عبدالمنعم الهراق - يوميات بائع كتب

في تسعينيات القرن الماضي، حين كنت أتلمس طريقي الأولى بين رفوف الكتب، تعرّفت على هذا الكتبي العزيز عبد الهادي.
كان بالنسبة إلي أكثر من بائع كتب، كان مدرسة كاملة تمشي على قدمين.
فتحت عيني على طريقته المحكمة في العمل، على صبره الطويل، وعلى ذلك الكفاح الشريف الذي لا يُرى في الواجهات، لكن يظهر في التفاصيل الصغيرة التي تصنع الرجال بصمت.
رأيته يومها يجوب عالم الكتاب بثقة العارف، كان حينها بدار الآفاق الجديدة، ثم رأيته يكبر قليلا قليلا، كما تكبر الأشجار العتيقة؛ ببطء، ولكن بثبات لا تهزه الرياح.
حتى صار له اسم يسبقه، ومكتبة عامرة تشبهه، متخصصة في كتب التراث والمراجع الشرعية، يقصدها الباحثون كما يُقصد الضوء في العتمة.
كان يساير الحركة الثقافية بكل تقلباتها، دون أن يفقد روحه الأولى؛ خدوما إلى حد التفاني، ودودا في جل معاملاته، يعطي من وقته وقلبه أكثر مما يأخذ .
صحبته لسنوات طويلة، وسافرت معه إلى معارض دولية في العالم العربي، وهناك، بين المطارات وصناديق الكتب وأحاديث الفنادق الطويلة، تعلمت منه ما لا تعلّمه الكتب نفسها.
تعلّمت كيف يكون الكتبيّ وفيا للكتاب، وكيف تتحول الوراقة من تجارة إلى رسالة، ومن مهنة إلى نوع من العبادة الصامتة.
وسيظل في عنقي دين لا يُسدد، لأنه أستاذي الذي لقّنني الأبجديات الأولى في هذه الحرفة النبيلة.
ولعلي بخسته حقه حين لم أذكره يوما في يومياتي، كأن الذاكرة أحيانا تؤجل أجمل الأسماء لأنها تظنها خالدة لا تغيب.
لكن القدر شاء أن ألتقيه اليوم في المعرض الدولي للكتاب، فشعرت أن الزمن عاد بي دفعة واحدة إلى تلك البدايات البعيدة؛ إلى أول رف ، وأول صندوق كتب، وأول دهشة ، وحين صافحته اليوم ، أدركت أن بعض الرجال نظل نتتلمذ عليهم العمر كله .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...