أزمور… المدينةُ التي لم تُهزم يومًا، ولكنّها أُنهكت من كثرةِ ما وُضِعت بين الأقواس.
يقول الدكاليون:
“ما حاط بأزمور أضعفها… وما حاطت بأزمور ضَعُفَت.”
وكأنّ المدينةَ منذ قرونٍ وهي تدفع ضريبةَ الجغرافيا كلّما أرادت أن تكون أكبر من الخريطة.
لا أحدَ يُناقش أنّ أزمور ليست مجرّد مدينةٍ عتيقةٍ تنامُ على ضفة أم الربيع، بل هي حضارةٌ مغربيةٌ سبقت كثيرًا من المدن إلى السياسة والثقافة والحِرفة والعيش المشترك.
مدينةٌ كانت تعرف كيف تُفاوض البحر، وكيف تُهادن النهر، وكيف تُطعم أبناءها من الشابل والقصب والحكايات.
لكنّ أزمور، مثل أبناء المجذوب، لم تكن تعرف فنّ “التموقع الإداري”.
كانت تؤمن بالحكمة أكثر من إيمانها باللوبيات.
فعبد الرحمان المجذوب، ابن هذه الأرض الرمزية، لم يكن يبني الإدارات… بل كان يزرع الكلام في الريح.
وكأنّ أزمور منذ ذلك الزمن تعمل بشعار الفرنسيين قبل أن يأتوا :
On sème à tout vent
“نزرع في كل اتجاه.”
فزرعت البلاغة، وزرعت الملحون ،وزرعت الرجال، وزرعت الحرفيين، ثم بقي الآخرون يحصدون المؤسسات.
وحين جاء عهد الحسن الثاني، بسياسة السدود وتوفير الماء،لبناء مغرب الزراعة،ودخل المغرب زمن “جمعيات الأحواض” والتنمية الجهوية، بدأت الخريطة تُوزَّع مثل كعكةٍ سياسيةٍ كبيرة:
هذه جمعيةٌ لأبي رقراق…
وهذه لأنكاد…
وهذه لتادلة…
وهذه لسوس…
وهذه للغرب…
حتى الأنهار صار لها ناطقون رسميون أكثر من الماء نفسه!
فتأسست:
جمعية أبي رقراق حول الرباط وسلا،
وجمعية أنكاد في وجدة بقيادة أحمد عصمان،
وجمعيات للحوز وسوس وملوية والشاوية والأطلس…
أما أزمور؟
فكأنها كانت تجلس قرب أم الربيع مثل امرأةٍ جميلةٍ نسيها الجميع في صورةٍ جماعية.
مدينةٌ تحتضن أحد أكبر الأحواض المائية المغربية، ثم لا تجد من يمنحها حتى “جمعية حوض” باسمها!
وكأنّ التاريخ وحده لا يكفي في المغرب…
بل يجب أن تكون لك جمعية، وموسم، ولوبي، وصور جماعية، وبلاغٌ ختاميٌّ طويلٌ لا يقرأه أحد.
أزمور التي أعطت للمغرب:
الحرفي،والبحّار،والمتصوف،والمجذوب،
وحتى المغامر العالمي مصطفى الأزموري،
بقيت تتفرج على مدنٍ أحدث منها وهي ترتدي بذلات “التنمية الترابية” وتدخل قاعات الفنادق المكيّفة باسم الجهوية.
لكنّ المدن الحقيقية لا تموت بسهولة.
يكفي أن ينهض بضعةُ فتيانٍ من أبناء أزمور في كرة القدم، أو المسرح، أو الموسيقى، أو التشكيل أو الحرف، حتى يتذكر الناس أن تحت هذا الغبار مدينةً ما تزال تتنفس.
حين جاء دعمٌ بسيطٌ من مؤثرٍ اجتماعي لهؤلاء الفتيان، انتفضت الأرجل، وتحركت الروح، وظهرت القفزة الأولى…
وكأن أزمور كانت فقط تنتظر من يقول لها:
“ما زلتِ حيّة.”
فهذه الحاضرة لا ينقصها التاريخ، بل ينقصها فقط من يؤمن أنّ التاريخ يمكن أن يتحول إلى مستقبل، لا إلى درسٍ محفوظٍ في كتاب الاجتماعيات.
وكم كنتُ أتمنى…
لو احترموا ضفتي أم الربيع شمالًا وجنوبًا،
لو فهموا أن سيدي اعلي بن حمدوش، واشتوكة ، والقرى المجاورة، ليست مجرد هوامش ترابية، بل امتدادٌ لذاكرة أزمور نفسها.
فكلّهم أزموريون…
تاريخًا،
وحضارةً،
ولهجةً،
وحزنًا أيضًا.
أما اليوم…
فأزمور تشبه شيخًا أندلسيًا عجوزًا، يرتدي جلبابًا قديمًا، ويحمل مفاتيح بيتٍ تاريخيٍّ كبير…
بينما يمرّ حوله أبناءُ الأمس في سياراتٍ رباعية الدفع، يتحدثون عن “الإقلاع التنموي” وهم لا يعرفون حتى من أين أقلعت الحضارة أصلًا
إليكم الجواب :من أزمور الصامدة
#وابغيتبلادي د ابراهيم عروش الدريسي
يقول الدكاليون:
“ما حاط بأزمور أضعفها… وما حاطت بأزمور ضَعُفَت.”
وكأنّ المدينةَ منذ قرونٍ وهي تدفع ضريبةَ الجغرافيا كلّما أرادت أن تكون أكبر من الخريطة.
لا أحدَ يُناقش أنّ أزمور ليست مجرّد مدينةٍ عتيقةٍ تنامُ على ضفة أم الربيع، بل هي حضارةٌ مغربيةٌ سبقت كثيرًا من المدن إلى السياسة والثقافة والحِرفة والعيش المشترك.
مدينةٌ كانت تعرف كيف تُفاوض البحر، وكيف تُهادن النهر، وكيف تُطعم أبناءها من الشابل والقصب والحكايات.
لكنّ أزمور، مثل أبناء المجذوب، لم تكن تعرف فنّ “التموقع الإداري”.
كانت تؤمن بالحكمة أكثر من إيمانها باللوبيات.
فعبد الرحمان المجذوب، ابن هذه الأرض الرمزية، لم يكن يبني الإدارات… بل كان يزرع الكلام في الريح.
وكأنّ أزمور منذ ذلك الزمن تعمل بشعار الفرنسيين قبل أن يأتوا :
On sème à tout vent
“نزرع في كل اتجاه.”
فزرعت البلاغة، وزرعت الملحون ،وزرعت الرجال، وزرعت الحرفيين، ثم بقي الآخرون يحصدون المؤسسات.
وحين جاء عهد الحسن الثاني، بسياسة السدود وتوفير الماء،لبناء مغرب الزراعة،ودخل المغرب زمن “جمعيات الأحواض” والتنمية الجهوية، بدأت الخريطة تُوزَّع مثل كعكةٍ سياسيةٍ كبيرة:
هذه جمعيةٌ لأبي رقراق…
وهذه لأنكاد…
وهذه لتادلة…
وهذه لسوس…
وهذه للغرب…
حتى الأنهار صار لها ناطقون رسميون أكثر من الماء نفسه!
فتأسست:
جمعية أبي رقراق حول الرباط وسلا،
وجمعية أنكاد في وجدة بقيادة أحمد عصمان،
وجمعيات للحوز وسوس وملوية والشاوية والأطلس…
أما أزمور؟
فكأنها كانت تجلس قرب أم الربيع مثل امرأةٍ جميلةٍ نسيها الجميع في صورةٍ جماعية.
مدينةٌ تحتضن أحد أكبر الأحواض المائية المغربية، ثم لا تجد من يمنحها حتى “جمعية حوض” باسمها!
وكأنّ التاريخ وحده لا يكفي في المغرب…
بل يجب أن تكون لك جمعية، وموسم، ولوبي، وصور جماعية، وبلاغٌ ختاميٌّ طويلٌ لا يقرأه أحد.
أزمور التي أعطت للمغرب:
الحرفي،والبحّار،والمتصوف،والمجذوب،
وحتى المغامر العالمي مصطفى الأزموري،
بقيت تتفرج على مدنٍ أحدث منها وهي ترتدي بذلات “التنمية الترابية” وتدخل قاعات الفنادق المكيّفة باسم الجهوية.
لكنّ المدن الحقيقية لا تموت بسهولة.
يكفي أن ينهض بضعةُ فتيانٍ من أبناء أزمور في كرة القدم، أو المسرح، أو الموسيقى، أو التشكيل أو الحرف، حتى يتذكر الناس أن تحت هذا الغبار مدينةً ما تزال تتنفس.
حين جاء دعمٌ بسيطٌ من مؤثرٍ اجتماعي لهؤلاء الفتيان، انتفضت الأرجل، وتحركت الروح، وظهرت القفزة الأولى…
وكأن أزمور كانت فقط تنتظر من يقول لها:
“ما زلتِ حيّة.”
فهذه الحاضرة لا ينقصها التاريخ، بل ينقصها فقط من يؤمن أنّ التاريخ يمكن أن يتحول إلى مستقبل، لا إلى درسٍ محفوظٍ في كتاب الاجتماعيات.
وكم كنتُ أتمنى…
لو احترموا ضفتي أم الربيع شمالًا وجنوبًا،
لو فهموا أن سيدي اعلي بن حمدوش، واشتوكة ، والقرى المجاورة، ليست مجرد هوامش ترابية، بل امتدادٌ لذاكرة أزمور نفسها.
فكلّهم أزموريون…
تاريخًا،
وحضارةً،
ولهجةً،
وحزنًا أيضًا.
أما اليوم…
فأزمور تشبه شيخًا أندلسيًا عجوزًا، يرتدي جلبابًا قديمًا، ويحمل مفاتيح بيتٍ تاريخيٍّ كبير…
بينما يمرّ حوله أبناءُ الأمس في سياراتٍ رباعية الدفع، يتحدثون عن “الإقلاع التنموي” وهم لا يعرفون حتى من أين أقلعت الحضارة أصلًا
إليكم الجواب :من أزمور الصامدة
#وابغيتبلادي د ابراهيم عروش الدريسي