهدة ثم الكشف والتكلم، وانطلاقاً مما هو مراهَن عليه ضمناً، أن تكون في المستوى أو القريب من المستوى الفكري، التفكيري، التخيلي، والنقدي لما يخصه في مختلف أعماله، ويكون داخله المتنفس الحيوي والمجتمعي الذي يفصح عن حقيقته فردانياً. ذلك هو المدخل الصائب، وما يشبه شعار أكاديمية أفلاطون: لا يدخل علينا من ليس رياضياً. كيفية التخلص من المحسوس ومستجراته القاعية والثقيلة بأوزارها ودوارها بالمقابل، في مجتمع لا يستحي من كشف عورته في الهواء الطلق، ليس بمفهوم " التعري: البورنو " إنما التعري لرؤية ما هو عليه، وهو في تنوع، غير خائف مما يمكن أن يقال أو يجري وصفه. لهذا يكون الجسد المحرر من التحميل الماورائي، أو القطيعي المحروس، الجسد في ألف من مختلفاته اللاحدودية المفصل الحركي، لكل قراءة وكتابة.
لهذا تكون الفلسفة، عندما يكون السؤال في المقدمة، يكون الفكر، عندما يجري حبْك السؤال في الذي لم يُنظَر فيه مسبقاً، كما هي الخطط التي تضعها الدولة لمجتمعها: خمسية، عشرية، خمسينية..إلخ، وفلسفياً وفكرياً أكثر، الخطط تسمّي الفرد، ومدى استواء فردانيته .
وما كان لي أن أتعرض لدريدا هنا، بالطريقة هذه، لأنه، مهما اُختلِف في أمره، يكون له أمر فلسفي لا يُسمّي أتباعاً، ولا يرعي حرمات جهة المحسوس أو النابض بالحياة أو الجامد الموصول به كذلك، وما يفيدنا في مدى قابليتنا على أن نظهِر الجسد الخاص بنا، الداخلي منه، للشمس، للهواء الطلق، للنظر العام كوكبياً، دون خشية، ومعرفة الفارق والخلاف، وما ينغي علينا فعله، أو كيفية التمايز معرفياً.
مؤكد أن هناك آخرين وغيرهم مثل حالة دريدا تفكيراً وانشغالاً بأسئلة الفلسفة ويعيشون حمّى الفكر كذلك، والحديث عن دريدا لا يعني تفضيلاً، أو إعلان تبعية ما، إطلاقاً، إنما هي حالة درس في كيفية بناء الذات، نشدان الاسم المغاير ضمناً، بناء الحياة في الحياة، والنظر إلى الموت كموضوع قابل للقراءة، وحتى المعايشة دون فقدان أي صلة بالحياة، وبقدْر ما يتم تناوله فيه، هذا الذي أفصح عمّن يكون على صعيد الذات وإنكارها، ليكون أوسع مما هو فيه جسدياً، كما في قوله: أنا حرب مع نفسي Je suis en guerre contre moimême. وهي واقعاً إحياء حياء، التفاعل معها، من نوع آخر، وكما هي كتاباته الكثيرة عن الموت. أكثر من ذلك، لمن تابع محتويات كتب مختلفة له. يصعب العثور على أثر دون وجود صدى ما للموت. إنما ما يعطي الحياة دفعات أخرى، كما في هبةَ الموت " وكما تعلِمنا بذلك الطريقة التي يفكر بها، ويكتب كذلك.حالة أورفيوس الأسطوري الذي أصر على الذهاب إلى العالم السفي" هاديس " لملاقاة حبيبته يوريديس، فكان الاشتراط هو أنه سيفلح، كما هو معلوم، في إرجاعها إلى عالم الحياة، إذا لم يكتفت إليه. ويقع المحظور، فيندب حظه. وفي هذا الإجراء، تكون روعة المشهد رغم وقعه الأليم، وهو أن الذي جرى يعلّم كيفية فلسفة الآخر موتاَ، فهم الموت، والتمسك بالحياة، وليس لأن خسر من يحب، إنما كسب نفسه، وأكسبها قابلية التعلم، كما هي خطوته الرئيسة في قراءة الآخر، ومحاولة تفهمه أكثر، بالنسبة لهوسرل تحديداً، وفي " أصل الهندسة " ترجمة وتقديماً، وقد تعرَّض له كتابة قبل بلوغه العشرين من عمه، وكان هوسرل هذا، يمثّل من وجهة نظري الحد الفاصل بين عصر خانق بمشاكله، وطرق النظر إلى الأمور علماً ودراية فلسفة، كما هي الظواهرية، وعصر يتعلم من سابقه، بالعلم نفسه، إنما يأسلوب أخرى، علم العلم، علم الحياة، كما هو تفكير هوسرل في كتبه ذات الصبغة الفلسفية- العلمية.
وما هذا الكم المتنوع ممن تأثروا به في مجالات مختلفة، إلا التعبير المستدام عن حضوره المستدام، أي حين جعل من هوسرل موضوعاً رئيساً ليكون هكذا مع آخرين، وما أكثر وأقواهم في حضورهم الفكري والنقدي وحتى الأدبي" من هيغل حتى لفيناس"، حيث تتنوع قراءاته، ليكون أكثر مما هو عليه باسمه، وهو يسعى لأن يكون في كل عملية قراءة وكتابة ما لم يكنه من قبل، ولا بد أن مظلة مجتمعية، وهي بما تحتفظ وتتميز به من حضور ثقافي، ومن وفرة مساحة حرية النظر في الآخر، وقراءته دون تخوف، تجاوباً مع طرب الفردانية الخاص.
وأستطيع القول في ضوء متابعتي المتواضعة لما تقدَّم، أن جملة ما اخترته من مقالات أو دراسات، كتعبير عن هذا الثراء الملهم معرفياً، وما تمكنت من نقله شهادات عيان لافتة بمرجعياتها الفكرية والبحثية ونوعية الحوار العائد إليها، إشهار بحقيقة الفكر الجاد بجلاء.
وهذه النماذج القرائية
لأدع طائفة المختارات الدالة على حضور المتنوع في شخصية دريدا المعرفية، تقرّ بمضمونها، وتُري قارئها ما يجعله" كما أرى " أكثر من كونه ذائقة مقروء، إنما ذائقة ما يجعل المتذوق في عملية تحول من الداخل ليرى الخارج أكثر ظهوراً بمكوناته، وتالياً، ليكون في خاصية ما اخترته مخن مقالات وأبحاث مترجمة عن الفرنسية ونشرها هنا، سياحة إلى أعماق تسهم في رؤية نجوم السماء ظهراً، إن جاز التعبير، كما هي النفس، وأهليتها للتوسع، أو التفتح أو أن يكون حاملها هبَتها هنا، ودون ذلك يستحيل الآخر الذي يصبو إليه.
وأنا أحاول هنا التسلسل في أفكار الموضوع، إشعاراً بجانب من منطقية الفعل زماناً ومكاناً، عمراً عقلياً، وعمراً زمانياً:
مشكلة التكوين في فلسفة هوسرل
" نشَر الكتاب سنة 1990 في " 304 ص "
Le problème de la genèse dans la philosophie de Husserl
هذا هو العمل الأول لجاك دريدا. خلال دراسته للفلسفة في مدرسة المعلمين العليا في الفترة 1953-1954، قدّم قراءةً لأعمال هوسرل، متخذًا من التكوين موضوعًا محوريًا. كان هدفه تحليل الصعوبات والتعديلات التي طرأت على فكر مؤسس الفينومينولوجيا من خلال دراسة الزمن والصيرورة والتاريخ، سواءً في تكوين الذات المتعالية أو في الإنتاج المقصود للمعنى في موضوعاتها، ولا سيما الموضوعات العلمية. لا شك أن هوسرل قد برمج واحتضن التحول من التكوين الساكن للأنا إلى التكوين التكويني لها؛ ومع ذلك، فقد كان ضرورةً محفوفة بالمخاطر للمشروع الفينومينولوجي نفسه.
لا يسعى هذا التفسير المنهجي أبدًا إلى التقليل من حدة التوتر، أو حتى من التباين المؤكد، داخل الخطاب الفينومينولوجي. كما يتيح لنا هذا العمل إعادة بناء بعض سمات الحقل الفلسفي الفرنسي، بل وحتى الفلسفي السياسي، الذي طور فيه جاك دريدا أعماله المبكرة. فبينما يقدم لمحة عامة عن حالة الفكر الظاهراتي في ذلك الوقت (ليفيناس، سارتر، ميرلو-بونتي، ريكور، تران-دوك-ثاو) والتأثيرات التي مارسها أو تأثر بها، فإن هذا العمل ينبئ أيضًا بإشكاليات وأسلوب الأسئلة "التفكيكية" التي سيطورها دريدا في العديد من الأعمال بين عامي 1962 و1990.
وقد خُصص اثنان من هذه الأعمال لهوسرل ونُشرا في السلسلة نفسها: مقدمة لكتاب "أصل الهندسة"، 1962 (الطبعة الثالثة، 1990)، وكتاب "الصوت والظاهرة"، 1967 (الطبعة الخامسة، 1989). وتشكل هذه الأعمال، مع هذا المجلد، وحدة متكاملة لا تنفصل.
وبعضٌ من شروحات
في النص، يتحدث صوت ويعبّر عن رغبة: ويتردد معه نبرة، وموقف لا يمكن السيطرة عليه.
بعد مرور ما يقارب أربعين عامًا، يعود جاك دريدا إلى نصٍّ كتبه في إحدى فصول دراسته. ما الذي يلفت انتباهه أكثر من غيره عند قراءته؟ ما الذي يلاحظه؟ صوته هو. يُشعره هذا الصوت بعدم الارتياح، ويُقلقه، وربما يُخيفه، أو حتى يُرعبه، ومع ذلك يجده كما هو، صوته هو. حتى وإن لم يتقبّله، فإنه يتعرّف عليه. يسمعه يُكرّر نفسه، كما لو كان على شريط مغناطيسي أو على شاشة سينمائية، وحركته هي حركته، وإيماءته مألوفة. هذا الحضور الذي يفرض نفسه عليه يُسبّب له معاناة، ولكن ما عساه أن يفعل حيال ذلك؟ هل يُعيد اكتشاف ما لم يتوقف هذا الصوت عن التجلّي فيه [هذه الفجوة التأسيسية التي بُني عليها الخطاب الظاهراتي، وأيضًا خطابه هو، هذا الارتعاش من التناقضات الذي يُلوّث جميع نصوصه]، أم ينتقد ما نبذه [الجدل].
في هذا العام المحوري cette année charnière (1990)، يؤكد جاك دريدا على وحدة فكره، ولكنه في الوقت نفسه يؤكد (أو يضع إصبعه على) المكان الذي يؤلمه، ما بدأ به (في الصوت والظاهرة) والذي لا يزال يطارده.
وكما يمكن متابعة ذلك في مقال : خافييه باساس فيلا: دريدا قبل دريدا: ثلاث كتابات في مشكلة التكوين في فلسفة هوسرل
Javier Bassas Vila: Derrida avant Derrida Trois écritures dans Le Problème de la genèse dans la philosophie de Husserl
لا يمكن للفلسفة أن تتجاهل ممارستها اللغوية، أي الطريقة التي كُتبت بها النصوص. ومع ذلك، لا شيء أكثر شيوعًا من ذلك. على الرغم من الوعي اللغوي الذي اكتسبه الفلاسفة بشأن غموض اللغة واستحالة (أو عدم استحالة) تدوين أفكارهم كتابةً - وهو وعيٌ ازداد حدةً منذ عشرينيات القرن الماضي مع هيدغر، وفتغنشتاين، وأدورنو، وغيرهم - فإن دراسة ممارسات الكتابة لدى الفلاسفة لا تزال مجالًا بحثيًا غير مستكشف إلى حد كبير.
وبهذا المعنى، تكمن أهمية فكر دريدا في الفلسفة ليس فقط في مضمون النظريات والمفاهيم والحجج والأوصاف والتعليقات التي طرحها، بل أيضًا، وقبل كل شيء، في الطريقة التي يُعرض بها هذا المضمون ويُصاغ ويُكتب بها بشكل متسق.
أبدى دريدا اهتمامًا بالغًا، بل ومهووسًا، بكتابة نصوصه وبأساليب الفلاسفة الذين قرأ لهم وعلق عليهم وفككها. وينطبق هذا على كتابات هوسرل، على سبيل المثال، التي كانت موضوعًا لبعض التأملات - وإن لم تكن كثيرة، إلا أنها كانت مثمرة للغاية - من جانب دريدا. وفي سياق هذه التأملات حول ممارسة اللغة عند هوسرل..
تستند قراءة دريدا لهوسرل في هذا النص الصادر عام ١٩٥٤ إلى مفهوم الجدلية، وهو "تصعيد جدلي" - كما يصفه - يتطور ضمن الظاهراتية، في الفكر الهوسرلي ومن خلاله، حتى قبل ظهور مفهوم الاختلاف. لقد أتاحت له الجدلية، كما فهمها دريدا عام ١٩٥٤، إمكانية تسليط الضوء على الثنائيات الكامنة في أسس الفينومينولوجيا: الابتكار والتقليد، والنفسية والمنطقية، والزمن النفسي والزمن الظاهراتي، والهوية والشكل، والحقيقة والوهم، والفعل القصدي والسلبية، والمكون والمُكوَّن، والتجربة والمعرفة، والوجود والزمان، إلخ، وأخيرًا الفينومينولوجيا والأنطولوجيا.
تفتح هذه القراءة الجدلية للفكر الهوسرلي آفاقًا واسعة من التساؤلات حول العلاقة بين الجدلية والتفكيكية والميتافيزيقا وكتاباتها.
ومقال ماسومي ناغاساكا: تجربة الموت - مسألة نشأة المثالية عند دريدا
بناءً على تأملاته في مفهوم هوسرل عن "عالم الحياة"
مقدمة
تهدف هذه المقالة إلى توضيح نقطة انطلاق فلسفة دريدا، متخذةً قراءته لمفهوم هوسرل عن "عالم الحياة" مرجعًا لها. تُظهر أطروحته عن فلسفة هوسرل، التي كُتبت بين عامي ١٩٥٣ و١٩٥٤، بوضوح أن هذا الطالب الشاب في مدرسة المعلمين العليا قد قرأ جميع أعمال هوسرل، بما في ذلك المخطوطات المتاحة آنذاك، بل إنه تابع بعض الأعمال حرفيًا، ولكن بطريقة فريدة تمامًا. لذا، لا يقتصر اهتمامنا على مسألة مشروعية هذه القراءة المبكرة، بل يتعداها إلى معرفة مدى تأثير قراءته لهوسرل بشكل حاسم على نقطة انطلاق فلسفته، والتي تتجلى بشكل خاص في كتابه "الصوت والظاهرة".
تنبع هذه السمة المميزة لقراءة دريدا من مشاركته مع هوسرل في القوة الدافعة للفكر، ألا وهي مسألة نشأة المثالية الخالدة ضمن الواقع الزمني. ولا تعني الخلود هنا نفي الزمنية، بل تتوافق مع ما يسميه هوسرل "الشمولية الزمنية" أو "التجاوز الزمني"،¹ والذي يتعلق بطبيعة المثالية أو الجوهر بمعزل عن مرور الزمن. فبينما تكمن الزمنية في "نشأة المعنى"، يكمن الخلود في "معنى النشأة". ويتداخل هذا التناقض مع التناقض بين الواقع والحق، بين الحقيقة والجوهر. ويرى دريدا أن فلسفة هوسرل برمتها، مدفوعةً بمشكلة النشأة، تسعى دائمًا إلى إثبات الانتقال الذي يربط الواقع بالمثالية، مما يميزها جوهريًا عن فلسفة كانط.
عالم الحياة
بعد دراسة هذه الخلفية، يمكننا الآن تحليل قراءة دريدا لمفهوم هوسرل عن "عالم الحياة". يقدم دريدا، مرددًا صدى لاندغريب، هذا المفهوم على أنه ينطوي على "غموض كبير". يكتب لاندغريب في رسالته المنشورة في فرنسا: "من جهة، يُفهم [عالم الحياة] بطريقة كانطية على أنه مجمل الظواهر، [...] فكرة التجربة وما إلى ذلك [...]. ومن جهة أخرى، [...] يُنظر إلى [عالم الحياة] على أنه الأفق الذي ينتمي إلى كل ما يُختبر
في كل تجربة للكائنات الفردية قبل أي فكر إسنادي [...]". يوضح تفسير دريدا، القريب من هذا الموقف، أنه من جهة، يُوصف عالم الحياة بأنه "ما قبل الإسناد في واقعه الفعلي"، ومن جهة أخرى، بأنه "فكرة المجمل اللانهائي للأسس الممكنة لكل حكم".
خلاصة
بالتركيز على تأملات دريدا حول مفهوم هوسرل عن "عالم الحياة"، توصلنا إلى معضلة بلوغ الفكرة بالمعنى الكانطي. تكمن مشكلة النشأة في أنها، في سعيها نحو الأصالة، تتعارض حتمًا مع ثنائية الواقع والجوهر. ولذا، يحتاج هوسرل إلى وسيط بين هذين القطبين، حركة ديناميكية تربط بين الواقع والجوهر، كما هو الحال مع مفهوم "الشيء" الذي تقوم عليه القصدية، أو مفهوم "عالم الحياة"، أو الفكرة النهائية الغائية بوصفها فكرة بالمعنى الكانطي. وبالتالي، فإن هذه سلسلة من المفاهيم التي تحمل، بحكم دورها، غموضًا وإبهامًا كبيرين، ولكنها في الوقت نفسه تتيح إمكانية تأويلية ثرية.
Masumi Nagasaka: Vivre une mort – La question de la genèse de l’idéalité chez Derrida
à partir de sa réflexion sur la notion husserlienne de « monde de la vie »
في المقدَّم، كما أرى، الكثير مما يستحق الخروج إلى السطح والنظر في البعيد، ومساءلة ما يجري وكيف يجري، من خلال هذا التواشج الفكري، ومعه : الفلسفي بين المؤتى به فكرياً، والجاري التعرض له بحثياً.
وما يتعلق بـ" أصل الهندسة "، والكامن حيويةً وإطلاق قوى التفكير الفعلية تجاوباً مع إرادة سعي إلى معرفة الآخر ومحاورته:
قراءات معاصرة لكتاب هوسرل "أصل الهندسة"
وقائع المؤتمر (باريس، ١٩-٢٠ حزيران ٢٠٢٣)
كما هو الممكن التفكير فيه في الآتي: يُخصَّص هذا العدد من المجلة الألمانية الدولية لوقائع مؤتمر "قراءات معاصرة لكتاب هوسرل "أصل الهندسة"، الذي عُقد في جامعة السوربون يومي ١٩ و٢٠ يونيو ٢٠٢٣. وقد دعا هذا المؤتمر كل مشارك إلى اعتبار نص هوسرل الموجز بمثابة منشور لتحليل المشكلات التي تتخلل الفينومينولوجيا المعاصرة وإرثها المتعدد.
يُعدّ كتاب "أصل الهندسة" نصًا محوريًا في فكر هوسرل وفي استقباله في الفلسفة الفرنسية - كما يتضح من التعليقات الشهيرة لجاك دريدا وموريس ميرلو بونتي - ولا يزال يُمثّل مدخلًا مميزًا لتناول العديد من القضايا الأساسية في فكر هوسرل المتأخر. من خلال المقالات التسعة التي تشكل هذا العدد، يجمع هذا العدد وجهات نظر متنوعة - من فلسفة الرياضيات إلى فلسفة التكنولوجيا، بما في ذلك مسائل الكتابة والأفلاطونية - مما يسلط الضوء على الأهمية المستمرة لهذا العمل للظواهرية المعاصرة.
وفي مقال روبرتو تيرزي: الكتابة والتاريخ: دريدا قارئًا لكتاب أصل الهندسة
Roberto Terzi: Écriture et histoire : Derrida lecteur de L’origine de la géométrie
ولو انطلاقاً من هذه الفقرة:
إن المقدمة التي كتبها دريدا لترجمته الفرنسية لكتاب هوسرل "أصل الهندسة"، والتي أُنجزت في تموز 1961 ونُشرت عام 1962، تتجاوز في الواقع كونها مجرد "مقدمة" لمخطوطة هوسرل. فنص دريدا ليس مجرد تعليق دقيق على "أصل الهندسة"، بل هو أيضًا مقال طموح حول معنى وإمكانية وتداعيات فينومينولوجيا متعالية للتاريخية، مرددًا صدى نص هوسرل نفسه، الذي ينطلق من حالة الهندسة المحددة، ليحدد الإشكالية الأوسع لفينومينولوجيا تكوينية للتاريخ. ولكن إن لم تكن هذه مجرد مقدمة لنص هوسرل، فلسبب آخر واضح: فهذه المقدمة هي أول منشور رئيس لدريدا. مع أن قراءةً استرجاعيةً ما قد تكون حتمية، إلا أنها تتلازم مع هدف رؤية نشأة وتشكّل العديد من المواضيع والمفاهيم والحجج التي ستشغل دريدا طوال مسيرته، وذلك في هذا النص المبكر، وبالتالي في مواجهةٍ ما مع الفينومينولوجيا.
وكأن نقرأ فقرة : الكتابة العامة والتاريخ، للإحاطة بهذا الثراء المشترك والمختلف:
إن ما ذكرناه للتو يُشكّل، في الواقع، الحركة الأساسية والمعروفة للعملية "الكتابية" التي قام بها دريدا خلال ستينيات القرن العشرين. لا يقتصر الأمر على مجرد معارضة الكلام والكتابة بالمعنى الضيق من خلال عكس تسلسلهما الهرمي، بل يتعداه إلى الانطلاق من المعارضة التقليدية بين اللغة الشفاهية والكتابة، وإبراز خصائص الكتابة التي دفعت التقاليد الميتافيزيقية إلى إخضاعها لدور أدنى، ثم إظهار أن هذه الخصائص في الواقع خاصة بكل من الكتابة واللغة: فهناك "كتابة عامة" تشمل في جوهرها الكتابة واللغة بالمعنى الضيق، وتمتد إلى كامل مجال التجربة، الذي يجب بالتالي التفكير فيه من منظور الأثر لا من منظور وجود الكائنات.
ولمعرفة أوسع لما يجري، التقدم نحو الملهِم في الاهتمام المشترك هذا، فـ:
في عام ١٩٣٨، توفي هوسرل عن عمر يناهز ٧٩ عامًا، تاركًا وراءه إرثًا فكريًا غير مكتمل. يجد علم الظواهر نفسه في مأزق. فمن جهة، فتح مسارًا خصبًا سلكه العديد من المفكرين العظام: هايدغر، وغادامر، وشيلر، وليفيناس، وميرلو-بونتي، وسارتر، وغيرهم الكثير. جميعهم ساروا على خطى هوسرل. حتى وإن قدم كل منهم تفسيره الخاص لعلم الظواهر: فمنهم من يستكشف علاقة الإنسان بالزمن والموت والقلق الوجودي؛ ومنهم من يرى في علم الظواهر أداةً لفهم الإدراك والخيال والمعنى الفني. بينما يراه آخرون فلسفةً إنسانيةً متجذرةً في التاريخ (انظر المربع أعلاه). لكن إرث علم الظواهر يخفي أيضًا نقصًا في التماسك. فقد ظل مشروع هوسرل غير مكتمل، ولم يُنتج المعرفة اليقينية التي يحق للمرء أن يتوقعها من "علم دقيق". في ضوء مشروعه، كانت مهمة هوسرل فاشلة.
وما ورد في مقال جان فرانسوا دورتييه: هوسرل، الأشجار المزهرة، والظاهراتية
Jean-François Dortier: Husserl, les arbres en fleur et la phénoménologie
كما في قوله:
لا يمكن للفلسفة أن تتجاهل ممارستها اللغوية، أي الطريقة التي كُتبت بها النصوص. ومع ذلك، لا شيء أكثر شيوعًا من ذلك. على الرغم من الوعي اللغوي الذي اكتسبه الفلاسفة بشأن غموض اللغة واستحالة (أو عدم استحالة) تدوين أفكارهم كتابةً - وهو وعيٌ ازداد حدةً منذ عشرينيات القرن الماضي مع هيدغر، وفتغنشتاين، وأدورنو، وغيرهم - فإن دراسة ممارسات الكتابة لدى الفلاسفة لا تزال مجالًا بحثيًا غير مستكشف إلى حد كبير.
وبهذا المعنى، تكمن أهمية فكر دريدا في الفلسفة ليس فقط في مضمون النظريات والمفاهيم والحجج والأوصاف والتعليقات التي طرحها، بل أيضًا، وقبل كل شيء، في الطريقة التي يُعرض بها هذا المضمون ويُصاغ ويُكتب بها بشكل متسق.
أبدى دريدا اهتمامًا بالغًا، بل ومهووسًا، بكتابة نصوصه وبأساليب الفلاسفة الذين قرأ لهم وعلق عليهم وفككها. وينطبق هذا على كتابات هوسرل، على سبيل المثال، التي كانت موضوعًا لبعض التأملات - وإن لم تكن كثيرة، إلا أنها كانت مثمرة للغاية - من جانب دريدا. وفي سياق هذه التأملات حول ممارسة اللغة عند هوسرل..
تستند قراءة دريدا لهوسرل في هذا النص الصادر عام ١٩٥٤ إلى مفهوم الجدلية، وهو "تصعيد جدلي" - كما يصفه - يتطور ضمن الظاهراتية، في الفكر الهوسرلي ومن خلاله، حتى قبل ظهور مفهوم الاختلاف. لقد أتاحت له الجدلية، كما فهمها دريدا عام ١٩٥٤، إمكانية تسليط الضوء على الثنائيات الكامنة في أسس الفينومينولوجيا: الابتكار والتقليد، والنفسية والمنطقية، والزمن النفسي والزمن الظاهراتي، والهوية والشكل، والحقيقة والوهم، والفعل القصدي والسلبية، والمكون والمُكوَّن، والتجربة والمعرفة، والوجود والزمان، إلخ، وأخيرًا الفينومينولوجيا والأنطولوجيا.
وحين نمضي إلى مقال مختلف يخص ملفاً من جهة دانيال جيوفانانجيلي: فينومينولوجيا مشتركة
Daniel Giovannangeli: La Phénoménologie partagée
حيث نرى أنه من بين عشرة موضوعات، أربعة تتوقف على إشراك دريدا في الملف بعدد صفحاته" 137"
يجمع هذا الكتاب مقالاتٍ خصصها المؤلف للفينومينولوجيا. إلى جانب نصوصٍ أخرى نُشرت في مؤلفاته السابقة، تُحدد هذه المقالات ملامحَ دراسةٍ أثريةٍ للفينومينولوجيا الفرنسية.
إذا كانت الفينومينولوجيا قد أحدثت ثورةً في الفلسفة في القرن العشرين، فذلك لأنها في المقام الأول منهجٌ. ولذلك، فبدلاً من أن تنحصر في مجموعةٍ من الأطروحات، تطورت في اتجاهاتٍ متعددة، ووجهت نقدها الذاتي، بل وأحيانًا ضد نفسها. وتشهد الأفكار المُحللة على ذلك: فالفينومينولوجيا الفرنسية في حوارٍ مفتوحٍ مع الأنظمة الفلسفية الرئيسية، ومع تخصصاتٍ أخرى، ولعلّ أبرزها علم الجمال وعلم الإنسان. لذا، لطالما رفض المؤلف، هنا كما في غيره، الانغلاق على نفسها.
كان استقبال التراث الظاهراتي مثمرًا بشكل خاص في فرنسا، حيث ازدهر مفكرون بارزون مثل سارتر وميرلو-بونتي في الفراغ الذي أحدثه لفيناس. تقدم المقالات المجموعة في هذا الكتاب قراءات تسلط الضوء على بعض اللحظات التي وسّعت نطاق هذه الأفكار العظيمة: من ريكور وتاو إلى دريدا، ومن دوفين إلى ليوتار، ومن غرانيل إلى جانيكو. يكشف هذا العمل أن حتى أكثر المناهج النقدية جرأةً في دراسة الظاهراتية لا تزال، بدرجات متفاوتة، مرتبطة بالإرث الذي ورثته.
وبغية المضي إلى عالم الكتابة وبنيتها، وأي تمايز بحثيّ، فلسفي وفكري مستبطَن فيه، تنويراً لعالم الشخصية الفكرية لدريدا.
كما في مقال إيفلين غروسمان - كما لو كنتُ آخر (المشهد المفاهيمي عند جاك دريدا)
EVELYNE GROSSMAN – Comme si j’étais un autre (la scène conceptuelle chez Jacques Derrida)
مجلة ITER، العدد 3، 2024.
وبدءاً من محفّز " كما لو Comme si... أرتو، بلانشو، وآخرون..."
لنبدأ بفرضية لمحاولة فهم سؤال "كما لو" المراوغ عند دريدا، وهو سؤال يبدو طفوليًا في أسسه الخيالية، ولكنه في الوقت نفسه مُربك للغاية إذا أُخذ على محمل الجد، لأنه يُفضي حقًا إلى اختلالات مفاجئة في الفكر تُزعزع البنية المنظمة للخطاب الفلسفي.
كما لو نحن على درايةٍ بانطلاقات دريدا الإبداعية المبهرة، وبراعته البهيجة التي يأسرنا بها، لا يكتب كما لو كان أرتو (أو، على النقيض: بلانشو، سولييه، جينيه، جويس، بونغ...)، بل بروحٍ من التقارب التكافلي تقريبًا مع كتاباتهم. ومع ذلك، فهو ينأى بنفسه عنهم، محللًا إياهم، ومحللًا من قبلهم، ناسجًا كتابته الصوتية في كتاباتهم، مستعيدًا أصواتهم ومجردًا منها بانفصالٍ واعٍ. وهكذا، على سبيل المثال، في *فرض الذات*، هذا النص الذي يبدو فيه أنه يقلد، بل يقلد حرفيًا، كتابة أرتو، منغمسًا في دوافعها، معيدًا اكتشاف القوة المقلقة لهذا الشعر في العمل، متصلًا من جديد بفيزياء تفكيكه للأجساد والكلمات.
ويمكن الرجوع إلى الوراء قليلاً للتقدم في فضاء فعل البحث الفكري، وفي نموذج من جنسه يخص عملاً ذائع الصيت لدريدا، كما في مقال: غابرييلا بابتيست : تفكيك هيغل: لفتة فينومينولوجية؟
حول كتاب جاك دريدا "أجراس"
Gabriella Baptist
DÉCONSTRUIRE HEGEL, UN GESTE PHÉNOMÉNOLOGIQUE ?
Sur Glas de Jacques Derrida
على الرغم من أننا سنحتفل بلا شك بالذكرى الخمسين لصدور: أجراس " Glas " خلال بضع سنوات، إلا أن هذا العمل لجاك دريدا لا يزال ينتظر الصدى الذي أحدثته كتبه الأخرى."1" وقد قوبل هذا النص بالريبة منذ البداية بسبب تعقيده، وتأخرت ترجمته إلى لغات أخرى، على عكس أعماله الأخرى: فقد صدرت الترجمة الإنجليزية عام ١٩٨٦، بعد اثنتي عشرة سنة من صدوره؛ وفي عام ٢٠٠٦، بعد أكثر من ثلاثين عامًا، نُشر "أجراء" باللغتين الألمانية والإيطالية؛ وفي عام ٢٠١٥، بعد أكثر من أربعين عامًا، نُشرت الترجمة الإسبانية القشتالية". إن عدم إمكانية ترجمة النص بطبيعته، بل وحتى عدم وضوحه الذي أقره المؤلف نفسه في النص، لا يبرر هذا الإهمال، على الأقل فيما يتعلق بالأسئلة التي يثيرها، فضلاً عن المواجهة مع هيغل واقتراح منهج فينومينولوجي جدير بالدراسة.
والمحفّز على القراءة في تحري أثر قراءة أخرى ، كما في مقال شارلوت ثيفينيه: قراءة لدريدا؟
Charlotte Thevenet: Lire Derrida ?
. لم يكن هناك داعٍ لانتظار وفاة الفيلسوف عام 2004، ونعي صحيفة نيويورك تايمز البارز بعنوان "جاك دريدا، المنظر الغامض، يرحل عن عمر يناهز 74 عامًا"، أو حتى نعي مجلة الإيكونوميست، التي رثت رحيل رجلٍ، وإن كان "مُرتبكًا"، إلا أنه كان "صادقًا وواسع المعرفة"، حتى يُتهم دريدا بالغموض أو الغموضية. منذ أوائل ثمانينيات القرن العشرين على الأقل، بدءًا من جون ر. سيرل وصولًا إلى "مفكرة زيلسيل"، يُطلق هذا الوصف أيضًا على "ديريدا": كلام مبهم غير مفهوم، بلاغة غامضة متعمدة، باختصار: نثر غير قابل للقراءة عن قصد. ودون الخوض في نقاش يتجاوز أعمال ديريدا نفسها، تجدر الإشارة إلى أن غموض ديريدا قد فُسِّر على ظاهره من قِبل منتقديه، وكذلك من قِبل العديد من مُفسِّريه. وبدلًا من فهم غموض الفيلسوف كنتيجة - سواء كانت موفقة أم لا، استكشافية أم عبثية، ولكنها دائمًا عرضية - لأسلوب فلسفي، يُدرك هذا الكتاب أنه أثر بلاغة فريدة. وهذا يعني أن أعمال ديريدا ليست غامضة صدفةً، بل تنبع من بلاغة ما لا يُقرأ، وهو ما يقع على عاتق الناقد مهمة تفسيره. على الرغم من أن مجمل أعماله، كما رأينا، ضخمة (أكثر من مائة كتاب)، وتشتهر بالغموض، إلا أن بعض الكتب تبرز بتصميمها غير المألوف، مما يعقد عملية القراءة...
وما جريات " معروض " أندريه-مادلين كليمان: تعلم العيش أخيرًا، بقلم جاك دريدا. مقابلة مع جان بيرنباوم. غاليلي/لوموند، "الفلسفة في التأثير"، 55 صفحة.
Andrée-Madeleine Clément: Apprendre à vivre enfin de Jacques Derrida. Entretien avec Jean Birnbaum. Galilée / Le Monde, « La philosophie en effet », 55 p.
"في سني هذا، أنا منفتح على أكثر الفرضيات تناقضاً
[...] لديّ في الوقت نفسه، صدقوني، شعور مزدوج: أولًا، وبصراحة وتواضع، لم يبدأ أحد حتى بقراءة كتاباتي، [...] وثانيًا، أنه في الوقت نفسه، بعد خمسة عشر يومًا أو شهر من وفاتي، لن يبقى شيء. إلا ما هو محفوظ بالإيداع القانوني في المكتبات." أحاول أن أتذكر أثر تلك الكلمات عليّ حين قرأتُ لأول مرة مقابلة جاك دريدا وجان بيرنباوم بعنوان "أنا في حرب مع نفسي Je suis en guerre contre moi-même "، المنشورة في صحيفة لوموند بتاريخ 19 أغسطس/آب 2004. لا شك أنني، كغيري، شعرتُ بالفزع حين علمتُ أنه، ولأنه لم يتحدث علنًا من قبل عن مرضه، وصف نفسه بأنه "مريضٌ بشدة" و"يخضع لعلاجٍ قاسٍ".
أخجل من الاعتراف بذلك، ولكن لولا الإثارة الخفية في ذلك الإعلان، لما صدقتُه. هل صدقتُه؟ أنه مات؟ ربما كان قد هيّأ قرّاءه جيدًا، أو ربما، على العكس، كنتُ غير مستعدٍّ لدرجة أنني تعاملتُ معه كما لو كان نصًا عاديًا، فريدًا كغيره، أثرًا كغيره، لا يُعوَّض كغيره، ربما آخر ما تبقى في صحيفةٍ غامرت مع ذلك باستضافة أكثر فلاسفة عصرها إثارةً للجدل، وأكثرهم خطورةً على الإعلام الثقافي. عند إعادة قراءة المقابلة نفسها، بعد عام، أي بعد أشهر قليلة من وفاة دريدا، والتي نشرتها دار غاليلي تحت عنوان أقل حدة، "التعلم كيف نعيش أخيرًا Apprendre à vivre enfin "، للمرة الأولى، كان لا بد من تصديقها. هل كانت مدبرة، متعمدة، ومخطط لها؟ الكلمة التي تتردد في أذهاننا في نهاية هذه المقابلة الأخيرة مع بيرنباوم هي "الناجي survivant "، كلمة محورية، كلمة مفتاحية تندرج ضمن مجموعة أوسع من المواضيع التي سبق أن طورها دريدا بتوسع في أعماله السابقة، والتي لم تُذكر عناوينها إلا لتجنب إثقال حوار ذي كثافة وعمق مثيرين للقلق. تتمحور الخطوط اللحنية الرئيسية لهذه الأغنية الأخيرة حول البقاء، بالطبع، ولكن أيضًا حول الحياة والموت، والروحانية، والكتابة الوصية، والحداد (يشير النص إلى عناوين مثل أطياف ماركس، وورق الآلة، وكل مرة فريدة، ونهاية العالم، والكباش، ومنح الموت، وشهادة الزور، لا، والمواثيق)، واللغة، والخطاب (أحادية لغة الآخر، والبطاقة البريدية)، والديمقراطية القادمة، و"نحن" وأوروبا (الرأس الآخر، وعالميو جميع البلدان، وجهد أخير! المارقون، و"مفهوم" سبتمبر)، وأخيرًا، مسائل الإرث والتوارث (الجامعة غير المشروطة). بعد خمسة عشر يومًا أو خمسة عشر شهرًا من وفاته، ما الذي تبقى من دريدا؟ قد يُعترض بأنه لا يزال من المبكر جدًا طرح هذا السؤال. ومع ذلك، فقد فات الأوان بالفعل.
"لقد رحل عالم" وبقي إلى الأبد. أمام هذه الكارثة، ولأفيق من ذهولي، بدأتُ أتخيل، وأتظاهر بأنني واحد من "بضع عشرات من القراء المتميزين" الذين سينقذون دريدا من الإيداع القانوني في المكتبة، كما لو أنني أستطيع أن أعتبر نفسي، نعم، من بين أولئك "الكتاب المفكرين، [أولئك] الشعراء" الذين سيعيشون بعده ويبدأون أخيرًا في قراءته. هذه اللعبة الساذجة والنرجسية الصغيرة وضعتني تحت الحصار. منذ ذلك اليوم، وأنا في حرب مع نفسي؛ لم أعد أستطيع التوقف عن الحديث عنها، بلا نهاية.
.
وفي مقال غيوم سوران: جاك دريدا وكتابة ما لا يُحصى
Guillaume Surin: Jacques Derrida et l’écriture de l’incalculable
انظر، أنا حيّ. من ماذا؟ لا الطفولة ولا المستقبل
سينقصان... ينبع من قلبي مصدر وجود لا يُحصى.
ر.م. ريلكه، مراثي دوينو، المرثية التاسعة
كأن نقرأ: الأخلاق، والسياسة، والتكنولوجيا، والاقتصاد، وعلم النفس الاجتماعي، والفلسفة، والأدب، إلخ. لا يقتصر الأمر على الحساب فحسب، بل يجب علينا أيضًا التفاوض بشأن العلاقة بين ما يُمكن حسابه incalculable وما لا يُمكن حسابه، والتفاوض دون قواعد لا يُمكن إعادة ابتكارها أينما "أُلقينا"، أينما وجدنا أنفسنا. لكن يجب أن يتم ذلك على أوسع نطاق ممكن، متجاوزًا موقعنا الحالي، ومتجاوزًا حدود الأخلاق والسياسة والقانون المعروفة، ومتجاوزًا التمييز بين الوطني والدولي، والعام والخاص، وما إلى ذلك. إن ترتيب ما يجب فعله لا ينتمي بالضرورة إلى العدالة ولا إلى القانون، وإنما إلى أحدهما فقط من خلال تداخله مع الآخر.
في إطار هذا العمل الجماعي حول العلاقة بين الشعرية والنقد، وبهدف تحديد ملامح الشعرية النقدية، سيسعى هذا العمل إلى معالجة القضايا التي تثيرها مسائل الحساب وما لا يُحسب في أعمال جاك دريدا. وكما يُبين المقتطف الافتتاحي من كتاب "قوة القانون"، يقع الحساب عند مفترق طرق فكرية عديدة، ويُعمل عليه - بالمعنى الفرويدي للتفصيل - ضمن تعقيد دلالي يضع هذا المفهوم، المُثقل بالتحديات، عند ملتقى مساحات ومسؤوليات الأدب والفلسفة والسياسة والقانون والعدالة.
وسنحاول، في المقام الأول، معالجة مسألة ما لا يُمكن حسابه ضمن المجال الأدبي، وتحديدًا في الفضاء الشعري الذي فتحه كتاب "مراثي دوينو" لراينر ماريا ريلكه. لا يُعد ريلكه، بالمعنى الدقيق للكلمة، موضوعًا لأعمال دريدا، على عكس بول سيلان مثلاً، لكن لا يُمكن التشكيك في قراءته ومعرفته العميقة بالشاعر، كما يتضح من اقتباس ورد في إحدى النسخ الممزقة من كتاب "البطاقة البريدية":
"كل ملاك مرعب"، أيها الحبيب.
وفي "تأكيد ما أفح عنه هوسرل بخصوص مهوم العلم، علم الحياة، الارتقاء بالحياة
La déconstruction est du côté de l'affirmation inconditionnelle de la vie
التفكيكية تقف إلى جانب التأكيد غير المشروط على الحياة
في الدقائق الأخيرة من مقابلته الأخيرة، التي نشرتها صحيفة لوموند في 19 آب 2004، يصر جاك دريدا على تأكيد الطبيعة غير المشروطة للحياة.
نحن، بنيويًا، ناجون، موسومون ببنية الأثر والوصية. لكن مع ذلك، لا أريد أن أسمح بتفسير أن البقاء أقرب إلى الموت والماضي منه إلى الحياة والمستقبل. كلا، التفكيكية دائمًا ما تقف إلى جانب نعم، إلى جانب تأكيد الحياة. كل ما أقوله – منذ : خطوة " Pas " ، على الأقل، في : أنحاء" Parages " - عن البقاء كتعقيد لثنائية الحياة والموت، ينبع في عملي من تأكيد مطلق للحياة. البقاء هو حياة تتجاوز الحياة، حياة أكثر من الحياة، والخطاب الذي أتبناه لا يتناول الموت؛ بل على العكس، هو تأكيد على كائن حي يفضل أن يعيشه، وبالتالي أن ينجو منه حتى الموت، لأن البقاء ليس مجرد ما يتبقى، بل هو الحياة في أشدّ صورها. لا يطاردني هاجس الموت كما في لحظات السعادة والبهجة. البهجة و"البكاء على الموت الذي يتربص، بالنسبة لي سيان" (ديريدا، التعلم). (انظر: "أن تعيش أخيرًا"، الصفحات ٥٤-٥٥).
في هذا المقطع، لا يؤكد دريدا على الحياة في حد ذاتها. فالحياة في حد ذاتها تتسم بشيء من التكرار والآلية والدوران. ما يؤكده، بل ويرفعه، هو تصاعد في علاقتها بالحياة. فالبقاء ليس مجرد حياة، بل هو شيء أعمق: حياة تتجاوز الحياة [العيش بما يتجاوز تجربة الحاضر الحي]، حياة أكثر من الحياة [وهذا يعني شيئًا آخر غير الحياة البسيطة]، الحياة الأكثر كثافة ممكنة [فالبكاء هو عيش مكثف، هو استحضار شيء يتجاوز الحياة المباشرة].
وفي مشهد ابتكاري اعتماداً على وصف مجازي، وما أجيزَ قوله ، حيث نقرأ الدال المنتظَر:
عندما يخرج كائن حي آخر من شرنقة دودة القز، يأتي الحكم، وهو أشدّ وطأةً من الموت وأثمن من الحياة نفسها: يُهجر العمل.
[Quand, de la chrysalide d'un ver à soie, émerge un autre vivant, alors tombe le verdict, pire que la mort et valant plus que la vie même : l'oeuvre est abandonnée]
دودة القز أشبه بآلة نسيج تجد في داخلها، من خلال رعايتها الذاتية، ما تحتاجه لإتمام عملها: الشرنقة التي يُستخرج منها الخيط. يتضح ذلك من الوصف التالي (الموجود هنا): "في نهاية الطور الخامس، عندما تُفرغ ديدان القز أمعاءها وتصبح شفافة وصفراء اللون، تكون قد فقدت حوالي 2 سم من طولها. يمكن غزل الشرنقة في أي مكان، شريطة وجود نقاط ارتكاز ثلاثية الأبعاد. بعد قضاء ساعة في ربط الخيوط في اتجاهات مختلفة لتكوين دعامة، تستطيع دودة القز أخيرًا البدء في غزل شرنقتها برسم شكل الرقم ثمانية حول نفسها. تعمل على هذا النحو لمدة يومين أو ثلاثة أيام، منتجةً خيطًا يبلغ طوله حوالي 1500 متر. بعد إفراغ نفسها تمامًا من الحرير، تتقلص اليرقة بشكل ملحوظ ويصبح طولها حوالي 3 سم فقط، وعندها تتحول إلى خادرة."
لكن الآلة تتوقف في النهاية، وعندها يأتي ما يسميه جاك دريدا "الحكم": تلك اللحظة من الموت والبعث عندما تُستبدل دودة القز، بعد أن انسلخت وخرجت من الشرنقة، بشيء آخر يخرج منها. لم يذكر حتى اسم الفراشة؛ لا يهم ما هو هذا الشيء الآخر.
"يا له من حظ، هذا الحكم، يا له من حظ مرعب: نعم، الآن سيكون هناك ما هو أسوأ من الموت بالنسبة لي، ما كنت لأصدق ذلك أبدًا، والمتعة التي تُسمى هنا "القيامة"، أي ثمن الحياة العادية للغاية التي أود أن أتجه إليها، دون تغيير، لفترة أطول، ستكون هذه المتعة أثمن من الحياة نفسها" (دودة القز، في Contretemps 2/3، ص 48).
انظر: ذكرى طفولة جاك دريدا: دودة القز تؤثر على نفسها حتى اللحظة الفريدة غير المتوقعة لـ"التحقق"، عندما تُثقب القشرة، §§2 و3.
كل شيء يحدث كما لو أنها لا تريد التوقف عن نسج عملها (شرنقتها، طليتها)، كما لو أنها تنتظر الحكم النهائي بلا أمل. لكن سيأتي يومٌ تحين فيه تلك اللحظة الفريدة لنهاية القصة (ص ١٥). حينها، يجب التخلي عن كل إرث، بل وحتى عن كل أثرٍ للعمل (وهو أسوأ من الموت). الحكم كابوسٌ، حكمٌ يضع حداً للخيال، للهلوسة، وللرحلة بين الحلم والواقع.
"أفرزها، الإفراز. أفرزها. بشكل لا رجعة فيه. سال لعابه. أفرزها تمامًا، أفرز شيئًا لن يكون أبدًا شيئًا ماديًا بالنسبة له، شيئًا سيواجهه مباشرة. لم ينفصل عن عمله. أنتجت دودة القز خارجه، أمامه، ما لن يفارقه أبدًا، شيئًا لم يكن سوى ذاته، شيئًا لم يكن شيئًا ماديًا، شيئًا ينتمي إليه وكان ملكًا له. أسقط ما انبثق منه إلى الخارج وبقي في أعماقه: خارجه، داخله، وقريبًا منه، بهدف أن يحيط به تمامًا قريبًا. عمله ووجوده للموت» (دودة قز، في Contretemps 2/3، ص 48)
تطير الفراشة بعيدًا، تاركةً العمل ميتًا، مهجورًا، دون أن تفكر في حمله، وهي لفتة قد يعتبرها المرء «أسوأ من الشر». لكن من ناحية أخرى، ينطلق، ويتلذذ بقدرته على الطيران، وينجو، وهو ما يساوي «أكثر من الحياة نفسها». هذا هو الحكم الوشيك، المنتظر: أن يُديننا، في آنٍ واحد، بـ"أسوأ من الشر" و"أكثر من الحياة".
انظر: علينا أن ننتظر المسيح كما ننتظر قرب صدور حكم لا يكشف شيئًا جوهريًا، ولا يزيل أي حجاب، بل يدعونا إلى التضاؤل، والانسحاب، والرحيل، والاستبدال بالآخر.
وما يشرِك الأدب بما هو فلسفي وفكري، والحصاد الثري للمعرفة المتحصلة من عملية التهجين المنشطة لقوى النفس.
كما في مقال جينيت ميشو: مقدمة. تفضيل الأدب
Avant-propos. Préférer la littérature
جاك دريدا هو بلا شك الفيلسوف الأكثر اهتمامًا بالأدب، بكل أشكاله (التي يستحيل تقنينها) وبجميع أنواعه (التي يستحيل تصنيفها). لم يكتفِ، منذ البداية في كتبه "الصوت والظاهرة" و"في علم الكتابة" و"الكتابة والاختلاف"، التي نُشرت جميعها عام ١٩٦٧، بالتركيز على مسألة الكتابة كما تم تهميشها والتقليل من شأنها في التراث الفلسفي الغربي، بل اتجه أيضًا إلى الأدب لتطوير تساؤلاته الفلسفية الخاصة المتعلقة بالسرية والشهادة والوعد والكذب والغفران وشهادة الزور، على سبيل المثال لا الحصر. إن نقده للعلامة والاستعارة والأفعال الأدائية وأفعال الكلام والأنواع الأدبية، وخاصة السيرة الذاتية والأسماء العلمية والتوقيعات المضادة، لا يترك شيئًا تقريبًا دون تناوله فيما يُسمى، أو ما زال يُسمى، "الأدب". من خلال الاستماع إلى الكُتّاب والشعراء، من روسو إلى جينيه، مرورًا ببونج وكافكا وسيكسو وشكسبير، طوّر دريدا تأملًا ثريًا حول "القدرة المطلقة" للأدب، هذه القوة الأخرى القادرة على التفكير وتفكيك وهم السيادة السياسية من خلال سيادتها الشعرية.
وهو تقديم للملف، حيث يضاف إلى المكتوب آنفاً:
لا شك أن جاك دريدا هو الفيلسوف الأكثر شغفًا بالأدب، بكل أشكاله (التي يستحيل تقنينها) وأنواعه (التي يستحيل تصنيفها). فمنذ بدايات مسيرته الفلسفية، لم يكتفِ دريدا بدراسة مسألة الكتابة كما كانت مهمشة ومحتقرة في التراث الغربي، بل انكبّ أيضًا على الأدب بلا كلل ليطرح تساؤلاته الخاصة حول السرية، والشهادة، والوعد، والكذب، والغفران، وشهادة الزور، على سبيل المثال لا الحصر.
ووفقًا لدريدا، لا يمكن فرض قواعد أو توجيهات أو وظائف محددة على الأدب. تتناول المقالات المجموعة هنا عددًا من مقترحات الفيلسوف حول "الأدب المطلق"، بدءًا بتلك المتعلقة بالسيادة الشعرية، التي تربط الأدب ارتباطًا وثيقًا بوصفه "حقًا في قول كل شيء" بالديمقراطية (التي لم تتحقق بعد). ويؤكد دريدا، في جوهره، على "قوة" "المبدأ" الأدبي، الذي يسمح للأدب بتحرير نفسه من خلال التشكيك في قواعده، بل وحتى في القانون نفسه، في أداء غير مسبوق.
وما يثير فضول قارئه النهم والمشروع فلسفياً وفكرياً ، في ملف جان ميشيل راباتيه " حروب جاك دريدا " Jean-Michel Rabaté: Les guerres de Jacques Derrida
وفي التقديم، يقول راباتيه
يا له من رجلٍ فذّ، دريدا! مفكرٌ شجاعٌ، يخوض حربًا ضروسًا ضد الجميع وضد نفسه، فارسٌ للمثل العليا كدون كيخوته، وسياسيٌ براغماتيٌّ كسنشو بانزا، لم يكفّ عن قلب مفاهيمنا السائدة رأسًا على عقب، مُعيدًا إليها حيويتها، ومُعززًا زخمها، ومُحوّلًا إياها إلى أسلحةٍ فكريةٍ جبارة.
يتتبع هذا الكتاب بعضًا من حملاته، مُرسمًا مسارًا يمتد من طفولته ومراهقته في الجزائر نحو مستقبلٍ مُلهمٍ مُنفتحٍ على الآخر. وفي خضمّ ذلك، كان عليه أن يُصارع صديقًا مُقربًا جدًا من بعض القضايا الأخلاقية، إيمانويل ليفيناس، فضلًا عن عدوٍّ أكثر ضعفًا، جورجيو أغامبين. ومن خلال تأملاتهما المُتشابكة، يُصرّ دريدا على أن النضال الجدلي أفضل من السلام، لأنه يُرسّخ إمكانية وجوده، وفي الوقت نفسه يُشكّك في مفاهيم الحرب. ستساهم رواية جيه إم كوتزي الأخيرة، "طفولة يسوع"، وقصائد ستيفان مالارميه في توضيح هذه التوقعات والتوترات بين القط والكلب، وبين المستقبل وما سيأتي، وبين الهدنات الغريبة والحروب الغريبة: بين الضيافة والعداء.
نعم، هي حروب دريدا مع نفسه، حروبه مع سواه ، ولا أكثر منهم، تعرضتُ للعديد منهم إعداداً وترجمة في أكثر من كتاب وبحث مترجم، وحروب دريدا مع الذين لديهم استعداد لحروب من هذا النوع، حروب تشهد على مدى استتباب الأمن والسلام، على حيوية المجتمع، وفخره المحق في الذين ينتمون إليه، وحروب الذين يشار إليهم دون أن يعلموا، وحروب الذين يفنون بعضهم بعضاً، حتى دون أن يعرفوا بعضهم بعضاً، حيث لا تعنيهم الفلسفة: فلسفة الحياة، لا يعنيهم الفكر: فكر الحياة.
الفرق كبير ، لا بل وهائل ورهيب بين أن نتحدث بكامل تمايزاتنا عما ينير تمايزاتنا أهلاً للحياة، وحين ننتمي إلى عالم المقابر الذي يسكننا، بشاهدات لا تحصى، كما هو الممكن التوقف عنده دون قراءة " الفاتحة " لأن هذه في حقيقتها، لا تكون فاعلة، ملهمة ، مطلوبة، إلا لمن كان ويكون شاهداً للحياة، ليكون موته محتفى به، وإن رحل...إلخ.