علي سيف الرعيني _|الكتابة نافذة إلى الضوء!!

تمر بنا اوقات عصيبة ونمرمعها بكل مقاومة وتفان ولكن هناك
اوقات تضيق بنا الحياة حتى تبدو كأنها جدارٌ بلا باب، وتخفت الأصوات من حولنا إلا صوت الألم وهنا يبدأ دور الكتابة لتبقى وحدها نافذة لا تُغلق، وممرًا سريًا نحو الضوء، ودليلًا صغيرًا على أن الفجر لم يمت، بل يتأخر فقط
الكتابة ليست مجرد حروف تُصفّ على الورق، ولا كلمات تُلقى في فراغ العالم، بل هي فعل نجاة، ومحاولة إنسانية نبيلة لمقاومة السقوط الكامل. حين يعجز الإنسان عن البكاء، يكتب. وحين تضيق به الطرق، يفتح من اللغة طريقًا جديدًا. وحين يشعر أن العالم لا يسمعه، يصنع من الحبر صوتًا لا يمكن تجاهله
في أكثر اللحظات قسوة، لا يبحث الإنسان عن البلاغة، بل عن الكتابة الصادقةالتي لا تحتاج زينة، لأنها تخرج من القلب مباشرة إلى القلب. إنها تشبه اعترافًا هادئًا بين الإنسان ونفسه، تشبه مصافحةً خفية مع الحياة رغم الخذلان، وتشبه وعدًا داخليًا بأن النهاية ليست هنا
كم من إنسان أنقذته ورقة بيضاء؟
وكم من روحٍ كانت على وشك الانطفاء، فأعادتها جملة واحدة إلى الحياة؟
الكتابة لا تُغيّر العالم دائمًا، لكنها كثيرًا ما تمنع العالم من أن يُحطمنا بالكامل
هي ليست فعل إضافي للمثقفين، بل ضرورة للمنهكين. ليست هواية للعابرين، بل وطنٌ صغير لمن لا وطن له في الزحام. حين يكتب الإنسان، فهو لا يسرد فقط ما حدث، بل يعيد ترتيب فوضاه، ويمنح ألمه اسمًا، ويُقنع قلبه أن ما يشعر به مفهوم، وأنه ليس وحيدًا في هذا الليل الطويل
وفي المجتمعات التي تزداد فيها الضغوط، وتضيق فيها مساحات البوح، تصبح الكتابة نوعًا من المقاومة الهادئة. مقاومة ضد القهر، ضد النسيان، ضد الاعتياد على الوجع. الكاتب الحقيقي لا يحمل سلاحًا، لكنه يحمل وعيًا، والوعي أحيانًا أشد تأثيرًا من الضجيج كله
الكتابة أيضًا شكل من أشكال الإيمان؛ إيمان بأن الكلمة قد تُصلح ما أفسدته القسوة، وأن الحقيقة تستحق أن تُقال، وأن الإنسان لا يُقاس بما يخفيه بل بما يملك شجاعة الاعتراف به. لذلك كانت أعظم النصوص تولد من رحم المعاناة، لأن الألم حين ينضج، يتحول إلى حكمة، وحين يُكتب بصدق، يصبح نورًا لآخرين يسيرون في الظلام نفسه
وفي عمق العتمة تحديدًا، حين يبدو الفجر احتمالًا بعيدًا، تأتي الكتابة لتهمس: ما زال هناك شيء يستحق الانتظار. ما زال القلب قادرًا على النجاة. ما زالت الروح تعرف طريقها إلى الضوء، حتى وإن تأخر الوصول
لهذا لا ينبغي أن نتوقف عن الكتابة، ولا عن القراءة، ولا عن الإيمان بأن الكلمات قد تكون جسورًا نعبر بها فوق الانكسار. فربما لا نستطيع تغيير الليل، لكننا نستطيع أن نترك فيه نافذة مفتوحة تكفي ليدخل منها أول خيط من الفجر
ليست الكتابة هروبا من الواقع، بل مواجهة أكثر شجاعة له. إنها الطريقة التي يقول بها الإنسان للعالم
أنا ما زلت هنا رغم كل شيء!!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...