يحيى بركات - غزة لم تغير السياسة فقط

غزة لم تغيّر السياسة فقط…
بل بدأت تهزّ البنية الأخلاقية للمؤسسات الثقافية الغربية نفسها.
من البندقية إلى برلين… ثم إلى كان
حين بدأت القاعات تفقد حيادها
في صباح البندقية…
لم يكن الزوّار يعرفون تمامًا ما الذي يحدث.
القوارب الصغيرة تعبر المياه كالمعتاد.
السيّاح يلتقطون الصور.
الفنانون يدخلون حدائق الجيارديني ببطاقات معلّقة على أعناقهم.
كل شيء يبدو طبيعيًا…
حتى تبدأ الأبواب بالإغلاق.
جناح بلجيكا…
مغلق.
على مدخله…
كلمة واحدة:
“STOP”
وفي جناح آخر…
بيان.
وفي آخر…
أعلام فلسطينية.
ثم…
همسات.
“لجنة التحكيم استقالت…”
“هناك ضغط…”
“اتهامات بمعاداة السامية…”
“الفنان الإسرائيلي هدّد بالمقاضاة…”
“النقابات دخلت على الخط…”
فجأة…
لم يعد أحد يتحدث عن الفن فقط.
صار الجميع يتحدث عن: من يحق له أن يبقى؟
ومن يجب أن ينسحب؟
قبل أيام فقط…
كانت لجنة تحكيم
بينالي البندقية
قد أعلنت موقفًا بدا بسيطًا…
لكنه هزّ المكان كله.
لن تمنح الجوائز لدول يواجه قادتها اتهامات بجرائم ضد الإنسانية أمام المحكمة الجنائية الدولية.
الجميع فهم المقصود.
إسرائيل…
وروسيا.
ثم بدأت العاصفة.
اتهامات بمعاداة السامية.
ضغوط قانونية.
غضب سياسي.
والأخطر…
خوف المؤسسة نفسها.
ثم…
حدث ما لم يكن متوقعًا.
لجنة التحكيم…
استقالت كاملة.
مرة واحدة.
كأن القاعة نفسها…
فقدت توازنها.
لكن الصدمة الأكبر…
لم تكن الاستقالة.
بل ما حدث بعدها.
إدارة البينالي…
ألغت الجوائز الرسمية.
لكن ليس لأن الأزمة انتهت.
بل لأنها خرجت عن السيطرة.
وفجأة…
ظهر حل غريب.
“جوائز الجمهور.”
كأن المؤسسة تقول:
إذا كانت لجنة التحكيم لا تريد أن تختار…
فليختر الجمهور.
لكن…
ما بدا كحل…
فجّر الأزمة أكثر.
الفنانون فهموا الرسالة فورًا.
هذه ليست تسوية.
هذه التفافة.
طريقة لإعادة إسرائيل وروسيا إلى المنافسة…
لكن من باب آخر.
وهنا…
بدأت الانسحابات.
ليس انسحابًا واحدًا.
بل موجة.
فنانون.
أجنحة وطنية.
مؤدّون.
فرق كاملة.
أكثر من خمسين فنانًا…
وستة عشر جناحًا وطنيًا.
كأن المكان نفسه…
بدأ يفقد أجزاءه.
وفي الخارج…
المتظاهرون يهتفون.
وفي الداخل…
النخبة الفنية العالمية تمشي مرتبكة بين الأجنحة المغلقة.
تقرأ البيانات المعلّقة على الأبواب:
“لا للفن الذي يغطّي الإبادة.”
“لا لتبييض الجرائم عبر الثقافة.”
وفي جناح اليابان…
كُتب على الدرج:
“لا لجناح الإبادة الجماعية.”
وفي جناح آخر…
أعلام فلسطينية تدخل إلى العمل الفني نفسه.
كأن غزة…
خرجت من الأخبار…
ودخلت المعرض.
هناك…
لم تعد القضية: فنًا ضد سياسة.
بل شيئًا أكثر إرباكًا.
هل يستطيع الفنان…
أن يقف داخل قاعة واحدة
مع دولة يراها مسؤولة عن الإبادة؟
وهنا…
لم تعد الأزمة تخص البندقية وحدها.
لأن ما حدث هناك…
كان قد بدأ قبل ذلك في
مهرجان برلين السينمائي الدولي
في برلين أيضًا…
خرج الصوت من القاعة.
خطابات.
توترات.
انقسامات.
وفجأة…
لم يعد السؤال:
ما الفيلم الأفضل؟
بل:
من يحق له أن يتكلم أصلًا؟
ومن يُعاقَب… إذا تكلم؟
وفي برلين…
بدأت المؤسسة الثقافية الأوروبية تشعر بالخوف.
ليس من السياسة فقط…
بل من انقسام الفن نفسه.
والآن…
نصل إلى
مهرجان كان السينمائي
الدورة التاسعة والسبعون.
هناك…
يبدو كل شيء أكثر هدوءًا.
السجادة الحمراء جاهزة.
الكاميرات في أماكنها.
والنجوم يبتسمون كالمعتاد.
لكن…
الهدوء هنا… ليس براءة.
حين يقول المهرجان:
“الأفلام هي التي ستتحدث”
فهو لا يختار جملة جميلة فقط.
هو يختار طريقة للنجاة.
كأن كان…
نظر إلى ما جرى في البندقية وبرلين…
وقال لنفسه:
لا نريد انفجارًا هنا.
لا نريد القاعة أن تتحول إلى ساحة مواجهة.
دعوا الأفلام تتكلم…
بدلًا منا.
لكن…
المشكلة أن العالم تغيّر.
غزة لم تعد خبرًا بعيدًا.
ولا صورة عابرة على الهاتف.
لقد دخلت القاعات.
دخلت الأجنحة.
دخلت النقاشات.
دخلت الفن نفسه.
ولهذا…
لم تعد الأزمة: هل الفن مع فلسطين أو ضدها؟
بل:
هل يستطيع الفن العالمي…
أن يبقى على صورته القديمة
بعد كل ما حدث؟
في البندقية…
أُغلقت الأبواب.
في برلين…
خرجت الأصوات.
وفي كان…
يبدو أن الجميع يحاول أن يمشي بهدوء…
فوق أرض تهتز.
وربما…
لهذا لم تعد المهرجانات الكبرى تشبه نفسها.
لأن العالم نفسه…
لم يعد كما كان.


يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...